في أيار عام 1891 أضرب 125 ألف عامل بلجيكي مطالبين بتغييرات في النظام الانتخابي. في نيسان 1893 نفذ إضراب آخر، وشمل حوالي ربع مليون عامل، وذلك للهدف نفسه. والنتيجة كانت عالمية، ولكن غير عادلة، والمزيد من الامتيازات، فأصوات الأغنياء و”المثقفين” تُعَدّ مرتين أو ثلاثة مرات أصوات العمال والفلاحين. العمال، غير الراضين، خرجوا بعد ذلك بتسع سنوات وطالبوا بتعديل كامل للدستور. هذه الإضرابات تركت انطباعا كبيرا عند روزا لوكسمبورغ.

في أيار عام 1891 أضرب 125 ألف عامل بلجيكي مطالبين بتغييرات في النظام الانتخابي. في نيسان 1893 نفذ إضراب آخر، وشمل حوالي ربع مليون عامل، وذلك للهدف نفسه. والنتيجة كانت عالمية، ولكن غير عادلة، والمزيد من الامتيازات، فأصوات الأغنياء و”المثقفين” تُعَدّ مرتين أو ثلاثة مرات أصوات العمال والفلاحين. العمال، غير الراضين، خرجوا بعد ذلك بتسع سنوات وطالبوا بتعديل كامل للدستور. هذه الإضرابات تركت انطباعا كبيرا عند روزا لوكسمبورغ. فكرست مقالين لهذا الموضوع- التجربة البلجيكية (1)، ومرة أخرى عن التجربة البلجيكية(2)- بحيث أشارت إلى الطبيعة الثورية للإضراب السياسي كسلاح محدد بيد الطبقة العاملة. بالنسبة إلى روزا لوكسمبورغ الإضراب العام، السياسي والاقتصادي، يشكل مسألة محورية من ضمن النضال الثوري من أجل تحقيق سلطة العمال.

حماس روزا لوكسمبورغ لهذه الوسيلة وفهمها العميق لها بلغ مستوى أعلى خلال الثورة الروسية عام 1905:
“في الثورات البرجوازية السابقة، كان هناك من جهة التثقيف السياسي وقيادة الجماهير الثائرة، ومن جهة أخرى المهمة الثورية اقتصرت على إسقاط الحكومة، والمعركة القصيرة التي حصلت على المتاريس صاحبت النضال الثوري. اليوم، وفي وقت أصبحت فيه الطبقة العاملة أكثر تعلما، تنظم وتقود بنفسها الصراع في سياق النضال الثوري، عندما تتجه الثورة ليس فقط ضد النظام إنما أيضا ضد الاستغلال الرأسمالي، يظهر الإضراب العام كوسيلة طبيعية لتحشيد أوسع قدر ممكن من الطبقة البروليتارية نحو الفعل، ولتثويرها ولتنظيمها. كذلك هي طريقة لتقويض وإسقاط سلطة الدولة وكذلك الحد من الاستغلال الرأسمالي… وبهدف تحقيق مشاركة واسعة من الطبقة العاملة في أي حراك سياسي مباشر، ينبغي بداية أن تنظم هذه الطبقة نفسها، والتي تعني قبل كل شيء إزالة الحواجز بين المصانع والحرف، بين المناجم والمسابك، ويجب عليها التغلب على الانقسامات داخل المصانع حيث نير الرأسمالية يزيد منها. كما أن الإضراب العام هو الشكل الأولي الطبيعي العفوي لكل فعل بروليتاري ثوري. وكلما أصبح القطاع الصناعي ركيزة الاقتصاد، كلما برز الدور الأساسي للطبقة العاملة، وبالتالي تزيد الصراعات بين العمال والرأسمال، وتصبح بذلك الَإضرابات العامة أكثر حسما وقوة. الشكل الأولي للثورات البرجوازية، يأخذ شكل المعارك على المتاريس، والمعركة المفتوحة مع جيش النظام، هي معركة ذات طابع هامشي في الثورة اليوم، وهي تشكل لحظة معينة ضمن مجمل السيرورة التي تخوضها جماهير البروليتاريا المناضلة”(3).

وعلى العكس من كل الإصلاحيين الذين يرون جدارا فاصلا بين النضالات الجزئية بهدف الإصلاح الاقتصادي وبين النضال السياسي من أجل الثورة، روزا لوكسمبورغ أوضحت أنه خلال الحقبة الثورية ينمي النضال الاقتصادي النصال السياسي والعكس صحيح:
“الحركة لا تتجه باتجاه واحد فقط، من الاقتصادي إلى السياسي، لكن ذلك يحصل أيضا بالاتجاه المعاكس. كل حراك سياسي جماهيري، عندما يصل إلى قمته، ينتج مجموعة من الإضرابات العامة الاقتصادية. وهذا لا يقود إلى مشاركة فردية ضمن إضراب عام إنما يقود إلى ثورة بشكل عام. مع انتشار وتوضيح وتكثيف النضال السياسي لا يعني أن النضال الاقتصادي سينحسر إنما على العكس فإنه سيتمدد ويصبح أكثر انتشارا وتكثيفا. هناك انعكاس متبادل بين النضالين. كل هجوم ونصر طازج لنضال سياسي سيكون له أثرا قويا على النضال الاقتصادي، وفي الوقت عينه يوسع إمكانية نضال العمل بهدف تحسين أوضاعهم ويقوي لديهم الدافع للقيام بذلك وبالتالي يعزز لديهم الروح المكافحة. وبعد مد مرتفع من النضال السياسي سيكون هناك رواسب خصبة التي تُنبِت ألف نضال اقتصادي. والعكس صحيح. النضال الاقتصادي المستمر ضد الرأسمال يدعمهم خلال توقف المعركة السياسية. النضال الاقتصادي يشكل، إذا جاز التعبير، الخزان المستمر لقوة الطبقة العاملة حيث يستمد النضال السياسي منه قوة دافعة جديدة. الصراع الاقتصادي الدؤوب يؤدي في كل لحظة إلى نشوب صراعات معزولة وحادة لا تلبث إلا أن تسبب انفجارا سياسيا غير متوقع على نطاق واسع.

بكلمة واحدة، النضال الاقتصادي هو العامل الذي يدفع الحركة من نقطة سياسية محورية إلى نقطة أخرى. النضال السياسي يخصّب الأرض أمام النضال الاقتصادي. ويحصل تأثير متبادل كل ثانية. هكذا نجد هذين العنصرين، السياسي والاقتصادي لا ينفصلان عن بعضهما البعض خلال فترة الإضرابات الجماهيرية في روسيا، ولم يلغيا بعضهما البعض، كما رأى بعض المتحذلقين”. (4)

الذروة المنطقية والضرورية للإضراب العام هي “تحقيق انتفاضة يمكن الوصول إليها عن طريق سلسلة من الانتفاضات الجزئية التي تعد أرض الواقع، التي يمكن أن تكون معرضة “للهزيمة” أو للقضاء عليها، وقد تظهر كل انتفاضة [جزئية] بأنها “سابقة لأوانها”” (5).

وما يزيد من نتائج الوعي الطبقي خلال الإضرابات العامة:
“الأمر الأكثر أهمية، لأنه الأكثر ديمومة، عندما تنحسر وتتدفق الموجة الثورية، هو نمو الروح البروليتارية. التقدم الفكري للبروليتاريا يوفر ضمانة متينة للتقدم خلال النضالات الاقتصادية والسياسية التي لا مفر منها في المستقبل” (6).

وما المثالية العمالية تدفعهم إلى الانتفاض! لأنهم يضعون جانبا الأفكار حول إذا كان لديهم ما يلزم لإعالة أنفسهم وأسرهم خلال الصراع. لا يسألون ولا يطلبون أي مساعدة تقنية أولية التي يصنعونها:
“مرة واحدة في فترة جدية من بدء الإضرابات العامة، كل “كلفة العمليات” تصبح شبيهة بقياس المحيط بواسطة دلو. وإنه محيط، وبحر من المتاعب الرهيبة والحرمان الذي تعاني منه البروليتاريا- التي هي تكلفة ثابتة في كل ثورة. الحل الذي يأتي مع الحقبة الثورية هو ظاهريا مشكلة غير قابلة للحل بما يتعلق الحرمان من المساعدة المادية للمضربين، هذا الأمر هو توليد لمثالية هائلة التي يبدو أنها أصبحت بمأمن من حرمان أفظع” (7).

ما سبق هو لمحة من المبادرة الثورية الرائعة والتضحية الذاتية التي تدفع إلى انتفاضة العمال خلال ثورة وبالتالي بررت إيمان روزا.

هذا النص هو الجزء الثالث من كتيب توني كليف- روزا لوكسمبورغ- الصادر عام 1959 في العدد الثاني والثالث لدورية الاشتراكية الدولية

1. Die Neue Zeit, 26 April 1902.

2. Die Neue Zeit, 14 May 1902.

3. R. Luxemburg, Ausgewählte, vol.I, pp.227-228.

4. R. Luxemburg, Ausgewählte, vol.I, pp.201-202.

5. R. Luxemburg, Ausgewählte, vol.I, p.274.

6. R. Luxemburg, Ausgewählte, vol.I, p.187.

7. R. Luxemburg, Gesammelte, vol.III, p.457.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *