استندت في مقالتي هذه الى نتائج دراسات لبنانية نُفِّذت على عينات محدودة العدد؛ هكذا يسعني الافتراض – وافتراضي محتاج لاثبات – ان عمل المرأة قدم لها مكتسبات شخصية وعلائقية، لكنه لم يمنع عنها العنف والتمييز القائمين على الجندر.


استندت في مقالتي هذه الى نتائج دراسات لبنانية نُفِّذت على عينات محدودة العدد؛ هكذا يسعني الافتراض – وافتراضي محتاج لاثبات – ان عمل المرأة قدم لها مكتسبات شخصية وعلائقية، لكنه لم يمنع عنها العنف والتمييز القائمين على الجندر.

أيٌّ النساء يعملن؟ تزوّدنا المسوحات الوطنية التي تنفّذها إدارة الإحصاء المركزي بمعلومات موثوقة عن واقع عمل المرأة. فهذه بيّنت لنا في دورتها الأخيرة، مثلاً، أن النساء اللبنانيات العاملات يشكّلن حوالى 23% من مجمل النساء فوق الـ15 سنة، (وذلك في مقابل 73% من الرجال)، وأن هذه النسبة ترتفع إلى 47% في الشريحة العمرية الواقعة بين 25 و34 سنة ثم تعود للانخفاض وتستقر عند المعدل العام، أو أقل من ذلك، في الشرائح العمرية اللاحقة. كما أن نسبة العاملات اللواتي لم يسبق لهن الزواج هو 57%، فيما أقل من 35% منهن متزوجات، وأن الجامعيات يشكّلن أكثر من 47%من العاملات، إجمالاً، فيما نسبة الجامعيين من العاملين أقل من ذلك بكثير.

تشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى أن فئة النساء العازبات، والأكثر شباباً، والأكثر علماً هن الأكثر إقبالاً على العمل. لكنه قد يعني ايضاً أن النساء يتركن سوق العمل بعد سن الزواج والإنجاب من أجل العناية بأسرهن. المرأة تقوم، ها هنا، بحساب الربح والخسارة: ففي حال كانت مهنتها مُجزية مالياً، فهي تحتفظ بعملها بعد الزواج، والعكس بالعكس. وتشير الارقام ايضاً إلى أن النساء، باستثناء الحائزات على الشهادات الجامعية وذوات المهن الأعلى، يعملن لأسباب اقتصادية، أساساً، لا لأسباب معنوية. ويعزز هذا الاستنتاج ما توصّلت إليه دراسات ميدانية من ارتفاع نسبة الراضيات عن عملهن كلما ارتفعت درجة تعلمهن – وارتفع دخْلُهن المالي – ومن انخفاض نسبة الأميات، أو الحائزات على تعليم ابتدائي فقط، من مجموع الراضيات عن عملهن.

الاستقلال الاقتصادي
تعمل النساء اللبنانيات، إذاً، لأسباب اقتصادية أساساً، فهل أدى ذلك إلى استقلالهن الاقتصادي؟ تتوافق الدراسات التي تناولت السلوك المالي للنساء عندنا، على أن المراة العاملة تشارك مشاركة فعالة في مصاريف أسرتها تصل لدى ثلاثة أرباعهن إلى 50% أو أكثر. وذلك لدى الأسر المتوسطة الدخل، خاصة. أي، أن عمل المرأة يساهم، بالتأكيد، في الإعلاء من رفاه الأسرة المالي.

وأكثرية العاملات يشاركن في مصاريف أسرهن برضى تام. فيما تشعر بعضهن بالغبن لقيامهن بذلك. خاصة، أن بعض الأزواج يسجّلون مشتريات كبرى، كالسيارة أو الشقة السكنية مثلاً، باسمائهم دون زوجاتهم. وهناك قسم من النساء يُمنعن من التصرف برواتبهن، وقلّة منهن تتجرّأ فتخفي جزءاً من أموالهن عن ازواجهن.

وتشكّل الأمور المالية سبباً للنزاعات الزوجية الحادّة. ونسبة الأسر التي تشهد هذه النزاعات تتفاقم إذا كانت المرأة عاملة. ويشير الباحثون بتواتر لافت إلى أن بعض الزوجات جاهلات بمداخيل أزواجِهن المالية، حتى العاملات منهن. ويمثّل إخفاء الزوج الوضع المالي عن الزوجة واحداً من مظاهر العنف ضدها، ومن دلائله كون نسبة عالية من النساء المعنّفات جاهلات بدخل معنّفيهن المالي.

ضغوط العمل
تتعرّض المرأة العاملة إلى ضغوط شبيهة بالضغوط التي يتعرّض لها الرجل في العمل، ويضاف إليها التمييز الجندري الذي تتعرّض له لكونها امرأة. ومن مفاعيله، كما لا يخفى، التحرّش الجنسي بها. فيبدو العمل، بذلك، تذكيراً غير مرحّب به، بالتمييز الجندري. تلك نتيجة “منطقية”. لكن تفحّص الواقع يبيّن صورة مغايرة. فالدراسات المنهجية تشير، على الدوام، إلى أن المرأة العاملة تتمتّع بصحة نفسية أفضل، وتشكو من عوارض كآبة أقلّ، وتصرّح أنها تتعرّض لضغوط أقلّ.

والتأويل الذي يقترحه الباحثون لهذه النتائج غير المتوقعة، هو أن المرأة العاملة تستفيد من الموارد الإضافية المتاحة لها، ومن تعدد مصادر الدعم الاجتماعي الذي توفّره البيئة الإنسانية للعمل. كما أنها تكتسب مهارات حياتية لا تتوافر لها شروط اكتسابها في المجالات الأسرية وحدها؛ وهو ما يسمح لها بإدارة الضغوط التي تتعرّض لها والتكيّف معها بوسائل أجدى.

العمل المنزلي
لا تزال العناية بشؤون الأسرة، كصيانة عيشها اليومي والاهتمام بالأولاد، من مهمات المرأة، سواء أكانت عاملة أم لا. وأنا أزعم أن عمل المرأة في مهنة خارج – منزلية يلقي الضوء على عملها في داخله ويجعله مرئياً. وذلك لأن أسرتَها محتاجة للجوء إلى شخص بديل، هو العاملة في الخدمة المنزلية التي تتقاضى بدلاً مالياًلتقوم بصيانة حيوات أفرادها. هذا اللجوء هو تأكيد موضوعي، لا سبيل لنكرانه، إلى أن صيانة حيوات أفراد الأسرة هو عمل، لا دور “طبيعي”، ويستحق، إذاً، أجراً وتقديمات وامتيازات أسوة بالأعمال كلها.

تتحمّل المرأة العاملة، بالتأكيد، عبء العمل المزدوج. لكن عملَها “الخارج منزلي” أكّد أهمية عمل ربة البيت “غير العاملة” تسمية…. و”العاملة”، فعلاً. ما نقوله أصبح، وإن بخجل، من الخطاب النسوي عندنا.

التحسّر على الأولاد
قلما تُذكر المرأة العاملة الأم دون تلويمها والتحسّر على أولادها لأن عملها المهني قد سلبهم وقتاً وجهداً واهتماماً … كلّها من حقهم عليها. إن هذا التحسّر وذلك التلويم محتاج لمراجعة في ضوء متغيرات طرأت على الأسرة اللبنانية المعاصرة. فالإحصاءات تشير إلى انحسار عدد الأولاد إلى أقل بكثير من ثلاثة في الأسرة اللبنانية الواحدة. هؤلاء الأولاد يتركون البيت إلى المدرسة باكراً ويتلقون معارف تتغيّر بسرعة لتصبح الأمهات- وحتى المحصّلات منهن تعليماً عالياً – غير مؤهلات لمواكبة تطوّرهم أو حتى تدريسهم. وفي ظل المكننة التي اختصرت العمل المنزلي، وتزايد أعداد الرجال المنخرطين في العناية بأولادهم، فإن انشغال الأم بابنائها لا يسعه أن يكون “مشروع حياة” حصري لها- كما “ينبغي له أن يكون”، وفق الصورة النمطية للأمومة، وكما كان الوضع عليه سابقاً.

ثمّ من قال أن استواء الأولاد “مشروع حياة” للأم باعثٌ على رفاههم الصحي والنفسي وتكيفهم الاجتماعي وعلى تجنبهم السلوكات الخطرة؟ هل تمّت مقارنة منهجية بين أحوال أولاد المرأة العاملة وأولاد ربة المنزل بإزاء مؤشرات الصحة النفسية والجسدية والتكيف الاجتماعي؟ إن الجزم بأن أولاد ربة البيت أكثر سويّة ونجاحاً من العاملة، دون تفحّص الواقع تفحصاً منهجياً، هو من قبيل التشبّث بمعتقدات تريح معتنقيها من عناء تعديل أفكارهم لتتناسب والواقع المستجد.

المساواة والعنف
يُفضي العمل، وفق تصريح العاملات، إلى الشعور بالثقة بالنفس والتحرر لكنه لا يفضي بهن إلى تحقيق المساواة الجندرية إلا لدى ذوات المهن الأعلى، دون العاملات في مهن أو درجة تعليم دنيا.ويُلاحظ أن الاتجاه المعمّم عندنا لتثمين تعليم الفتيات وتشجيعهن على العمل “الخارج منزلي” يشوبه تحفّظ لدى البعض مصدرُه الخشية من كون الاستقلال المادي للمرأة سبيلاً للتحرر الشخصي من سلطة زوجها المستقبلي وحجّةَ للانتقاص من “رجولته”. لذا، “يستحسن”، برأي هؤلاء، أن يكون تحصيلها العلمي، ومهنتُها استطراداً،أخفض درجة من مستوى مثيلهما لدى الرجل. خلاف ذلك، يكون الوضع مرشّحاً، برأيهم، لإذكاء النزاعات داخل الأسرة.

ويبدو أن لهذه الخشية ما يبررها. إذ تشير الدراسات إلى أن نسبة عالية من المعنّفات داخل أسرهن يتفوّقن تعليميا على معنفيهن، وبعضهن ذوات مهنة أعلى مرتبة منهم. إن العنف الذي تتعرض له بعض النساء ليس ذا صلة بكونهن عاملات أم لا، لأن النساء يعنّفن في الحالتَين. اللافت أن النساء اللبنانيات عملن، أم لم يعملن، متساويات في قبول العنف أو في رفضه (كما نتبين من وتيرة التبليغ عن العنف أو من ترك المنزل الأسري). لكن من تعمل في مهنة عليا، فإن احتمال تركِها منزل المعنّف هو أكثر من تلك العاملة في مهنة وسطى أو دنيا. تبدو المهنة العليا وكأنها عامل محفّز لرفض المرأة التعنيف في إطار أسرتها.

في المجالات العامة
تُبدي المرأة اللبنانية العاملة اهتماماً بالشأن العام يفوق اهتمام ربة المنزل، وتتابع مجرياته في الوسائل الإعلامية المختلفة. وتنحو صاحبات المهن الحرّة منهن إلى متابعة الشأن السياسي والمشاركة في النشاط السياسي الوطني، كالاقتراع مثلاً، أكثر من النساء ذوات المهن الأخرى. وإذ تنشط المرأة اللبنانية، عامّة، في العمل الاجتماعي أكثرمن العمل السياسي، فإن العاملات يشكّلن أكثرية من بين الناشطات في المنظمات غير الحكومية الثقافية والنسوية، فيما تميل ربات البيوت إلى العمل في في منظمات خيرية.

ربح لها؟
استندتُ، في مقالتي هذه، الى نتائج دراسات لبنانية نفّذت على عيّنات محدودة العدد؛ هكذا يسعني الافتراض – وافتراضي محتاجٌ لإثبات – أن عمل المرأة قدّم لها مكتسبات شخصية وعلائقية، لكنه لم يمنع عنها العنف والتمييز القائمَين على الجندر. أما الكسب المالي – غايتها من العمل- فقد صبّ، غالباً، في موازنة أسرتها ولم يفضِ بها إلى إستقلالها الاقتصادي. لكن يبدو أن ما لم تربحْه المرأة من عملها لم يثبط همّتها. فنشاطُها النسوي دليل على أنها خوّلت نفسَها مهمّة أضيفت إلى مهمات دورها المزدوج: العمل من أجل رفع التمييز والعنف عن كلّ النساء.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *