كان الأستاذ يتحدث على الهاتف الخلوي بأدب شديد في سيارة الأجرة. الشاب الأربعيني يتكلم مع معلم آخر واضح من طريقة حديثه معه أنه أرفع منه إدارياً. كان يشكره على قيامه بتأمين غطاء غيابه بكثير من الامتنان. وعده بأن يعوض على طلابه ما يفوتهم من الحصص بسبب الإضراب «حتى لو كانت أيام الآحاد». الإضراب المستمرّ منذ التاسع عشر من الجاري من أجل إحالة سلسلة الرتب والرواتب إلى مجلس النواب بصفة المعجّل، من دون تقسيط أو تجزئة.


كان الأستاذ يتحدث على الهاتف الخلوي بأدب شديد في سيارة الأجرة. الشاب الأربعيني يتكلم مع معلم آخر واضح من طريقة حديثه معه أنه أرفع منه إدارياً. كان يشكره على قيامه بتأمين غطاء غيابه بكثير من الامتنان. وعده بأن يعوض على طلابه ما يفوتهم من الحصص بسبب الإضراب «حتى لو كانت أيام الآحاد». الإضراب المستمرّ منذ التاسع عشر من الجاري من أجل إحالة سلسلة الرتب والرواتب إلى مجلس النواب بصفة المعجّل، من دون تقسيط أو تجزئة.

روى الأستاذ الشاب لسائق الأجرة الكهل بأن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عندما قصدها قضاة وعسكريو بلادها طالبين مساواتهم بالأجر مع المعلمين ردّت عليهم: «كيف أساويكم مع من علّمكم؟». هزّ السائق الكهل رأسه موافقاً.

لكنّ الأستاذ لم ينتبه للحركة الأخيرة فقد نقد السائق بدَل الأجرة وفتح الباب مسرعاً لإدراك التظاهرة التي تكاد تنطلق من منطقة البربير. المنطقة التي مشت منها تاريخياً التظاهرات المطلبية. بعضها أصاب وبعضها خاب. لكن تظاهرة اليوم (أمس) مصرّة على مطلبها، إلى آخر رمق.

انضم الطلاب إلى أساتذتهم في التظاهرة التي دعت إليها «هيئة التنسيق النقابية».

طلاب ثانوية رحبة، العكارية، فخورون بمعلميهم، وفخورون أكثر بنقابيين يتحدران من البلدة. الأول اسمه حنا غريب والثاني اسمه نعمة محفوض، ولكل منهما فضل كبير وباع طويل في التحرّك المطلبي الذي يتراكم يوماً بعد يوم.

حضر الأساتذة وموظفو الإدارات العامة بالبدلات الرسمية، بسراويل الجينز، وبالملابس والأحذية الرياضية. ومهما كان نوع الهندام فاللياقة في المشي نحو السرايا عالية. وهؤلاء لا يتعبون. ليس لأنهم رياضيون متمرسون بل لأنهم أصحاب حق لن يتخلوا عنه. لذلك فنفسهم طويل.

ارتفعت المظلات الملونة لتخبئ الرؤوس العارية من شمس الظهيرة. وانشغلت المعلمة المحجبة التي أتت من طرابلس بتفريغ مياه الشرب من القنينة على رأس ابنها، طفل السنوات السبع، الذي جاء يتعلم مع أمه معنى العمل الديموقراطي.

الحشد غفير ولغـــات اللافتـــات متـــنوعة تنوع المواد التي يدرّســـها الأساتذة. من بينها.. الصينية! والصينية التي حـــمل لافتتها أستاذ بيروتي هي محاولة منه لتغيير لغة الحــــوار غير المجدي مع الحكومة التي يكاد يجزم بأن وزراءها لا يفــــهمون العربية. واللافتة الصـــينية تقول على ذمة حـــاملها بأن «السلسلة حق لنا ولن يحرمنا منها أحد».

محاولات تنظيم التظاهرة في مقدمتها فاشلة. كلّما تشكل صف أمامي تشكّل آخر أمامه. بسبب كثافة المشاركين لم تعد إمكانية ضبط المقدمة ممكنة. لكن هذا ليس مهماً. فالمشــاركون ليســـوا في سبـــاق. وجميعهم يعلمون وجهتــهم ويعرفون نقــطة النهاية.

مكبرات الصوت موزعة على المجموعات. أولها يحملها أستاذ خمسيني حضّر نفسه جيداً لهذا اليوم. كتب ردّياته الطريفة ليلاً وأحضرها معه في كرّاس ليلقيها في المشاركين كأنه يلقـــي درساً في الطلاب. والمشاركون صاروا يرددون من ورائه من دون كلل، بفرح ظاهر.

تقول لازمة إحدى الردّيات إنّ الحكومة حرمت الشعب من حق التعبير، وقد باتت الحالة «تعتيراً بتعتير». وعندما وصل الأستاذ إلى فقرة يقول فيها «ما بدنا تعطونا الزودة» (الزيادة على الأجور) أصيب المشاركون بالارتباك، حتى أن بعضهم توقف عن السير. قبل أن يتابع: «من الضرايب (الضرائب) عالفقير»، فعادت الابتسامات المطمئنة بعدما توضحت الفكـــرة. صاحب الرديات هو الأستاذ عدنان الذي حضر بالبدلة الرسمية والقبعة الرياضية.

التظاهرة سعيدة. هذه تظاهرة مطلبية سعيدة. هذا أمر واضح. مسكت المشاركات أيدي بعضهن البعض كمن يتمشين في نزهة جميلة. رن هاتف أحدهم. زميلته على الخط. كان قد مضى أكثر من نصف ساعة على الانطلاق. طلب منها الحضور. فالصف طويل و«بتلحقي». ولأن الطفل يتعثّر برجليه الصغيرتين، سيرفعه والده ويضعه على كتفيه لتصير الرؤية أحلى وأوضح.
«دوموزيل رلى كيف حالك؟» صرخت الصبية بأعلى صوتها، ثم ركضت نحوها، عانقتها بقوة وقبّلتها. فرحت الدوموزيل بالمفاجـــأة غـــير المتوقعة. للأساتذة والمعـــلمات حرارة لا تنطفئ في قلوب التلاميذ، وصور لا تفرغ من الذاكرة، وخجل مستمر لا ينتهي.
في منطقة البسطة لا مانع من كعكة أبو علي يتقاسمها أربــــعة أو خمسة مشاركين. وقنينة عصير الليمون البارد التي حملـــتها الموظـــفة معها ستدور على زملائها ليفوز كل واحد منهم بجرعة منها.

تستدير التظاهرة من خلف بناية العازارية وتمر من ناحية ساحة الشهداء بالقرب من مسجد محمد الأمين لتدرك السرايا. تبحث عن الرئيس نجيب ميقاتي «الذي وضع قطناً في أذنيه». تصرخ له فلا يسمع. تنادي الهيئات الاقتصادية وتعلن لها، بفم ملآن، بأنها لا تخاف التجار.

يتناوب ممثلو «هيئة التنسيق النقابية» على صعود المنبر. يلاقي حنا غريب تصفيقاً كثيفاً وصفيراً عالياً من المشاركين. الرجل صار حالة شعبية. إذا تقدم للانتخابات النيابية، في أية دائرة، فسيشكل خطراً على المرشحين. لكن هذا سيحدث في حالة واحدة فقط: يوم يقرر اللبنانيون أن ينتخبوا بالطريقة نفسها التي قرروا أن ينزلوا فيها إلى الشارع أمس ليطالبوا بحقوقهم.
أحلى ما في التظاهرة أن ليس فيها سياسيون ولا شعاراتهم الفارغة. لافتات وأناس مؤمنون بحقوقهم وواثقون بالنقابيين الذين يقودونهم وعلم لبناني، ولا شيء آخر غير ذلك. والكباش «الشعبي» مستمر مع الحكومة وصولاً إلى الإضراب العام الشامل في حال عدم إحالة السلسلة خلال هذا الأسبوع، على ما أكد غريب الذي أعلن «بداية انتفاضة ثورة الجياع في لبنان».
لعلّ هذه الثورة، إذا نجحت، تكون فسحة خير ممكنة في هذا الوطن الكئيب.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *