«الحوار هو ما يفعله الناس في الشارع وليس ما يفتعله السياسيون على الطاولة. هيئة التنسيق هي النقابة الفعلية وهذا الجمع هو الوحدة الوطنية الحقيقية»، يُقنع هذا الكلام للموظف في وزارة الاتصالات غسان ناصر المشاركين في تظاهرة العاصمة أمس. فانتفاضتهم مستمرة بزخم غير مسبوق تجمع حولها آلاف المعلمين والموظفين في أماكن ما كانوا ليجتمعوا فيها لو لم يكن العنوان نقابياً معيشياً.

تتلاقى صرخاتهم وتتشابك أيديهم ويفترقون على أمل اللقاء في اليوم التالي، وهم يسألون في كل يوم ما إذا كانت حركتهم المتصاعدة ستؤسس فعلاً لتغيير ما.


«الحوار هو ما يفعله الناس في الشارع وليس ما يفتعله السياسيون على الطاولة. هيئة التنسيق هي النقابة الفعلية وهذا الجمع هو الوحدة الوطنية الحقيقية»، يُقنع هذا الكلام للموظف في وزارة الاتصالات غسان ناصر المشاركين في تظاهرة العاصمة أمس. فانتفاضتهم مستمرة بزخم غير مسبوق تجمع حولها آلاف المعلمين والموظفين في أماكن ما كانوا ليجتمعوا فيها لو لم يكن العنوان نقابياً معيشياً.

تتلاقى صرخاتهم وتتشابك أيديهم ويفترقون على أمل اللقاء في اليوم التالي، وهم يسألون في كل يوم ما إذا كانت حركتهم المتصاعدة ستؤسس فعلاً لتغيير ما.

لكن ثمة دعوة إلى حوار من نوع آخر تطلبه الهيئات الاقتصادية غير وارد في قاموس الإضراب المفتوح لهيئة التنسيق. فالنقابيون لا يرون مبرراً لمثل هذه الدعوة، لكون علاقة موظفي الدولة هي مع الحكومة وأي تفاوض بشأن سلسلة الرواتب يكون معها فقط، وكل ما يجري خلاف ذلك هو محاولة، برأيهم، للالتفاف على التحرك وأخذه إلى مكان آخر. وفق هذا المنطق، رفضت أمس قيادات هيئة التنسيق إعطاء أي موعد للاجتماع بممثلي الهيئات الاقتصادية.

هذا لم يمنع وزير السياحة فادي عبود من لقاء أعضاء الهيئات في ضيافة رئيسها عدنان القصار، تحت عنوان «وقف الحوار لا يجوز». شدد المجتمعون على أنّه «لا يُمكن هيئة التنسيق التمسّك بموقفها الرافض لتطبيق الإصلاحات وإقفال الباب عليها على قاعدة «إمّا السلسلة كما هي أو الاستمرار في الإضراب».

أما الإصلاحات فهي متنوّعة، بحسب هؤلاء، وتتعلق تحديداً بنظام تعويضات نهاية الخدمة أو المعاشات التقاعدية. إلى ذلك، يصوّب رجال الأعمال باتجاه إعادة نفض هذا النظام من أساسه «وتغيير فلسفة المعاش التقاعدي» عبر التحوّل إلى مفهوم الصناديق التعاضدية الذي يُعيد للموظّف القدر نفسه من الأموال التي استثمرها، خلافاً لما هو معتمد حالياً بنسبة اشتراكات تبلغ 6%. برأي الهيئات، فإنّ نظام التقاعد المعتمد حالياً «يُهدّد بكسر لبنان خلال عشر سنوات».

وكان هذا الإجراء قد طُرح في نقاشات اللجنة الوزارية المكلفة بحث تمويل السلسلة، غير أنّ هيئة التنسيق رفضته رفضاً قاطعاً وتعهّدت عدم المضي قدماً بحلّ على حساب حقوق المتقاعدين. كذلك تطرّق المجتمعون إلى إجراءات إصلاحية أخرى تُعدّ شرطاً أساسياً للبحث في إمكان الموافقة على إقرار السلسلة ومنها رفع مستوى الإنتاجية في القطاع العام وربط الدرجات بامتحانات الجدارة وليس صرفها تلقائياً وحل معضلة حصول الموظفين على بدلات منح مدرسية وتسجيل أولادهم في المدارس الخاصة. وأكدت الهيئات ضرورة أن تُظهر هيئة التنسيق مرونة في بحث قضية الدرجات الست التي أُقرّت للأساتذة. الإصلاحات المذكورة لا تعني أنّ «الهيئات لم تعد رافضة للسلسلة في المبدأ جملةً وتفصيلاً»، فرئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة في لبنان، محمد شقير، كرر في اتصال مع «الأخبار» أنّ «الهيئات الاقتصادية لا تزال عند موقفها لجهة ضرورة إيضاح كلفة السلسلة وطريقة تمويلها قبل الموافقة عليها». وقال إننا « كهيئات اقتصادية نرى قيمة الدولار الواحد، فيما لا يبدو أن الحكومة تُعطي قيمة للأموال». يُعلّل ذلك بالإشارة إلى «أنّنا لم نحصل على رقم واحد وثابت بين وزير وآخر ويُمكن أن يصل الفرق بين تقديراتهم إلى 500 مليون دولار!».

ومع ذلك، فرئيس الحكومة نجيب ميقاتي مصمم، بحسب مصادر قريبة منه، على إقفال ملف السلسلة، «لكن على طريقتي». يريد الرجل أن يقدّم سلة واحدة للتمويل، تسمح أيضاً بخفض عجز الموازنة. النائب ميشال عون تطرق هو أيضاً في الاجتماع الأسبوعي لتكتل التغيير والإصلاح إلى القضية فأيد «إعادة النظر بالرواتب ولكن ليس من جيبة الفقير»، ملقياً اللوم على الأساتذة لجهة الأسلوب الذي اتبعوه.

أما الوزير محمد فنيش فلم يعد قادراً على توقع تاريخ إحالة السلسلة على مجلس النواب، «لأنني كنت أنتظر إحالتها منذ أكثر من شهر»، علماً بأنه اتصل بالرئيس ميقاتي أمس للاستفسار منه عما آلت إليه عملية البحث عن تمويل السلسلة، فأجابه الأخير بأنه لم يتسلم بعد من وزير الأشغال غازي العريضي تقرير «التنظيم المدني» بشأن اقتراح «طابق الميقاتي».

السلسلة ليست على جدول أعمال مجلس الوزراء اليوم إذاً، وفق وزير المال محمد الصفدي، إلّا أنّ وزير الصحة علي حسن خليل يجزم بعد لقائه وفد هيئة التنسيق أنّها ستناقش بجدية ومسؤولية، في الجلسة، لكن ليس تحت سقف الإضراب، وإن كان المجلس، كما قال، لا يستطيع أن يتجاهل ما يجري على الأرض، والحكومة مدعوة إلى تكثيف اجتماعاتها لبت الملف نهائياً، ولو احتاج الأمر إلى جلسات متتالية. في المقابل، أرسى المتظاهرون أمس قاعدة: «لا دولة من دون موظفي الدولة». والدولة تبدأ، بحسب رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي حنا غريب، بحقوق الموظفين وتنتهي بالقوانين «وما في قيمة للقوانين إذا لم تكن في خدمة الموظفين». أمام وزارة الاقتصاد، دعا محمود ذبيان باسم موظفي الوزارة إلى «تحديث الإدارة ووضع البرامج الإصلاحية التي لا تستقيم إلا بتحسين الظروف المعيشية للموظفين». ونقل عضو رابطة موظفي الإدارة العامة محمد قدوح أجواء التهديدات التي يتعرض لها الموظفون فقال: «البارحة طلب وزير الداخلية من أحد العمداء منع الموظفين في الوزارة من المشاركة في تظاهرة أمس مهدداً بإعادتهم بالقوة، وسمعوا منه كلاماً نابياً».

وانتقد نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض تهويل بعض الوزراء بأكلاف السلسلة، مبدياً سخطه مما قاله وزير الاقتصاد نقولا نحاس لمتقاعدين طرابلسيين زاروه من أجل السلسلة «اشكروا ربكن انو بعدكن عم تقبضوا». وطالب عضو رابطة أساتذة التعليم المهني الرسمي جورج نهرا القوى المعارضة والموالية للحكومة لمواكبة هذا التحرك الشريف والتدخل من أجل الشعب. تسير التظاهرة على وقع الهتافات المبتكرة من وزارة الاقتصاد إلى جمعية المصارف. تتوقف قليلاً قبل أن تتابع مسيرها إلى بلدية بيروت. يخرج الموظفون إلى الشرفات لمشاهدة الحدث والتقاط الصور، فيدعوهم المتظاهرون إلى ملاقاتهم في أسفل المبنى. يهتف أحدهم «انزلوا شاركونا انتو كمان معاشاتكم بالأرض».

تعلو الصرخات ما إن تصل التظاهرة إلى أمام «باتشي»، الشركة المملوكة من شقير «هون الحوت، قاطع قاطع يا أستاذ ويا موظف». يعلق النقابي محمد قاسم: «أنتم أمام امبراطورية مالية لم تشبع من أكل حقوق الناس ومدخراتهم وهي تهجم على سلسلة الرواتب». أما نهاية المطاف فكانت وزارة الاتصالات التي خرج موظفوها بأمهم وأبيهم يستقبلون الوافدين.

المناطق تنتفض
تترافق تظاهرات العاصمة مع تحركات حاشدة في مراكز الأقضية والمحافظات. حتى الساعات الأولى من مساء أول من أمس لم تكن المدارس الخاصة في البقاع (رامح حمية) قد اتخذت قرارها بعد، بالتزام الإضراب أو بإبقاء أبوابها وقاعاتها مشرعة أمام تلامذتها، إلا أنه تحول أمراً لا بد منه لدى بعض هذه المدارس، «حرصاً على سلامة طلابنا، ومنعاً لحصول أية مشاكل»، كما يقول أحد المديرين. ولم يتجاوز عدد المدارس التي لم تتقيد بالإضراب أصابع اليد الواحدة. وفي صيدا (أمال خليل)، تجمع أساتذة التعليم الرسمي في السرايا الحكومية، وانطلقوا في مسيرة حاشدة اجتازت ساحة الشهداء قبل أن تتوقف عند مقر مصلحة مياه الجنوب التي كانت تشهد إضراباً وتجمعاً لموظفيها الذين انضموا إلى المسيرة. وسار المتظاهرون إلى مصلحة كهرباء لبنان مروراً بساحة النجمة حيث توقفت قليلاً ليلتحق بها موظفو الكهرباء، وبعدها قطع المتظاهرون مستديرة إيليا. إلا أن إجماع المدارس الرسمية والخاصة على إقفال أبوابها أمس الأول، لم يتكرر أمس. إذ سجل خرق بعض المدارس الخاصة لقرار الإضراب وفتحت أبوابها. أما في صور، فقد سارت تظاهرة من أمام فرع مصرف لبنان حتى سرايا صور.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *