إنه الحنين فعلاً، لا شيء سوى الحنين إلى ماضٍ سحيق أو لعله معاصر، فمن لديه المشرط كي يرسم الحد الفاصل بين الإثنين؟ هل ذاك الذي لم يعد إلى الماضي لأنه لم يتخطاه أساساً، أم الذي يعود إليه من بوابته الستالينية، أم حتى الذي ينظر إليه بعين الخارج من التاريخ ومن دائرة الصراع؟


إنه الحنين فعلاً، لا شيء سوى الحنين إلى ماضٍ سحيق أو لعله معاصر، فمن لديه المشرط كي يرسم الحد الفاصل بين الإثنين؟ هل ذاك الذي لم يعد إلى الماضي لأنه لم يتخطاه أساساً، أم الذي يعود إليه من بوابته الستالينية، أم حتى الذي ينظر إليه بعين الخارج من التاريخ ومن دائرة الصراع؟

إنه التاريخ حين يتقدم إلى صفوف البوابة الاميركية وايديولوجيتها الناهية للتاريخ نفسه، على حد زعم الزعيم فوكوياما. لربما هو التاريخ الليبرالي الخارج من التاريخ المعاصر، الواثب إلى المستقبل دون أدنى شروط المرحلة، بمعزلٍ عن المراحل السابقة، باحثاً عن مطلق القيمة، مستعيضاً عن نضال الكليات المجردة بنضال الجزئيات والنمط الاميركي للعيش!

إنه التاريخ الذي ما أن يخرج سمير القنطار وجورج ابراهيم عبدالله من الأسر، يطل علينا متبختراً بقراءة تحيل كل شيء إلى التموضع الذاتي، بعيداً عن أية موضوعية في نقاش الخصم، قبل التصفيق لابداعات الحليف. فمن قال أن المشكلة مع سمير القنطار هي في ماضيه وليس في مواقفه الآنية؟

عليه، يذهب البعض في نقاشه للثورة السورية تحديداً إلى رسم الحد الفاصل بين الانسانية المتطرفة المفرطة المحقة من جهة، وبين تلك المنتهية الصلاحية من جهة أخرى. لكن هذا البعض يتناسى أنه يجعل الإنسانية نقطة بداية على خاتمة السطر، فيبتعد في تموضعه اللاانساني نحو مكان آخر، متناسياً أن “الارهابي” هو أسير ومعتقل ليس بسبب الأعمال “الارهابية”، بل لأن حضرة الوالي كان قد قرر أن حريته تضاهي كافة الاجهزة الأمنية للولايات التي ما زالت متحدة في مكان ما من هذا الكوكب ضد حركات احتلال الشارع، ولعلها متحدة أكثر إزاء الشرق المخيف بانبطاحه وببلاهته وآلياته الحنينية دون النظر إلى مصلحته اليومية.

إنه “الارهابي” حين يكون الإنسان منفصلاً عن جزء من تاريخه، فيتناسى حصراً، وعن سابق اصرار وترصّد وتصميم، أن النظام الذي حارب هؤلاء، من أبو عمار إلى وديع حداد إلى آخر المطاف، هو نفسه من يحاربه فخامته اليوم. لذلك، يذهب الى التشبث خلف شبح المضمر ساعياً إلى اختزاله بجرة قلم.

لهؤلاء نقول، من يريد أن يرى إلى الانسانية فليأخذ موقفاً واضحاً من جميع الانظمة القمعية، علّ المعيار والحد الفاصل بين هذه وتلك يصبح هو الموقف من الانظمة بأكملها، ليس على قاعدة جمعها بنظام واحد يدعى السوري، فيتم زوراً إحالة الثورة السورية المجيدة إلى معيار الفصل بين الانسانية والانسان. بل، وعلى العكس من ذلك، نرى هؤلاء يذهبون إلى استيراد وتوظيف الموقف من الثورات بأكملها على اعتبارها مؤامرات، تماماً كما يرى النظام السوري الى الثورة السورية التي “يدعموها”، وكأن المعركة مع النظام هي فقط وحصراً معركة مع الرأس وليس مع الذهنية والمنهجية وسبل القمع والخطاب الفاشي ورمي “البراميل”.

إنها الثورة السورية التي يقيس البعض عليها، وبشكل حصري، موقف الممتعضين من الحاضر والذاهبين إلى الماضي “الارهابي” التعيس، المنزلقين خلف عمليات خطف الطائرات. فكان حري أن يتم نقد الطريقة لا نقد النضال، كان من المفترض أن نؤكد على هذا العداء التاريخي تجاه الانظمة القمعية في سوريا وغيرها من العالم العربي خصوصاً، والعالم بأكمله عموماً، مؤكدين العداء لمن يتربص على أرض فلسطين، فكيف أعمت أعينكم الدول العظيمة؟ وهل أن مطالبة الحرية للشعب السوري تتناقض مع مطالبة الحرية للشعب الفلسطيني من فاشية وفتك النازية الجديدة؟ أم أن مجرد ذكر فلسطين هو حنين إلى ما لم يعد ممكناً بنظركم، إلى ما خلف الآني، إلى الماضي “الإرهابي” السحيق؟

لذلك، يتوجب على هؤلاء معرفة أن التناقض التام مع حزب الله، ومع ما يدعى “الممانعة”، في طريقته وفي خطابه، لا يعني تماهياً مع الطرف الآخر، ولا مع العدو الذي يبقى عدواً، ويبقى اسرائيلياً، ويبقى أن هناك عدداً كبيراً من الانظمة العربية التي نجهد ونتعاطف مع من يثور عليها. فالموقف من الثورة السورية لا يعني وبالضرورة موقفاً مناقضاً مما يجري في البحرين أو في غيرها من الدول، أو الممالك، فهل أن “ليبرالية” هؤلاء لا مشكلة لديها مع الانظمة الملكية أو الثيوقراطية المستبدة؟

عليه، فإن الموقف اليساري، أو موقف بعض اليسار الذي يمكن أن يكون حنيناً في لغة البعض الآخر، وفي مفاهيمهم، هو موقف واحد من كافة الانتفاضات أو الثورات الشعبية على ذهنية الطاغية، على قلع الاظافر وعلى سجن كل مختلف بالرأي. هو موقف الثورة على الانبطاح والفقر، على الاضطهاد والفاشية والذكورية، ليس كحنين إلى الماضي، بل تأكيداً للحاضر وللموقف مما يجري، دون الشاشات والصحف الطائفية المبهرجة، ودون الأخضر والأزرق، ودون التواقيع على أوراق بيضاء.

عاشت الثورة السورية الحرة الأبية

عاشت ثورات الشعوب العربية المستمرة من المحيط إلى الخليج

بيروت في 14\1\2013

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *