لا أدري إن كنت أباً فاشلاً أم ناجحاً؟

في الحقيقة لم تتح لي ظروفي، أن أدخل هذا الامتحان إلى آخره.. فحين وُلِدتْ ابنتي تخفَّيت، وقبل أن تكمل الرابعة اعتقلتُ، ومضت السنوات الخمس الأولى من اعتقالي بدون أية أخبار أو زيارات، ومع ذلك.. أشعر أنني أب إلى حد البكاء.

في سنوات التخفي، كنت أراها بين حين وآخر.. أخاطبها باسمها، وتخاطبني بأحد أسمائي، التي تتبدل حسب الضرورات.

علَّمتها أن لا تناديني “بابا” أمام أحد، وكانت تلتزم بذلك تماماً، إلا في حالات الاحتجاج على شئ ما، كأن ترفض أمها الاستجابة لكامل رغبتها “الكازوزية” مثلاً، عندها تدير أسطوانة التهديد بشكل فحيح متصاعد:

بابا.. بابا.. بابا


لا أدري إن كنت أباً فاشلاً أم ناجحاً؟

في الحقيقة لم تتح لي ظروفي، أن أدخل هذا الامتحان إلى آخره.. فحين وُلِدتْ ابنتي تخفَّيت، وقبل أن تكمل الرابعة اعتقلتُ، ومضت السنوات الخمس الأولى من اعتقالي بدون أية أخبار أو زيارات، ومع ذلك.. أشعر أنني أب إلى حد البكاء.

في سنوات التخفي، كنت أراها بين حين وآخر.. أخاطبها باسمها، وتخاطبني بأحد أسمائي، التي تتبدل حسب الضرورات.

علَّمتها أن لا تناديني “بابا” أمام أحد، وكانت تلتزم بذلك تماماً، إلا في حالات الاحتجاج على شئ ما، كأن ترفض أمها الاستجابة لكامل رغبتها “الكازوزية” مثلاً، عندها تدير أسطوانة التهديد بشكل فحيح متصاعد:

بابا.. بابا.. بابا

ثم لا تتوقَّف، ما لم تتحقق رغبتها، أو تأخذ وعداً قاطعاً بتحقيقها.

بعد اعتقال أمها لم أرها إلا مرتين. أكثر ما كنت أخشاه، وهي معي، أن يحدث لي طارئ أمني، يضطرني إلى الهرب وتركها وحيدة، وهي لا تعرف غير الأسماء الحركية لأبيها، وليس بإمكانها حتى أن تلفظ اسمها بشكل سليم..

ألا يمكن عندها، أن تضيع إلى الأبد؟

كان معها حقيبة، لا أدري من اشتراها لها، وبدا لي أنها حريصة على حقيبتها أكثر من أي شيء آخر.
فتحتُ الحقيبة، ووضعتُ بداخلها ورقة صغيرة، كتبتُ عليها اسمها الكامل، وعنوان أهلي بخط واضح، ثم أوصيتها أن لا تتلف هذه الورقة.

في ذلك النهار كان لدي بعض الانشغالات، التي لا تسمح ببقائها معي، فتركتها مع إحدى الصديقات، على أن تحضرها أو ترسلها إليَّ مع أي شخص على موعد مسائي اتفقنا عليه.

في المساء عادت الصغيرة، ولكن.. لا ورقة ولا حقيبة!
أين الحقيبة يا شطُّورة؟
سألتها، فضربت بكفيها وهي تقول: بحّْ.

تلك كانت آخر ذكرى لي معها قبل اعتقالي.

كانت تسألني عن أمها باستمرار..

صوتها نصف “مبحوح”، ونظرتها أقرب ما تكون إلى الاستجداء.

هكذا.. عند حد معين، يعجز الحلق عن حبس كل ما وراءه من دموع، وهذه الصغيرة توشك أن تفضحني.

في بداية الاعتقال شعرت كما لو اني هربتُ من أسئلتها، لكن ما إن انتهى التحقيق، حتى بدأت أسئلتها عن أمها وعني، تدق أبواب الزنازين.

ما الذي يمكنني فعله بكل هذا العجز يا ابنتي؟!

فجأة.. لمعت في ذهني الفكرة، ثم ما لبثت أن احتلت كل شيء:

عدم اعتقال الصغيرة جريمة.. وهي تفوق في بشاعتها ولا إنسانيتها جريمة اعتقالي نفسها.

إذن عليَّ أن أفكر بطريقة ما، تضمن اعتقالها لتكون مع أمها، أو حتى معي.

سأفترض أنها ولدت في المعتقل، ومن الطبيعي في هذه الحال، أن تكون مع أمها.

قد يبدو لكم هذا الخاطر أقرب إلى الهذيان، وربما يعتبره بعضكم ضرباً من الجنون.

ولكن.. ها هي “دينا”. وُلِدتْ في السجن وتعيش فيه. لم يعترض أحد على وجودها مع أمها.

تظنون أن “دينا” حالة استثنائية؟ طيب قبل “دينا”.. ألم تولد “ماريا” في السجن أيضاً؟ ومع ذلك بقيت مع أمها. فلماذا تنكرون ذلك على ابنتي؟!

بصراحة..لم يكن يهمني ماذا ستقولون عني.

المشكلة هي في إقناع الأجهزة الأمنية بالموافقة على اعتقال طفلة، لا تتقن الكلام بعد.

صحيح أن جميع الاعتقالات السياسية غير إنسانية، ولا شيء يبرِّرها على الإطلاق.. ولكن هذا الاعتقال مبرَّر بصورة ما، أو على الأقل ضروري وطبيعي ضمن منطق الأمر الواقع ، لذلك فكَّرتُ أن أرفع نداء إلى أعلى مسؤول في السلطة، أحمِّله فيه مسؤولية عدم اعتقال ابنتي. لا يمكن له، مهما كان عديم الرحمة، أن يتبرَّأ من هذه المشكلة “الإنسانية”، وبالتالي يجب أن يوعز إلى أجهزته بضرورة حلها.

لكن ما الطريقة لإرسال هذا النداء، وما الضمانة لوصوله إليه شخصيَّاً؟

فيما بعد.. كانت سنوات الجمر التدمرية، تنخل رماداً كثيفاً من النسيان.. إلى أن وصلتنا مجموعة كبيرة من الصور.

جميع الصور عرفها أصحابها، باستثناء صورة واحدة، دارت على الرفاق واحداً واحداً، وظلت مجهولة.

كنت أنوي أن لا أرى الصور، حتى يشبع منها أصحابها، ولكن أحدهم ناداني بإلحاح، لعل فراستي تتعرَّف على أحد ربما يخصُّني.

تأمَّلتُ الصورة بإحساسٍ شبه حيادي في البداية:

فتاة صغيرة ترتدي فستاناً شفافاً زهري اللون، تحته كنزة صفراء لم يستطع الفستان حجبها عند “القبَّة”، فبدت قديمة متهدِّلة وذات لون حائل. أما الوجه.. فكان أشبه بوردة في طريقها إلى الذبول.

تناقض حاد إلى درجة المرارة بين الوجه والثوب.

قلت:

لا أعرف هذا الوجه، ولا أعتقد أن وضع أهلي، يتيح لهم أن يرسلوا لي شيئاً، أو يجدوا سبيلاً إليَّ.

سألني أحدهم متردداً:

ألا يمكن أن تكون هذه الفتاة ابنتك سومر؟!

وأضاف آخر:

أنا أجزم أنها هي.

بالطبع حضرتْ سومر في ذهني، وأنا أتأمل الصورة، ولكنها حضرت بملامحها، التي طالما صارعت النسيان للاحتفاظ بها على الحالة التي رأيتها فيها آخر مرَّة.

قلت لنفسي، يصعب أن تكون سومر، كبرت إلى هذا الحد. غير أن إصرار الرفيق الآخر على أنها ابنتي، جعلني أعيد التدقيق في تفاصيل الصورة.

لا أعرف كيف شعرت أنها سومر فعلاً.

لم أكن متأكداً تماماً، ولهذا أحسست بمزيج من الخجل والحزن والألم والخيبة، وأنا أقول:

نعم.. إنها ابنتي على الأرجح.

بعد أيام أو ربما ساعات أو دقائق، كان يقيني تاماً ونهائياً، بأنها لا يمكن أن تكون إلا هي.

كانت عيناها تبتسمان وتغيمان، وكأنهما تقولان:

أنا ابنتك .. أنا سومر.

فجأة صرختُ، وربما رحت أقفز:

يا شباب.. إنها سومر، سومر، سومر..

فيما بعد انبجس في داخلي سؤال بعيد، أخذ يستنصلني ضلعاً بعد آخر:

هل ستعرفني ابنتي حين تراني؟

هل سيستيقظ شيء ما في داخلها؟

أم سيقولون لها: هذا الرجل هو أبوك، وعليك أن تقتنعي بذلك!

ظلَّ السؤال يتأكَّلني، حتى انفتحت زيارتي.

بصعوبة استطاع الرفاق تأمين الثياب الأقل سوءاً والأكثر ملاءمة لمقاسي ونزلت.

تفحَّصتُ أهلي واحداً واحداً.. لم أكن قادراً على التركيز في شيء معين، لكني حين لمحت تلك الفتاة الصغيرة، تختلس النظر إليَّ، وهي نصف متوارية خلف أمي، قدَّرت أنها يجب أن تكون سومر.

حاولت أن أكون متماسكاً، وأنا أتقدم منها، وأحملها مثلما كنت أفعل قبل سنوات، ثم سألتها:

هل تعرفين من أنا؟

ابتسمت وأغمضت عينيها علامة الإيجاب.

قلت:

هل عرفتني لأنك تذكرتني، أم لأن جدتك أخبرتك أنك آتية لزيارتي؟

قالت:

لا.. عرفتك مثلما كنت أعرفك من قبل.

انشقِّي إذن أيتها السماوات

انشقِّي وأعطيني خبراً يقيناً.

في الزيارة الثانية رجوت أمي، أن تخبرني بالضبط، إن كانت سومر، عرفتني فعلاً، فقالت:

عرفتك وبس؟! عينك تشوفها كيف تتغمَّى حين يسألها الآخرون عنك، وتجيبهم متباهية:

بابا رائع.. لقد عرفته فوراً.. لم يتغير فيه شيء.. فقط هو الآن أحلى.

لم تمض بضعة شهور، حتى أصبحت الزيارة وحدةَ القياس، التي أقيس بها أزمنة النور والظلمة.. الضعف والقوَّة.. الوحشة والأمان.. السجن والحرية.

كانت الصغيرة، تملأني حتى في صمتها.

أول مرة خرجتْ فيها عن طبيعتها، التي يختلط فيها الخجل بالتهذيب، سألتني:

بابا.. هل صحيح أنك شاعر؟

قلت لها:

تقريباً.

قالت:

لماذا إذن لا تكتب لي قصيدة؟

قلت:

كتبت لك أكثر من قصيدة، وستقرأينها عندما تكبرين.

قالت:

لا أريد عندما أكبر.. أكتب لي الآن.

لاحقاً كتبت لها قصيدة، لونتها بالعديد من الذكريات والإشارات، التي يمكن أن تعني لها شيئاً.

في الزيارة التالية، اندفعت نحوي وأخذتني عناقاً، ثم همست في أذني كلمتين:

بابا حفظتُها.

لم أفهم في تلك اللحظة ما المقصود.. لكني بعد قليل، تذكرت القصيدة فقلت:

إذا أعجبتك وحفظتها حقاً، أنشديها لي.

شهقت وهي تمسح الغرفة بنظرة متوجسة، ثم عادت ترمقني بعينين، تطفحان عتاباً وتأنيباً على كشف سر القصيدة المهرَّبة واستهتاري الأمني إلى هذه الدرجة!

يا سبحان الطغيان.. حتى هذه الطفلة!

خلال أكثر من عامين لم تنقطع سومر عن زيارتي سوى هذه المرة، فهل أكتب الآن عنها، أو أستجر ذكرياتي معها، لأعوض عن غيابها؟

لم أكن أعرف أن غيابها باهظ إلى هذه اللاحدود. كأنه ليس ثمة غير الفراغ.. وأنا كأي سجين، لا أبدو قابلاً للاطمئنان.

يبدو لي أن اللغة فراغ.. والصمت فراغ.. الحقيقة والوهم وما بينهما.. وحتى هذا السجن بكل ما فيه من جدران وأبواب ودهاليز.

أحس كما لو اني أطفو فوق زمن ضائع، تسوقه الهواجس خارج نفسه.

أصبح عمرها الآن أحد عشر عاماً، ولم يُتَح لي أن أدخل امتحان الأبوة إلى آخره.قلت لكم إني تخفَّيت حين ولِدتْ ابنتي، واعتقلتُ قبل أن تكمل الرابعة، ومضت السنوات الخمس الأولى من اعتقالي بدون أية أخبار أو زيارات.. لكن رغم كل ذلك، وربما بسببه أيضاً، أشعر أنني أب إلى حد البكاء.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *