في أجواء الثورة الملتهبة، فان الناس والأشياء تنضج بسرعة لا تصدق. قبل ثلاثة أسابيع قصيرة فقط وحين انتهاء اجتماع مجلس العمال والجنود، بدا وكأن ايبرت وشيدمان في ذروة سلطتهم. وأن ممثلي الجماهير من العمال والجنود الثوريين في أنحاء ألمانيا قد أذعنوا بصورة عمياء لقادتهم.


في أجواء الثورة الملتهبة، فان الناس والأشياء تنضج بسرعة لا تصدق. قبل ثلاثة أسابيع قصيرة فقط وحين انتهاء اجتماع مجلس العمال والجنود، بدا وكأن ايبرت وشيدمان في ذروة سلطتهم. وأن ممثلي الجماهير من العمال والجنود الثوريين في أنحاء ألمانيا قد أذعنوا بصورة عمياء لقادتهم.

إن انعقاد الجمعية الوطنية الذي بموجبه تم حظر “الناس في الشوارع” وانحطاط المجلس التنفيذي ومعها المجالس الأخرى وتحولها إلى هيئات شكلية عقيمة. أيما انتصار للثورة المضادة على طول الخط! يبدو أن ثمرة التاسع من نوفمبر هدرت ورميت جانبا وأن البرجوازية تنفست صعداء مرة أخرى، وتركت الجماهير وهي في حيرة من أمرها، مخلوعة من السلاح، متوترة وفي الحقيقة مشككة. إن ايبرت وشيدمان تخيلا نفسيهما في قمة السلطة.

يا لهؤلاء الحمقى العميان! فلم يمض عشرون يوما بعد حتى بدأت سلطتهم بين ليلة وضحاها بالترنح. إن الجماهير هي القوة الحقيقية، هي القوة الفعلية بحكم الجبر الحديدي للتاريخ. قد يتمكن أحدهم في تقييدهم لحين ما، قد يتمكن أحدهم من حرمان منظماتهم من النفوذ. غير أنهم بحاجة فقط إلى استثارة، إلى من يسند ظهرهم بعزم وعناد كي تزلزل الأرض تحت أقدام أعدائهم.

من رأى المظاهرات الحاشدة في سيكسله أمس وتحسس القناعة الثورية الصارمة والمزاج الرائع والطاقة التي تهبها الجماهير، لا بد وأن يستخلص نتيجة مفادها أن البروليتاريا قد نمت سياسيا بصورة هائلة من خلال تجربة الأسابيع المنصرمة في خضم الأحداث الأخيرة. أمسوا مدركين لقوتهم و جل ما يبقى عليهم هو كيفية استثمار هذه القوة لصالح أنفسهم.

إن ايبرت وشيدمان وموكليهم من البرجوازية الذين يزعقون دون توقف “انقلاب”، يجربون في هذه اللحظة نفس نقض الأوهام التي جربها آخر حاكم من آل بربون عندما أجاب الوزير زعقا ته حول “تمرد” أهل باريس بقوله هذه الكلمات “سيدي، هذا ليس بتمرد، إنها ثورة”.

نعم إنها ثورة، بكل تطوراتها الظاهرية الفوضوية، بمدها وجزرها المتناوب، بلحظات اندفاعها نحو الاستيلاء على السلطة التي توازي لحظات تراجع كساري الثورة. وتشق الثورة طريقها خطوة فخطوة عبر حركات انعطاف واضحة ولكنها سائرة إلى الأمام لا يمكن مقاومتها.

ينبغي للجماهير أن تحارب، و تبادر إلى العمل في النضال نفسه. يحس المرء اليوم أن عمال برلين تعلموا إلى حد كبير الإقدام الفعلي. انهم يتعطشون إلى أفعال حازمة وحالات واضحة وتدابير حاسمة. لم يعودوا كما كانوا في التاسع من نوفمبر.انهم يدركون ما يريدونه وما ينبغي القيام به.

مع ذلك هل إن زعماؤهم الذين يشكلون الجهة التنفيذية لإرادتهم على علم بذلك بصورة جيدة؟ هل إن الزعماء واللجان الثورية للقضايا المصيرية لها نفس الإرادة والطاقة النضالية التي نمت لدى العناصر الراديكالية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل في الوقت نفسه؟ هل إن قدرتهم على العمل تواكب النمو المطرد للجماهير؟

إننا نخشى أن لا نتمكن من الإجابة عن هذه الأسئلة مباشرة بنعم. نخشى أن القادة لا يزالون كما كانوا في التاسع من نوفمبر. مضت أربعة وعشرون ساعة على هجوم حكومة ايبرت على ايكهورن*. استجابت الجماهير بحماس لنداء قادتها. تمكنت الجماهير مستندة إلى قدرتها الذاتية وبصورة عفوية من إعادة ايكهورن إلى منصبه. وبمبادرة تلقائية استولوا على مقر جريدة “إلى الأمام” و(مكتب تلغراف فولف) واحتجزوا المحررين البرجوازيين. سعوا إلى تسليح أنفسهم قدر الإمكان وهم ينتظرون الآن تعليمات وتحركات أخرى من قادتهم.

ماذا فعل هؤلاء القادة في الوقت نفسه؟ ماذا قرروا؟ أية تدابير اتخذوها لضمان انتصار الثورة في مثل هذا الوقت المتوتر الذي يتم فيها تقرير مصير الثورة، على الأقل للمرحلة القادمة؟ لم نر ولم نسمع أي شيء! لعل قادة العمال يتشاورون فيما بينهم بصورة عميقة ومثمرة. مع ذلك فان الوقت حان للعمل فورا.

إن ايبرت و شيدمان لا يضيعون بالتأكيد وقتهم بالاجتماعات. انهم ليسوا نائمين بالتأكيد. فهم منهمكون بهدوء في إعداد المكائد بحذر وحيوية معهودة من قبل الثورة المضادة. انهم يشحذون سيوفهم بغية الانقضاض على الثورة وأخذها على حين غرة ومن ثم اغتيالها.

ثمة عناصر أخرى متخاذلة عملت مسبقا بحذق لتمهيد الطريق أمام “المفاوضات” ولتحقيق التنازلات ومد الجسر بين الهوة العميقة التي فتحت بين جماهير العمال والجنود وحكومة ايبرت، وحمل “الثورة” على تقديم التنازلات لألد أعدائها.
لم يعد هناك وقت للضياع. ينبغي اتخاذ تدابير حازمة فورا. لا بد من تقديم توجيهات واضحة وسريعة للجماهير وكذلك للجنود الأوفياء للثورة. ينبغي توجيه طاقاتهم وعدائهم نحو تحقيق أهداف صائبة. إن جذب العناصر المترددة إلى القضية المقدسة يتحقق بواسطة إجراءات واضحة وحازمة تتخذها الهيئات الثورية.

أقدموا على العمل! أقدموا على العمل! بشجاعة وحزم وإصرار. هذا هو الالتزام والواجب “اللعين” لزعماء الثورة وقادة الحزب الاشتراكي المخلصين. انزعوا سلاح الثورة المضادة و قوموا بتسليح الجماهير. قوموا بالاستيلاء على مواقع السلطة. تصرفوا بسرعة! هذا ما تلزمه الثورة. ساعاتها تحسب كأشهر وأيامها كأعوام في التاريخ العالمي. ولندع هيئات الثورة تدرك التزاماتها الجسيمة.

ـــــــــــ
* اميل ايكهورن نائب عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل. كان مدير شرطة برلين أثناء ثورة نوفمبر. طرد من منصبه من قبل الحكومة المؤقتة بسبب تعاطفه مع اليسار الثوري آنذاك.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *