معظم مجموعات المقاومة المسلحة بسوريا تمثل فعلا مقاومة شعبية، ومن الخداع تماما إظهارها كأداة بيد قوى امبريالية عالمية أوإقليمية. كما أنها ليست مجموعات إسلامية فاعلة بكل استقلال عن الحركة الشعبية. وفي الواقع فأن تكون مسلما لا يعني أن تكون اسلاميا.

لم تكف مقاومة الشعب السوري عن الاتساع منذ بداية السيرورة الثورية المنطلقة في مارس 2011. ويندرج نضاله في إطار النضالات الشعبية بتونس ومصر وامتد إلى البلدان الأخرى بالمنطقة.


معظم مجموعات المقاومة المسلحة بسوريا تمثل فعلا مقاومة شعبية، ومن الخداع تماما إظهارها كأداة بيد قوى امبريالية عالمية أوإقليمية. كما أنها ليست مجموعات إسلامية فاعلة بكل استقلال عن الحركة الشعبية. وفي الواقع فأن تكون مسلما لا يعني أن تكون اسلاميا.

لم تكف مقاومة الشعب السوري عن الاتساع منذ بداية السيرورة الثورية المنطلقة في مارس 2011. ويندرج نضاله في إطار النضالات الشعبية بتونس ومصر وامتد إلى البلدان الأخرى بالمنطقة.

ويستمر القمع الوحشي ضد الشعب السوري، حيث أعلن رئيس المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، يوم 23 آب/أغسطس، وقوع ما لا يقل عن 24495 شهيد منذ بداية الثورة، منهم 17281 مدني و6163 عسكري و1051 جندي منشق كانوا قد انضموا إلى الثورة. ويلزم إضافة 1.5 مليون شخص تم تهجيرهم داخل سوريا، في حين لجأ أكثر من 250 ألف شخص إلى الزظبلدان المجاورة.

تنظيم ذاتي للحركة الشعبية
لم تنسحب الحركة الشعبية في سوريا من الشارع، ومن الجامعات وأماكن العمل، بعكس ما قيل، رغم ما مارس النظام من قمع عنيف ومتعدد الأشكال، سياسيا وعسكريا.

منذ بدء الثورة، كانت أشكال التنظيم الرئيسة هي اللجان الشعبية على صعيد القرى، والأحياء، والمدن والمناطق. وتمثل هذه اللجان الشعبية رأس حربة الحركة المعبأة للشعب من أجل التظاهرات. كما طورت أشكال تسيير ذاتي قائمة على تنظيم الجماهير في المناطق المحررة من نير النظام. وظهرت مجالس شعبية منتخبة لتسيير المناطق المحررة، مبرهنة بذلك على أن النظام هومسبب الفوضى وليس الشعب.

كما أقيمت إدارات مدنية بالمناطق المحررة من قوات النظام المسلحة بسبب غياب الدولة للاضطلاع بمهامها في مجالات عديدة، مثل المدارس والمشافي والطرق وخدمات الماء، والكهرباء والاتصالات. وتعين هذه الإدارات المدنية بالانتخاب والإجماع الشعبيين ومهمتها الرئيسة التزويد بخدمات الوظيفة العمومية والأمن والسلم الأهلي.

كما كانت الجامعات أماكن هامة للمقاومة الشعبية، وشهدت جامعة حلب، التي كانت رأس رمح الاحتجاج في المدينة منذ بدء التظاهرات في مارس 2011، تظاهرات طلابية حاشدة في أيار/مايوالأخير وقبله أيضا. وقد تعرضت لقمع عنيف من قبل قوى الأمن التي قتلت أربعة أشخاص واعتقلت مئات آخرين. وقد أوقفت جامعة حلب الدروس خلال شهري أيار/مايووحزيران/يونيوخشية اندلاع انتفاضة أكبر للشباب، فيما رصاص البنادق أكثر من الكتب بجامعة حمص. وغالبا ما تسمع أصوات وأناشيد طلاب جامعة دمشق من القصر الرئاسي، القريب بنحومائة متر، بينما تجري مظاهرات يومية تقريبا في جامعة درعا ودير الزور.

ويمثل الطلاب ربع عدد الشهداء في سوريا منذ بدء الثورة في مارس 2011، حسب اتحاد الطلاب الأحرار في سوريا. ويمثل هذا الاتحاد، الذي تأسس يوم 29 أيلول/سبتمبر 2011، للنضال ضد النظام، قلعة سياسية ونقابية للمقاومة من أجل إرساء مجتمع ديمقراطي في حياة الحركة الطلابية. وتنظم النقابة تظاهرات الطلاب الأحرار والمقاومة الشعبية في الجامعات عبر البلد برمته. كما قام اتحاد الطلاب الأحرار بدور كبير في حملات الإضراب والعصيان المدني في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2012.

كما ظهرت نقابة أساتذة سوريين حرة في يناير 2012 معلنة مساندتها للثورة السورية والتزامها بإعادة هيكلة الجامعات بقصد تحويلها إلى منارات للعلم والعدل والحرية. كما عبرت النقابة عن عزمها على تطهير الجامعة من مصالح أمن النظام وفساده.

يجذر التذكير أن الجامعات كانت، مع الجيش، قطاعات المجتمع الرئيسة التي فرض عليها النظام رقابة شبه تامة. ومنع كل الأنشطة السياسية، ما خلا أنشطة حزب البعث. وكان هذا الحزب المنظمة السياسية الوحيدة المسموح لها بتنظيم أنشطة وندوات وتظاهرات عمومية في الجامعة أوفي ثكنة عسكرية أونشر جريدة في الجامعة أو الجيش.

وحتى الأحزاب السياسية المتحالفة مع النظام في إطار الجبهة الوطنية التقدمية، لم يكن يحق لها أن تنظم نفسها أوتقوم بدعاوة أويكون لها حضور صغير رسمي في تلك المؤسسات.

وعلى النحوذاته، فرض النظام سيطرته على البيروقراطية النقابية، ما حال دون النضال ضد السياسات النيوليبرالية والاستبدادية التي ينهجها، لا سيما منذ سنوات 2000. ومذاك واصل مستوى عيش غالبية السكان تدهوره، فيما القمع السياسي يتواصل. على سبيل المثال، في عام 2006، احتج مئات العمال بالمقاولة العامة للبناء بدمشق واشتبكوا مع قوات الأمن. وفي نفس الفترة بحلب، خاض سائقوسيارات الأجرة إضرابا احتجاجا على شروط عملهم وحياتهم.

وتم أيضا قمع الشعب الكادح خلال سيرورة الثورة. وأثناء شهر كانون الأول/ديسمبر 2011، شنت حملات ظافرة من العصيان المدني وإضرابات عامة بسوريا. ما شل مناطق هامة من البلد، وبذلك بينت أن تعبئة الطبقة الكادحة والمستغَلين قائمة في صلب الثورة السورية. لذلك السبب سرح النظام الديكتاتوري ما يزيد عن 85000 عامل وعاملة بين كانون الثاني/يناير عام 2011 وشباط/فبراير 2012 وأغلق 187 مصنعا (وفق الأرقام الرسمية) بهدف إيقاف دينامية الاحتجاج.
بإمكاننا إدراك أن السيرورة الثورية بسوريا هي حركة شعبية وديمقراطية حقيقية تعبئ الفئات المستغَلة والمضطهَدة ضد النخب الرأسمالية المرتبطة بالنظام العالمي (في غاية التماثل مع نظيراتها بالعالم العربي).

هل من اللازم استحضار كل التدابير النيوليبرالية المتخذة من قبل هذا النظام والتي أفقرت المجتمع وأضعفت الاقتصاد السوري؟ تعيش نسبة 60% من السكان بسوريا تحت عتبة الفرق أوفوقه بقليل. هل من الضروري التذكير بأن آل الأسد، ولاسيما الملتفين حول رامي مخلوف، استحوذوا على أكثر من 60% من الثروات الاقتصادية بسوريا، من خلال عمليات الخصخصة.

من مركزية اقتصادية إلى رأسمالية متوحشة فاسدة.
أشادت البرجوازية الكبرى بمدينتي حلب ودمشق باستيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970 وتلقته بفرح عظيم. وستضع بداية «الحركة التصحيحية» التي شنها حافظ الأسد حدا لسياسات سنوات 1960 الجذرية التي كانت قوضت الرأسمال والسلطة السياسية لهذه البرجوازية الكبرى. وفي الواقع كان هدف نظام الأسد ضمان استقرار النظام، وضمان تراكم الرأسمال على نحوآمن واسترضاء القطاعات القوية من عالم الأعمال، التي كانت دوما تضطلع بدور متنام وأقوى.
تشكل نظام استبدادي وقائم على الزبونية والمحسوبية بوصول حافظ الأسد إلى السلطة، بحيث تم على نحوهائل استغلال إفساد المسؤولين الحكوميين والعسكريين بشكل كبير لضمان ولائهم.

بسب هذا الفساد المعمم، أصبحت الدولة آلة حقيقية لتراكم كميات ضخمة من المال، وبقرة حلوب فعلية لذوي الامتيازات وبوجه خاص للدائرة المقربة للديكتاتور، وعائلته ومساعديه الأكثر إخلاصا. تضاعفت الشبكات غير الرسمية والقائمة على المحسوبية بين أجهزة الدولة وعالم الأعمال، ما خلق طبقة برجوازيي ريع جديدة بسوريا ذات العواقب الوخيمة للغاية على المجتمع السوري إلى حد اليوم. هيمن على اقتصاد البلد سوء استخدام الموارد وتكاثر المقاولات التجارية والأعمال غير المنتجة، التي لا تستند على اليد العاملة، ولكنها مربحة.

كانت هذه «الطبقة الجديدة» المرتبطة عضويا بالدولة بحاجة لاستثمار ثروتها بمختلف قطاعات الاقتصاد. وكان المرسوم رقم 10 عام 1991 وسيلة مكنت هذه الطبقة من «تبييض» ثروتها. أتاح هذا القانون الاستثمار في القطاع الخاص وفتح فرص الاستيراد والتصدير، لكن دوما تحت تحكم الدولة، ما زاد من إثراء كليهما وساعد على استمرار نظام الفساد المعمم. تسارعت عملية الانتقال من مركزية اقتصادية تديرها الدولة نحورأسمالية قائمة على المحسوبية والزبونية خلال سنوات 1980 مع التخلي تدريجيا عن تدبير اقتصادي موجه مركزيا.

شهدت سنوات 1990 بروز هذه «الطبقة الجديدة» أوطبقة الأثرياء الجدد/ البرجوازية الجديدة الهجينة المتحدرة من اندماج البيروقراطية وبقايا البرجوازية القديمة، «البرجوازية الخاصة».

تزايدت الخصائص البرجوازية للنظام وتسارعت مع نهج سياسات اقتصادية نيوليبرالية منذ وصول بشار الأسد إلى الحكم. واستفاد بوجه خاص من هذه السياسات أوليغارشية قليلة وبعض أتباعها. وكان رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، رمزا لسيرورة الخصخصة المافيوية هذه التي قام بها النظام.

خلقت عملية الخصخصة احتكارات جديدة بأيدي يد عائلة بشار الأسد، بينما تقلصت نوعية السلع والخدمات. استفاد من عملية خصخصة المقاولات العامة بعض الأشخاص المقربين من النظام. وفي الآن ذاته تطور القطاع المالي مع تأسيس بنوك خاصة، وشركات تأمين، وبورصة دمشق ومكاتب صرف العملات.

لقيت السياسات النيوليبرالة التي نهجها النظام ترحيب الفئات العليا والمستثمرين الأجانب، وبوجه خاص المتحدرين من منطقة الخليج، بتحرير الاقتصاد السوري لمصلحتهم وعلى حساب أغلبية الشعب السوري المتضرر للغاية من استمرار التضخم وغلاء المعيشة. وأدت السياسات النيوليبرالية المطبقة في السنوات الأخيرة إلى انهيار القطاع العام وهيمنة القطاع الخاص، الذي بلغ ما يناهز 70% من الأنشطة الاقتصادية.

الدعامات الرئيسية للنظام المستفيدة من تلك السياسيات إلى حد اليوم هي:
– قادة أجهزة مصالح الأمن،
– شبكات البيروقراطية ورأسماليي المحسوبية والزبونية، التي ترسخت تحت رعاية مختلف قطاعات الخدمات العامة، والتي تطورت وزادت ثراء، بوجه خاص في سنوات 1990 في القطاع الخاص بعد سريان قانون الاستثمار رقم 10 عام 1991.
– برجوازية حلب ودمشق، المستفيدة من السياسة النيوليبرالية في السنوات الأخيرة، بوجه خاص منذ انطلاق ما يسمى بـ”اقتصاد السوق الاجتماعي” عام 2005.

انخفض النموالحقيقي للنتاج الداخلي الخام والدخل الفردي الحقيقي منذ مطلع سنوات 1990. وخلقت سيرورة التحرير الاقتصادي تفاوتا أكبر على الدوام بسوريا. وجد الأكثر فقرا صعوبة في التكيف مع الاقتصاد الجديد بسبب انعدام فرص عمل، فيما هوت «الطبقة الوسطى» نحوعتبة الفقر لأن مواردها لم تواكب التضخم الذي بلغ 17% عام 2008. وتتراوح الآن نسب البطالة بين 20% و25%، وتبلغ 55% بالنسبة للبالغين 25 سنة (ببلد حيث يمثل البالغون أقل 30 سنة نسبة 65% من مجمل السكان). انتقلت نسبة سكان سوريا الذين يعيشون تحت عتبة الفقر من 11% عام 2000 إلى 33% عام 2012، بينما تعيش نسبة 30% من السكان فوق هذه المستوى بقليل. هكذا، يعيش زهاء 7 ملايين سوري حول عتبة الفقر أوتحتها.

في قطاع الزراعة، يجب عدم اعتبار عملية خصخصة الأراضي التي عانى منها مئات الآف الفلاحين بالشمال بسبب الجفاف من عام 2008، مجرد كارثة طبيعية. إن تنامي استغلال الأراضي وتكثيفه من قبل كبار المقاولين الزراعيين (الصناعة الزراعية)، حتى الأراضي المخصصة سابقا للرعي، وكذا الحفر غير القانوني للآبار وإقامة أنابيب مياه انتقائية تلبية لمتطلبات كبار الملاكين الجدد –بتسهيل من فساد الإدارة المحلية- كل ذلك فاقم الأزمة الزراعية. «وفقا للأمم المتحدة، هاجر ما يفوق مليون شخص من الشمال الشرقي نحوالمناطق الحضرية. ولم يعد المزارعون يتوفرون على الموارد ولا على ما يكفي من الطعام. ويقدر هذا العام إنتاج القمح، الذي يعتبر موردا استراتجيا بسوريا، بـ 2.4 مليون طن مقابل 4.1 مليون طن عام 2007. سنستورد القمح للعام الثالث على التوالي». الاستهلاك الوطني من القمح يبلغ نحوأربعة ملايين طن سنويا. هذا ما كتبت الجريدة اليومية «البعث»في حزيران عام 2010.

إن خريطة الثورات في إدلب ودرعا، وكذا بمناطق قروية أخرى، وفي معاقل تاريخية لحزب البعث، التي لم تسهم إلى حد كبير كما اليوم في انتفاضة سنوات 1980، بما في ذلك ضواحي دمشق وحلب، يبين انخراط ضحايا السياسة النيوليبرالية في هذه الثورة.

المقاومة المسلحة
بدأت الحركة الشعبية السورية بشكل سلمي مطالبة بإصلاحات، لكن النظام رد بالعنف والقمع في كل الاتجاهات. فنظمت بعض أقسام الشعب السوري مقاومة مسلحة لرد هجمات أجهزة الأمن والبلطجية، المعروفين باسم الشبيحة، والتابعين للنظام. وكانت تدافع أيضا عن التظاهرات والتنظيم الجيد للجان الشعبية.

تعبر المقاومة المسلحة للشعب السوري عن حقه في الدفاع عن نفسه ضد القمع، وأتاحت مواصلة المقاومة الشعبية ببعض المناطق ضد هجمات النظام. وتشكلت مجالس ثورية في سوريا، وكذا لجان تنسيق العمل السياسي والكفاح المسلح. ووقع قسم كبير من المجموعات المسلحة المشاركة في المقاومة الشعبية المسلحة ضد النظام، على ميثاق حسن سلوك، مراع للقانون الدولي ومناهض للطائفية. وعدد الموقعين في ازدياد مستمر كل يوم. وقد أتخذت هذه التدابير بعد أعمال تعذيب واغتيالات اقترفتها بعض المجموعات المسلحة المعارضة، غير المرتبطة بالضرورة بالجيش السوري الحر، والتي نددت بها الحركة الشعبية والسواد الأعظم من كتائب الجيش السوري الحر. وأعلن ضابط من الجيش السوري الحر عزمه على حماية أهداف الثورة ومعارضته التامة لكل طائفية.

يمثل اتحاد المقاومة المدنية (URC)، الذي تشكل في آب/أغسطس بدمشق، فرعا للجيش السوري الحر، ويسعى لتنظيم أعمال المقاومة وتوحيد القوى الشعبية لتشكيل هيئة مسلحة مرافقة له. تتركز جهود اتحاد المقاومة المدنية في الوقت الحاضر أساسا بدمشق وضواحيها. وتستمر جهود توحيد الجيش السوري الحر في الميدان وعبر الأراضي السورية. وعلى سبيل المثال أعلنت مجموعات ثائرة متحدرة من دمشق وإدلب وحماة وحمص ودير الزور تشكيل «جبهة تحرير سوريا» كمنظمة إطار، تضم أنصار الإسلام بدمشق وكتائب صقور الشام في إدلب وحماة، وكتيبة الفاروق بحمص، وكتيبة عمروبن العاص والمجلس الثوري بدير الزور. كما تم التصريح بإعلانات أخرى عن تكتل مجموعات مسلحة معارضة تحت راية واحدة في مناطق أخرى كحمص وحماة.

تحظى المقاومة الشعبية المسلحة، المشكلة من جنود منشقين ومدنيين حملوا السلاح، بجذور شعبية فعلية وسط الانتفاضة. إن القسم الأكبر من الحركة الثورية السورية هوالمؤلف من بروليتاريا القرى والمدن ومن «الطبقات الوسطى» المهمشة اقتصاديا والتي تضررت من تطبيق السياسات النيوليبرالية، لاسيما منذ وصول بشار الأسد إلى الحكم. وقد انضمت معظم مكونات الثورة الراهنة هذه إلى المجموعات المسلحة التابعة للجيش السوري الحر. لذلك فإن اعتبار جميع هذه المجموعات المسلحة أداة بيد قوى امبريالية عالمية أوإقليمية، هي من الخداع تماما وبعيدة عن أي تحليل مادي. علاوة على ذلك عاينا كيف تمكنت المقاومة المسلحة الشعبية من أخذ مختلف مطالب الحركة الشعبية بعين الاعتبار، لاسيما توحيد الجيش السوري الحر، والدعوة ضد التعصب الطائفي ونداء الحفاظ على أهداف الثورة. إن حملة «ثورة كرامة وأخلاق»، التي أطلقتها لجان التنسيق المحلية وحظيت بدعم عدد كبير من المنظمات الشعبية المحلية، في أواخر آب/أغسطس وأوائل أيلول/سبتمبر 2012، كانت شددت بالضبط على هذه المواضيع وعلى مبادئ وأهداف الثورة السورية التي على الشعب السوري المناضل احترامها، بما في ذلك المدنيين والجنود.

وعلى النحوذاته، ليس لاعتبار المقاومة الشعبية المسلحة مجموعة إسلامويين فاعلة بكل استقلال عن الحركة الشعبية اي صلة بالواقع. أكيد أن السوريين السنة يشكلون غالبية المقاومة الشعبية المسلحة، بيد أن اعتبار كل شخص من الطائفة السنية إسلامويا فكرة خاطئة وبوجه خاص كارهة للإسلام. وفي الواقع، أن تكون مسلما لا يعني أن تكون إسلامويا. تضم المقاومة الشعبية المسلحة كل التشكيلات الإيديولوجية، والاثنية والدينية في المجتمع السوري.

وختاما، إن كان وجود جنود أجانب حقيقة واقعية، فإنه مضخم إعلاميا ولا أهمية لتأثيره في الميدان. ويتفق معظم المحللين بالمنطقة والناشطين ميدانيا على أن عدد أولئك الجنود الأجانب لا يتجاوز 1000 شخص، بينما تضم المقاومة المسلحة بين حوالي 70 ألف إلى 100 ألف شخص. وهم موجودون في عدد محدود جدا من المجموعات. ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن موقف السكان المحليين إزاء تلك العناصر الجهادية غير ايجابي في الغالب، ووقعت أخيرا مواجهات بين مجموعات من الجيش السوري الحر وبين مجموعة جهادية قرب الحدود التركية.

القوى الامبريالية
وعلى النحو ذاته، فإن ما يسمى بالمساعدات الضخمة المرسلة من القوى الامبريالية إلى الحركة الشعبية والمقاومة المسلحة مازال من المطلوب إثباتها بحقائق ملموسة وفعلية بعد 18 شهرا من النضال. رفضت معظم البلدان الغربية أية مساعدة عسكرية للثوار المسلحين، مع التعهد بمنح مساعدات غير عسكرية. وتأتي الوسائل الضئيلة التي للمقاومة المسلحة الشعبية في المقام الأول من جيش النظام (الأسلحة التي يحملها الجنود المنشقون، شراء أسلحة من ضباط فاسدين، غنائم الحرب).

إن القوى الغربية الامبريالية الكبرى، وغيرها من القوى الامبريالية العالمية مثل روسيا والصين، والإقليمية، مثل إيران، كلها وبدون استثناء، تواصل مساعيها لإيجاد حل على الطريقة اليمينية، وبعبارات أخرى، قطع رأس النظام، أي التخلص من الديكتاتور بشار الأسد، مع الحفاظ على هياكله سالمة –كما يمكن ملاحظته في اللقاءات التي جرت بين مسؤولين أمريكيين وروس، أوفي المؤتمر الدولي المنعقد يوم 30 حزيران/يونيو بجنيف. تبقى العقبة الوحيدة هي موقف روسيا الذي تسعى بجميع الوسائل إلى الحفاظ على الأسد في السلطة، لكنها قد التضحية به في مستقبل قريب حفاظا على مصالحها بسوريا. وبدورها أعربت الولايات المتحدة مرارا عن رغبتها في الحفاظ عن سلامة الهياكل العسكرية والأجهزة الأمنية للنظام.

وفي الواقع ليس للدول الكبرى مصلحة في انهيار النظام، وذلك للأسباب المذكورة أعلاه، وحفاظا على أمن إسرائيل الهادئة حدودها مع سوريا منذ عام 1973.

رفض التعصب الطائفي
يواصل الشعب السوري تجديد رفضه للطائفية، رغم كل مساعي النظام لإشعال هذه النار الخطيرة التي استخدمها تحت أشكال مختلفة منذ استيلاء آل الأسد على السلطة. أكدت الحركة الشعبية نضالها الموحد، بتطوير حس تضامني وطني واجتماعي يتجاوز الانقسامات الاثنية والطائفية. هكذا، كان السكان الأكراد والأشوريون بمناطقهم سنان رمح المعارضة ضد نظام الأسد منذ بداية الثورة. وعلاوة على ذلك شارك اللاجئون الفلسطينيون بسوريا في التظاهرات وفي النضال ضد النظام واستقبلوا في معسكراتهم عائلات سورية عديدة فارة من القمع. عانى اللاجئون الفلسطينيون أيضا من القمع وسقط في صفوفهم 50 شهيدا وتم اعتقال المئات منهم من قبل قوى الأمن. وكان العديد من مخيمات اللاجئين بسوريا هدفا لقصف جيش النظام.

في تظاهرات عديدة، بوسعنا مشاهدة لافتات كتب عليها «الطائفية مقبرة الثورة أوالأوطان» أو«لا للطائفية!». وعقب كل مذبحة يقترفها النظام أواعتداءات غير متبناة، يرى كثيرون أنها منظمة من قبل النظام، تعمل اللجان الشعبية على إدانتها وتدعوإلى وحدة الشعب.

نظمت لجان التنسيق المحلية بسوريا في حزيران/يونيوالأخير حملة تحت شعار «الحرية طائفتي»، رفعت خلالها لجان التنسيق المحلية صورا ولافتات ترفض خطاب التعصب الطائفي، وممارسات التعصب الطائفي للنظام، والمحاولات الدامية، هذا الخطاب التي يُستغل لتحويل الثورة السورية إلى مجرى فخ التعصب الطائفي. وفي وسط لجان مدينة سراقب، رفع متظاهرولجان التنسيق المحلية لافتات تحمل رموز جميع الطوائف السورية، بينما رفع متظاهرومدينة دَاعِل لافتة تحمل «مستقبلا، ستنتهي سياسة الإقصاء بسوريا».

في بداية الثورة، أدانت مجموعة فيسبوك المسماة «الثورة السورية 2011» مرارا التعصب الطائفي وكل شكل من أشكال التمييز بين السوريين. ونشرت هذه المجموعة، ابتداء من يوم 24 آذار/مارس عام 2011، ميثاقا أخلاقيا ضد التعصب الطائفي بسوريا. وفي تشرين الأول/أكتوبر عام 2011، ندد مناضلون سوريون مسيحيون داعمون للثورة ببيان أصدره بفرنسا البطريك الماروني بشارة بطرس الراعي. كان هذا الأخير صرح أن إطاحة نظام الأسد قد يشكل تهددا لمسيحيي سوريا. وذكروا البطريك الراعي بأن المسيحيين عاشوا « منذ مئات السنين إلى جانب إخوتهم في الوطن السوري دون خوف ولا فضل لأحد في بقائهم أوحمايتهم فهم جزء لا يتجزأ من هذا البلد».

تدل هذه الأمارات على الوعي السياسي والإنساني لأغلبية ساحقة في الحركة الشعبية. ويدرك الشعب السوري أن النضال ضد الطائفية يمر عبر النضال وإطاحة هذا النظام المجرم وعبر تغيير المجتمع جذريا.

هذا لا يعني انعدام التعصب الطائفي داخل الحركة الشعبية بسوريا. إنه قائم وينبغي عدم إنكار وجوده. ففي سيرورة ثورية، تتواجد مختلف الإيديولوجيات وتتصارع في ما بينها، وتلجأ بعض المجموعات بسوريا إلى الدعاوة الطائفية في نضالها ضد النظام.

دور اليسار الثوري
ما دور اليسار الثوري إذا في هذه الظروف؟ هل علينا ترك المعركة وانتظار ثورة اجتماعية خالصة، كما يفعل، وفعل، بعض من اليسار التقليدي؟ أوعلينا أن نكون جزءا لا يتجزأ من هذه السيرورة الثورية وتوجيه قوانا كليا نحوهذا النضال لإطاحة النظام ولأجل تجذر مختلف عناصر هذه الثورة؟

أجاب لينين عن هذا السؤال من قبل:
«إن الاعتقاد بإمكان تحقيق الثورة (…) بدون تفجير ثوري لقسم من البرجوازية الصغيرة مع كل أحكامها المسبقة، وبدون بروز حركة جماهيرية بروليتارية وشبه بروليتارية غير واعية سياسيا تناضل ضد تسلط وقمع الأسياد الإقطاعيين ورجال الدين والملكية والنزعة القومية، الخ، هواعتقاد يعني رفض قيام الثورة الاجتماعية. ويعني ذلك تصور أن جيشا سيقف في مكان معين وسيقول “نحن مع الاشتراكية”، وجيش آخر في مكان آخر، سيقول “نحن مع الامبريالية”، وهكذا ستتحقق الثورة الاجتماعية! (…) كل من يتوقع ثورة اجتماعية “طاهرة” لن يتمكن بأي وجه من العيش مدة طويلة ليراها. إنه ثوري قولا ولا يفهم بتاتا معنى ثورة حقيقية» (لينين، الأعمال الكاملة، الطبعة الرابعة باللغة الفرنسية، المجلد 22)
لا تكتسي سيرورة ثورية لونا واحدا ولن تكون كذلك بأي وجه، وإلا فلن يمثل ذلك ثورة. ومن ناحية أخرى، فإن دور اليسار الثوري واضح: النضال ضد النظام والعمل على تجذر الحركة الشعبية.

لذا فإن النضال ضد الطائفية جزء أساسي في النضال من أجل الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والعلمانية ونهج سياسات التضامن مع الشعوب المكافحة أيضا من أجل الحرية والكرامة، وبوجه خاص الشعب الفلسطيني.

كما تتعارض القطيعة مع سياسات وممارسات النظام الطائفية مع دول الخليج في نشر دعايتها الطائفية وأيضا مع أقسام المعارضة السورية، – التي تمثل أقلية لكنها حاضرة- الداعمة لهذا النوع من الخطاب. يجدر التذكير أن دول الخليج تدعم بالمال مجموعات المسلحة إسلاموية صغيرة، لا لغرض انتصار الثورة أوالمساعدة على تحقيقها، بل بالعكس بهدف حرف مجرى الثورة السورية عن أهدافها الأولية والقائمة دوما، اي ديمقراطية مدنية، والعدالة الاجتماعية والحرية، وبوجه خاص تحويلها إلى حرب طائفية. وفي الواقع تخشى دول الخليج امتدادا للثورة بالمنطقة قد يهدد سلطاتها ومصالحها. كما أن تحويل طبيعة الثورة إلى حرب طائفية قد يتيح لها ترويع سكانها بعرض الأمور التالية: من المحتمل جدا أن يؤدي كل تغيير بالمنطقة إلى حروب طائفية، ومن ثمة وجوب الدفاع عن الوضع الراهن، وبعبارات أخرى: الحفاظ على القوى الديكتاتورية.
يسعى قادة هذه البلدان الرجعيون إلى التدخل في سوريا لاحتواء السيرورة الثورية وتقليص تبعات الثورات سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

كما حاولت بعض أقسام المعارضة أن تبني لنفسها قاعدة محلية عبر المساعدات الإنسانية أوتمويل بعض المجموعات المسلحة. وقد جرى اتهام حركة الإخوان المسلمين بوجه خاص مرارا بارتكاب هذا النوع من السلوك، وندد ضابط بالجيش السوري الحر بسرقة المنظمة الإسلاموية التبرعات وبعدم دعمها الجيش السوري الحر بل مجموعة أخرى غير مرتبطة به. علاوة على ذلك، ُتتهم حركة الإخوان المسلمين باستغلال أموال المجلس الوطني السوري، حيث تتحكم بتوزيعها بسوريا بفضل سيطرتها على لجنة المساعدات الإنسانية، قصد بناء قاعدة شعبية ومليشيا بداخل البلد، بعد ثلاث عقود من المنفى.

ثورة دائمة!
إن الجماهير الشعبية، بوجه الحسابات السياسية ونفاق القوى الدولية والإقليمية، تواصل سعيها لإطاحة النظام، بعد 18 شهرا من اندلاع السيرورة الثورية بالبلد، لكن بوجه خاص تستمر في تنظيم نفسها وتنظيم المقاومة السلمية و/أوالمسلحة لتحرير سوريا من الاستبداد. في إطار هذا النضال تعلن الحركة الشعبية مرارا وتكرارا عن تمسكها بتحقيق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. ما انفك الوعي السياسي والنقدي والتجارب النضالية تتزايد وسط الحركة الشعبية، ما يعزز كل يوم تحرر الشعب من نير النظام الاستبدادي ومن تأثير إيديولوجيته الشمولية.

إن تشكيل منظمات شعبية مستقلة من أسفل بجميع أنحاء البلد بما هي مراكز شعبية بديلة عن السلطة نمى أيضا الوعي السياسي وقوى التجارب الخاصة بحركة الشعب السوري في نضاله.

إن نضال الشعب السوري صدى لهذه الجملة من البيان الشيوعي: «لن يخسر البروليتاريون سوى أغلالهم. وسيكسبون عالما.»

نقول بكل بساطة ولكن بمنتهى الصراحة والصدق: إن من لا يعترفون بالثورات الشعبية يأبون إذا أن يطرحوا على بساط البحث التحرر الذين هم في أسفل ومن قبل الشعب! ولا يمكن إذن اعتبارهم يساريين.

يندرج دعم اليسار الثوري لظفر الثورة في إطار النضال من أجل تحرر الشعب السوري، وأيضا في إطار دعمنا للثورة الدائمة.
تعني الثورة الدائمة مواجهة نظام الأسد الديكتاتوري وإطاحته، ومعارضة الدول الامبريالية العالمية والإقليمية، التي تسعى لتغيير مجرى السيرورة الثورية السورية لأجل مصالحها الخاصة وضد مصالح الشعب السوري. لذلك نرفض وندين كل التدخلات الأجنبية بسوريا، سواء المحور الغربي والسعودي/القطري، أوالمحور الإيراني/الروسي الذي يدعم النظام في قمعه للحركة الشعبية وفي كل قدراته العسكرية والمالية.

كما يندرج استمرار الثورة في إرادة بناء سوريا حرة، وديمقراطية، وعلمانية وثورية تسعى للقضاء على جميع أشكال التفاوت التمييز الاجتماعية، والاثنية، والدينية، وتهدف إلى دعم حق الشعب الكردي فيتقرير مصيره، واحترام الأقليات الدينية والاثنية، وضمان الحريات الديمقراطية والسياسية للجميع إناثا وذكورا.

ستكون الثورة دائمة لأنها تلتزم أيضا ببذل كل جهودها لتحرير الجولان المحتل، ولدعم حق الشعب الفلسطيني من أجل عودة اللاجئين وتقرير المصير على أرض فلسطين التاريخية، ولمساعدة الشعوب الأخرى بالمنطقة في نضالها ضد أنظمتها الديكتاتورية وضد الامبريالية.
تعريب : المناضل-ة
المصدر: مجلة انبريكور، يصدرها المكتب التنفيذي للأممية الرابعة
عدد 587 – شهر أكتوبر 2012

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *