قامت الدنيا ولم تقعد لأن محمد البرادعي انتقد عرضاً منكري الهولوكوست (المحرقة) في حديثه مؤخراً مع جريدة ألمانية عن الإعلان الدستوري الجديد وتداعياته. ولا تهمني هنا مواقف البرادعي ذاته، لكنني أود الوقوف قليلاً أمام تلك المأساة الحقيقية المتمثلة في اعتقاد الكثير من أنصار قضية فلسطين في بلادنا أن الإخلاص لتلك القضية يقتضي منهم إنكار وقوع المحرقة أو على الأقل التقليل من شأنها.


قامت الدنيا ولم تقعد لأن محمد البرادعي انتقد عرضاً منكري الهولوكوست (المحرقة) في حديثه مؤخراً مع جريدة ألمانية عن الإعلان الدستوري الجديد وتداعياته. ولا تهمني هنا مواقف البرادعي ذاته، لكنني أود الوقوف قليلاً أمام تلك المأساة الحقيقية المتمثلة في اعتقاد الكثير من أنصار قضية فلسطين في بلادنا أن الإخلاص لتلك القضية يقتضي منهم إنكار وقوع المحرقة أو على الأقل التقليل من شأنها.

يحكى أن رجلا كان يعيش في الغابة، فرافق دبا وقامت بينهما علاقة وطيدة، وراح الدب المخلص يتفانى دفاعا عن صاحبه. وذات يوم، بينما يغط الرجل في النوم، حطت على وجهه نحلة خاف الدب أن توقظ صاحبه من النوم، فتناول صخرة كبيرة، ورماها على رأس الرجل، وبدلا من قتل النحلة قتل صاحبه. وحال الغيورين على قضية فلسطين حينما ينكرون وقوع المحرقة أو يقللون من أهميتها كحال هذا الدب. فمن حيث لا يعلمون يلحقون أبلغ الضرر بقضيتهم ويقدمون لعدوهم هدية غير مقصودة لكنها ثمينة.

الصهيونية يا سادة تقوم على زعم جوهري تحاول به التغطية على طابعها الاستعماري الاستيطاني العنصري، وعلى اجتثاثها لشعب فلسطين من أرضه ولعبها دور كلب حراسة المصالح الإمبريالية في الشرق الأوسط، وهذا الزعم هو أنها تجسيد المسألة اليهودية، والرد التاريخي على قرون من معاناة اليهود واضطهادهم بلغت ذروتها بصعود هتلر إلى السلطة في ألمانيا عام 1933، تمهيدا للإبادة المنهجية لليهود اعتبارا من 1942 فيما أسماه النازيون “الحل النهائي”. وتضيف الصهيونية إلى هذا الزعم الرئيسي زعما آخر مكملا له يقول إن أعداءها إنما ينطلقون في موقفهم من كراهيتهم المتأصلة لليهود.

إزاء هذا الزعم الرئيسي وذاك الزعم المكمل، ماذا نفعل نحن أنصار قضية فلسطين؟ أمامنا خياران. الأول هو التسليم بمقولة إن الصهيونية تجسِّد المسألة اليهودية وتتماهى معها، والبحث عن جذور الصهيونية في طابع خبيث لليهود متأصل فيهم. في هذه الحالة، نكون قد وقعنا في الفخ الصهيوني وشوهنا قضيتنا العادلة، وهل من قضية أعدل منها، سامحين لعدونا الصهيوني أن يصورنا ككارهين لليهود من حيث هم كذلك. ومن حسن الحظ أن ثمة خيارا آخر هو نقد الخطاب الصهيوني من أساسه وتفكيكه وتعريته، وتفنيد مقولة تجسيد الصهيونية للمسألة اليهودية. وهذا هو خيار المناضلين ضد الصهيونية ممن يحملون قيما إنسانية تجعلهم ينفرون من جميع صور القهر. وتشمل صفوف هؤلاء يهودا مناهضين للصهيونية يشكلون شوكة في حلق المشروع الصهيوني.

والحاصل أن هذا الخيار يتسق تماماً مع أي قراءة جادة لتاريخ الصهيونية. فمثل هذه القراءة تبين أن الصهيونية كانت مرآة لاضطهاد اليهود أكثر من كونها نضالا ضد هذا الاضطهاد، وأنها تحالفت دوما مع أسوأ كارهي اليهود والراغبين في التخلص منهم. وليس في الأمر مؤامرة. فالصهيونية حركة رجعية تنظر إلى اضطهاد اليهود كشيء ثابت خارج عن التاريخ نابع عن التناقض الأزلي الذي لا سبيل لتذليله بين اليهود و”الأغيار”. من الذي يلقى عنده مثل هذا الخطاب هوى؟ إنهم كارهو اليهود من العنصريين الراغبين في “تطهير” أوروبا من يهودها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن مؤسس الصهيونية النمساوي تيودور هرتسل كان صحفيا في فرنسا أواخر القرن 19، وعاصر قضية الضابط الفرنسي اليهودي دريفوس الذي اتُّهم ظلما بالتجسس لصالح ألمانيا. ماذا كان موقف هرتسل ممن هبوا للدفاع عن دريفوس من يهود وغير يهود مثل إميل زولا ونجحوا أخيرا في تبرئته؟ صب عليهم جام غضبه مؤكدا أنه ينبغي لليهود إزاء العداء للسامية أن يتركوا البلدان غير المرحبة بهم ويؤسسوا دولتهم بعيدا (وبمعاونة نفس الكارهين لهم الطامعين في أن تكون الدولة الوليدة رأس حربة لمطامعهم الاستعمارية). وقال هرتسل مقولته الشهيرة: “أعداء السامية سيكونون أخلص أصدقائنا”. وتاريخ الصهيونية اللاحق برهن على صدق تلك المقولة، كما في علاقة وايزمان ببلفور ولويد جورج، وكلاهما من عتاة كارهي اليهود، ثم علاقة بن غوريون بالنازية.

ولسان حال منكري المحرقة من الغيورين على فلسطين هو أن إنكارها أو التقليل من شأنه ان يُنتزع عن إسرائيل أساس “شرعيتها”. وهم بذلك يضربون القضية الفلسطينية في مقتل مرتين. فهم أولاً يقبلون ضمنا بأن المحرقة، بفرض وقوعها، تعطي مبررا لإسرائيل، وإلا لما استماتوا في إنكار وقوعها. إنهم بذلك يسلمون ضمنا من حيث لا يدرون بمشروعية قيام إسرائيل لسبب بسيط وهو أن المحرقة وقعت بالفعل! ومشكلة هذا الموقف هي الخلط بين التفسير والتبرير. نعم، المحرقة أسهمت إسهاما كبيرا في قيام دولة إسرائيل، لكنها ليست سببا كافيا لبناء شرعيه لهذا الكيان. وعلى سبيل المثال، لا شك أن الحرب العالمية الأولى ثم أزمة 29 الاقتصادية الطاحنة أسهمتا إسهاما كبيرا في صعود النازية. لكن هل يبرر ذلك صعود النازية؟ بالطبع لا. فبوسع المرء تماما إدانة الهمجية المتمثلة في الحرب العالمية الأولى وإدانة النظام الاجتماعي الذي أفرز أزمة 29، مدينا معهما ما أفرزتاه من قمة الهمجية متمثلة في النازية. وبالمثل، بوسعنا أن ندين الجريمة البشعة المتمثلة في المحرقة، وأن ندين أيضا الجريمة البشعة المتمثلة في اقتلاع شعب من أرضه لكي يصبح الفلسطينيون، حسب تعبير إدوارد سعيد البليغ، ضحايا الضحايا، وهي جريمة يزيدها بشاعة تلويثها لقضية ضحايا المحرقة. وتحديداً لأن الفلسطينيين كانوا “ضحايا الضحايا”، فإن لا مصلحة لهم بتاتاً في إنكار وقوع المحرقة. فالنكبة جعلت من الفلسطينيين أنفسهم ضحايا للمحرقة. ومن حق الفلسطينيين والعرب تماماً رفض وفضح استخدام الصهيونية للمحرقة كمبرر للمشروع الصهيوني. فالرد على جريمة ضد الإنسانية لا يمكن أن يكون بجريمة أخرى ضد الإنسانية، وموجهة ضد طرف لا ناقة له ولا جمل في الجريمة الأولى. ولكن شتان الفارق بين رفض الاستخدام الصهيوني للمحرقة وبين إنكار وقوع المحرقة ذاتها، وهو ما يقود إلى الضرر الجسيم الثاني الذي يلحقه منكرو المحرقة بقضية فلسطين. فحينما يتبنى المدافعون عن قضية فلسطين حجج منكري المحرقة من “المؤرخين”، فإنهم يضعون أنفسهم في صف اليمين المتطرف الجديد في أوروبا الذي خرج من صفوفه هؤلاء المؤرخين، ومن نافل القول أن في هذا بالغ الضرر بالقضية.

في الصراع الدائر في مصر اليوم، يوجد نهر من الدم يفصل رفض الإخوان من منظور الثورة ورفضهم من منظور بعض الفلول (وأقول بعض الفلول لأن فلولاً كثيرين آخرين انضموا عملياً إلى صف الإخوان) والثورة المضادة. وبالمثل، هناك نهر من الدم يفصل رافضي الصهيونية من منظور إنساني تحرري من جهة، والواقعين، من جهة أخرى، في فخ إنكار المحرقة اعتقاداً منهم أن ذلك يخدم قضية فلسطين، تماماً كمثل الدب الذي قتل صاحبه. ولا يمكن التطرق لهذا الموضوع دون الإشارة إلى عمل علمي جبار هو كتاب جلبير الأشقر “العرب والمحرقة النازية”، والذي نقله إلى العربية المترجم القدير بشير السباعي وصدرت الترجمة العربية عن دار الساقي في عام 2010، وأنصح جميع المهتمين بالموضوع، بل وبتاريخ الفكر السياسي العربي في القرن العشرين عموماً، بقراءته بعناية. والأمل معقود اليوم على الثورات العربية لكي تغير أوضاع عالم عربي يصفه جلبير الأشقر بحق في كتابه المذكور بأنه “تحكمه، على حسابه، أنظمة تفرز الجهل والغباء”؛ عندئذ، سيسهم هذا الكتاب النبيل في تعليمنا كيف نعادي الصهيونية دون أن نفقد إنسانيتنا.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *