يوم آخر يرابط فيه موظفو الدولة في الوزارات في العاصمة والسرايات الحكومية في المحافظات والأقضية لحماية سلسلة رواتبهم. اختلفت الاعتصامات هذه المرة. في وزارة التربية، لم يسمح أمس النقابيون «المرابطون» لأي من المواطنين بدخول المكان. ومن ينجح في التسلّل، كان يعود فارغ اليدين من الطبقات العليا. هنا الموظفون ملتزمون بالإضراب ولن ينجزوا أي معاملة إدارية.


يوم آخر يرابط فيه موظفو الدولة في الوزارات في العاصمة والسرايات الحكومية في المحافظات والأقضية لحماية سلسلة رواتبهم. اختلفت الاعتصامات هذه المرة. في وزارة التربية، لم يسمح أمس النقابيون «المرابطون» لأي من المواطنين بدخول المكان. ومن ينجح في التسلّل، كان يعود فارغ اليدين من الطبقات العليا. هنا الموظفون ملتزمون بالإضراب ولن ينجزوا أي معاملة إدارية.

هذا ما لمسه الزوّار الذين لم يصدّقوا المعتصمين حين نصحوهم بعدم تكليف أنفسهم عناء الصعود «يا ست، يا أستاذ، إذا في شي معاملة، ما تعذّبوا حالكن، اليوم إضراب، ما في شغل». المعلمون وقّعوا على دفاتر الدوام في مدارسهم المقفلة، قبل أن يلتحقوا باعتصام وزارتهم.

تداول هؤلاء، تندّراً، خبراً عاجلاً يقول إنّ «الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، دعا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لإصدار قرار بشأن تداعيات السلسلة على الاقتصاد العالمي».

في لبنان، لم يوفر وزير الاقتصاد والتجارة، نقولا نحاس، أمس، هواء الإذاعات والتلفزيونات للحديث عن «مهوار» اقتصادي تسبّبه السلسلة على قاعدة «الأرقام شيء والعناوين شيء آخر». وقال: «لا نستطيع أن نعطي شيئاً لهيئة التنسيق النقابية خارج الميزانية لأننا ندرس كيف نبرمجها كي لا تؤثر على الاقتصاد اللبناني». ولفت إلى أنّ «الوضع تغير جذرياً منذ آب الماضي، حيث ضُربت السياحة والتصدير والتجارة الداخلية». وكشف نحاس عن «ظهور انعكاسات أساسية، منها زيادة الأقساط نحو مليون ليرة لبنانية على الطالب الواحد». وأعلن أنّ الحكومة تأخذ الإضراب بالاعتبار، لكنّها لا تبني قراراتها على أساسه، وخصوصاً أنّ «صندوق النقد الدولي الذي اطّلع على أرقام الاقتصاد اللبناني نصح بعدم الإقدام على خطوة إمرار السلسلة».

وبينما ذكّر الوزير بأنّ الحكومة لا تزال في طور دراسة الملف، عزا سبب تأخير تحديد جلسة لمجلس الوزراء بهذا الخصوص إلى سفر رئيسي الجمهورية والحكومة، لافتاً الى أنّ كلّ وزارة تعدّ في هذه الأثناء ملفّاتها حول الموضوع.

وفي انتظار ما ستجترحه هذه الوزارات بعد 14 شهراً من المفاوضات مع هيئة التنسيق النقابية، ثمة من خرج إلى الشارع ليقول «لا عمل للموظفين قبل إحالة سلسلة الرواتب بصفة المعجّل، ومن دون تقسيط إلى المجلس النيابي». علا صوت المنتفضين «في يوم تاريخي غير مسبوق في العمل النقابي»، أو هكذا وصفه رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي، حنا غريب. لم يسبق للحركة النقابية، بحسب الرجل، أن أقدمت على شلّ القطاع العام على هذا النحو. يسطّر المعلمون والموظفون، برأيه، قيامة جديدة لحركة نقابية مستقلة وموحدة خارج الاحتواء والانطواء في وجه وحدة سياسية في الحكومة وخارجها. لم تعد المسألة سلسلة رواتب، بل عزّة نفس وكرامة ومدخلاً للإصلاح، وخصوصاً عند مواجهة تغاضي الحكومة عن أرباح الأغنياء وبحثها عن الأموال في جيوب الفقراء من متقاعدين وأرامل، كما قال.

بدا غريب مقتنعاً بأنّها «سلسلة دين عمره 16 عاماً» وتفتح النقاش بشأن عدالة النظام الضريبي، مؤكداً أننا «مرتاحون ونَفَسنا قوي جداً وسنبقى ندق اللحام حتى يفك». ودعا النقابي رئيس الحكومة والوزراء إلى إعادة النظر بمواقفهم وعدم الوقوف أمام المد الجماهيري من الموظفين الذين يريدون حقهم خارج الاصطفافات السياسية.

وقد توعد باعتصام أكثر حشداً واتساعاً غداً (اليوم) أمام مقر وزارة المال في منطقة العدلية وفي التوقيت نفسه، أي منذ الثامنة صباحاً.

النقابي محمد قاسم تحدّث عن تردد الحكومة ومماطلتها المتعمدة لتأخير الإحالة، في محاولة منها للالتفاف على السلسلة التي يلتزم المعلمون والموظفون حمايتها، مشيراً إلى أنّ هيئة التنسيق، الممثلة للموظفين من كلّ المشارب، لم تسجل خرقاً واحداً لتحركها. فالموظفون عبّروا، بحسب رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة د. محمود حيدر، عن سخطهم وغضبهم، في انتظار أن تثبت الحكومة صدقيتها تجاه ثلث الشعب اللبناني.

أما رسائل نقيب المعلمين في المدارس الخاصة، نعمه محفوض، فقد استهدفت الأهالي الذين حذّرهم ممن يحكي باسمهم ولا يمثلهم، مطالباً بأن يتفهموا بأنّ المعلم لا يستطيع أن يدخل الصف وينتج تربيةً إذا لم يكن شبعاناً. النقيب ميّز بين أصحاب مدارس سمحوا لمعلميهم بممارسة حرياتهم النقابية، وآخرين غير تربويين أرهبوا المربين بلقمة عيشهم.
وذكّر محفوض الوزراء، أعضاء اللجنة الوزارية المصغرة، باليوم الذي ضربوا فيه بأيديهم على الطاولة وجزموا بأنّ الاتفاق مع هيئة التنسيق بات نافذاً حكماً وعلى «كفالتهم». وردّ الرجل على دعوة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى الحوار الهادئ بالقول «على ماذا سنتحاور يا دولة الرئيس بعدما فشلت 50 جلسة عقدناها مع المسؤولين في تحقيق مطلبنا البسيط؟ نحن دعاة حوار، لم نقطع طرقات ولم نحرق دواليب، لكننا في الوقت نفسه لن نخرج من الشارع قبل إعطائنا حقنا. الحكومة أمام مأزق، إما أن تحيل السلسلة وإما أن تتحمل مسؤولية قرارها».

رئيس رابطة التعليم الأساسي الرسمي، محمود أيوب، جزم بأنّ «وحدة هيئة التنسيق لن تفك ولا يراهننّ أحد على تعبنا لأنّ الآتي أعظم». من جهته، رفض رئيس رابطة المتقاعدين في التعليم الثانوي الرسمي، عصام عزام، إخضاع المعاش التقاعدي لضريبة الدخل.

وفي وقت لاحق، جددت هيئة التنسيق في بيان أصدرته دعوة المعلمين والموظفين إلى إنجاح إضراب اليوم واستكمال مناقشة الخطوات التصعيدية المقبلة، بما فيها الإضراب العام الشامل والمفتوح وشل العمل في القطاع العام والتظاهر.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *