كسرت الحكومة الجرّة وسقطت صدقيتها في استحقاق سلسلة الرواتب. اللعبة باتت مكشوفة للجميع. نرفض تمويل السلسلة من أموال أصحابها على قاعدة «من دهنو سقيلو» (500 مليار ليرة زيادة محسومات تقاعدية). ستخوض هيئة التنسيق معركة مفتوحة وستربح. ستواجه بوحدتها النقابية تحالف قوى السلطة مع الهيئات الاقتصادية لضرب السلسلة. سيكون الردّ بمستوى التحدي وسريعاً أكثر مما يتصورون. سيكون التحرك موجعاً.


كسرت الحكومة الجرّة وسقطت صدقيتها في استحقاق سلسلة الرواتب. اللعبة باتت مكشوفة للجميع. نرفض تمويل السلسلة من أموال أصحابها على قاعدة «من دهنو سقيلو» (500 مليار ليرة زيادة محسومات تقاعدية). ستخوض هيئة التنسيق معركة مفتوحة وستربح. ستواجه بوحدتها النقابية تحالف قوى السلطة مع الهيئات الاقتصادية لضرب السلسلة. سيكون الردّ بمستوى التحدي وسريعاً أكثر مما يتصورون. سيكون التحرك موجعاً.

كانت هذه بعض المواقف المتحمّسة للموظفين في القطاع العام والمعلمين الذين عاشوا غلياناً غير مسبوق في إضراب أمس. هؤلاء يشعرون بأن السلسلة ستطير ويريدون أن ينقذوها. هم، على الأقل، نجحوا أمس في شل القطاع العام والمدارس الرسمية وبعض المدارس الخاصة التي شهدت إقفالاً شبه تام في المناطق وخروقاً كبيرة في بيروت نتيجة تهديدات وصلت الى المعلمين من إدارات المؤسسات التربوية تحديداً، أي تلك التابعة للجمعيات الدينية. وكان التهديد الذي وجهه الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار للمعلمين على هواء إحدى المحطات التلفزيونية مثار استنكار في صفوف الموظفين والمعلمين. إذ إن عازار شجب الاضراب، مشيراً إلى المؤسسات التربوية الخاصة في لبنان وليس فقط المدارس الكاثوليكية غير ملتزمة به.

في المقابل، استفز أعضاء هيئة التنسيق أمس كلامُ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أمام زواره أنّ «السلسلة لا تحل بالسلبية أو بالتصعيد، بل بالمناقشة الهادئة التي تحفظ الحقوق المكتسبة للموظفين والتوازن المالي فلا تعرّض القطاعات الإنتاجية لمزيد من الأعباء». ميقاتي أقر بأنّ التوافق على السلسلة يحتاج إلى إجراء اتصالات مع المؤسسات المالية الدولية والمحلية ومؤسسات التصنيف التي تدعم الاستقرار النقدي في لبنان. وقال إنّه «لا يمكننا المجازفة بأي قرارات مرتجلة أو متسرعة تضرب الاقتصاد، وهو موقف أبلغناه للمعنيين في هيئة التنسيق منذ اليوم الأول الذي التقيناهم فيه، وأعدنا التأكيد عليه الأسبوع الماضي في اجتماعنا معهم». لكن الهيئة استغربت حديث ميقاتي عن التروي والتجاذبات السياسية في مقاربة قضية عمرها 14 شهراً.

كذلك فوجئت الهيئة بتصريح وزير المال محمد الصفدي أمس حين قال إنّ «الحكومة تتحمل إضراب يوم أو يومين لكنها لا تتحمل انهيار البلد اقتصادياً»، علماً بأن الوزير نفسه سبق أن أعلن أكثر من مرة أن السلسلة حق للموظفين والمعلمين، وإقرارها وإحالتها ضروريان، وهو الذي أعد السلسلة وأكد أنها لا تشكل خطراً على الاستقرار المالي والاقتصادي.

الهيئة تعيد، بحسب رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي حنا غريب، الهم الاجتماعي إلى الواجهة، بعد تراجعه في الآونة الأخيرة لمصلحة الهزات الأمنية والسياسية. ويسأل: «لماذا علينا أن نقبل تقسيط السلسلة فيما تقبل الحكومة دفع زيادة خدمة الدين العام دفعة واحدة ومن دون تقسيط وتبلغ قيمتها نحو نصف قيمة السلسلة، أي 630 مليار ليرة؟». ويجزم بـ«أننا سنشل القطاع العام وليس لدينا شيء نخسره في مواجهة الإطباق السياسي».

الإضراب كان مرضياً بالنسبة إلى رئيس رابطة موظفي الإدارة محمود حيدر. الموظفون يفاجئون الرابطة في كل مرة تدعوهم فيها هيئة التنسيق إلى التحرك، يقول. هؤلاء وإن التزموا الحضور إلى مكاتبهم إلّا أنّهم امتنعوا عن إنجاز معاملات المواطنين ما عدا القطاعات المتصلة بصحة الناس. وزير الصحة طلب من الموظفين الذين يهتمون بالمعاملات الاستشفائية عدم توقيفها وكذلك فعل رئيس الرابطة على قاعدة «أننا نطمح إلى إدارة تخدم الناس من دون ابتزاز أو فساد». ويذكّر حيدر بأنّ السلسلة تشكل بذاتها الغبن بعينه، بسبب التدني الملحوظ لرواتب الموظفين الإداريين فيها، بالمقارنة مع غيرهم في القطاعات الأخرى، وبسبب عدم إنصاف موظفي الفئة الرابعة العاملين في الإدارة العامة. وعلى الرغم من هذا الإجحاف غير العلمي وغير المبرر، كما يقول، ارتضت الرابطة بالسلسلة باعتبارها الحد الأدنى المقبول، وربطت النزاع لرفع الغبن في المستقبل القريب، لكن هذه الحكومة على ما يبدو جلياً قد أمعنت في نكران وعودها، وأسهبت في سياسة التمييع.

هكذا، استنفرت الهيئة قواها استعداداً لمعركة تدرك أنّها طويلة وطويلة جداً، فعقدت اجتماعاً استثنائياً لوّحت فيه بالإضراب المفتوح في الإدارات العامة والوزارات والبلديات والمدارس والثانويات الرسمية والخاصة والمدارس والمعاهد المهنية والتقنية الرسمية، على أن تحسم التواريخ في اجتماع تعقده، عند الرابعة من بعد ظهر الثلاثاء المقبل، في مقر نقابة المعلمين. وحمّلت الحكومة مجتمعة ورئيسها المسؤولية الكاملة والمباشرة عن النتائج المترتبة عن الخطوات التصعيدية التي ستعتمدها في مواجهة سياسة المماطلة والتسويف ولضمان احترام وتنفيذ الحكومة لالتزاماتها وقراراتها.

وخلصت إلى اعتبار تأجيل مجلس الوزراء إحالة السلسلة معجلة ومن دون تقسيط إلى المجلس النيابي إلى موعد لاحق، طعناً بالوعود القاطعة التي أطلقها رئيس الحكومة وأعلنها وزير العمل بعد الاجتماع الأخير الذي عقداه مع هيئة التنسيق نهاية الأسبوع الماضي. أما تمويل السلسلة فيجب أن يأتي، برأيها، من مكافحة الفساد والتهريب والهدر ومن ريوع الملاك البحرية والنهرية، والريوع العقارية والمصرفية.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *