ما يرشح عن سوء الإدارة في كازينو لبنان ويتنوّع من صفقات غير شفافة وصولاً إلى توظيف سياسي لم يعد غريباً. هو مؤسّسة تؤمّن للخزينة إيرادات ولكن في الوقت نفسه تتلطّى بـ«اجتهادات» تمنع أعين الرقابة المالية من الاطلاع على أعمالها. تحوّل الكازينو خلال سنوات ما بعد الحرب ــ والتي أنفق خلالها 50 مليون دولار لإعادة تأهيله بحسب إدارته نفسها ــ إلى مجال حيوي للتوظيف غير الشفاف كما هي الحال عليه في المؤسسات العامّة إجمالاً. توظيف لا يأبه على ما يبدو بحقوق العمال المنتجين بقدر اهتمامه بالشركات التي تعمل في إطار التركيبة القائمة.


ما يرشح عن سوء الإدارة في كازينو لبنان ويتنوّع من صفقات غير شفافة وصولاً إلى توظيف سياسي لم يعد غريباً. هو مؤسّسة تؤمّن للخزينة إيرادات ولكن في الوقت نفسه تتلطّى بـ«اجتهادات» تمنع أعين الرقابة المالية من الاطلاع على أعمالها. تحوّل الكازينو خلال سنوات ما بعد الحرب ــ والتي أنفق خلالها 50 مليون دولار لإعادة تأهيله بحسب إدارته نفسها ــ إلى مجال حيوي للتوظيف غير الشفاف كما هي الحال عليه في المؤسسات العامّة إجمالاً. توظيف لا يأبه على ما يبدو بحقوق العمال المنتجين بقدر اهتمامه بالشركات التي تعمل في إطار التركيبة القائمة.

إحدى تلك الشركات «Abela» التي يعمل معها بالتعاقد 260 موظّفاً ينفذون الأعمال الأساسية الخاصة بألعاب الميسر؛ وهو النشاط الأساسي بطبيعة الحال للكازينو.

وُعد هؤلاء العمّال بأنّه سيتم تثبيتهم في ملاك الكازينو مطلع عام 2013 عندما ينتهي العقد مع الشركة غير أنّهم وقعوا ضحيّة التلاعب. إذ تبيّن أنّ العقد المبرم مع تلك الشركة تمّ تجديده ليبقوا هم خارج اللعبة، وتبقى حقوقهم غير محفوظة.
انتفض العمال على هذا الوضع «وعلى الأكاذيب» كما تقول أوساطهم. بدأوا اعتصاماً عن العمل منذ ثلاثة أيام. كلّ يوم يفترشون مساحة مواقف السيارات منذ الساعة 11 صباحاً؛ يبقون هناك حتّى ما قبل منتصف الليل بقليل.

تعود جذور القصّة إلى عام 1996. حينها صدر مرسوم بعدم التثبيت في ملاك المؤسسة. ولكن بحكم سيرورة الحياة العديد من الموظفين توفّوا أو تقاعدوا، ما اضطرّ الإدارة إلى التعاقد مع «Abela» قبل نحو 6 سنوات: تعمد الشركة إلى التعاقد مع موظفين، تقبض من الإدارة، وتدفع لهم رواتبهم.

في عام 2011 تغيّر الوضع إذ صدر مرسوم يُجيز للإدارة تثبيت الموظفين، فعمدت إلى تسوية أوضاع نحو 360 موظفاً ــ معظمهم يعملون في مجال الأكل والضيافة (Food & Beverage). مع العلم أنّ 300 موظف فقط من هؤلاء كانوا يعملون أساساً في المؤسسة «وتمّ إلصاق 60 موظفاً معهم في إطار محاصصة طائفيّة» تقول مصادر من داخل الكازينو.
ولكن القرار ــ للغرابة ــ لم يشمل الفئة العاملة مع «Abela» التي تقوم بأعمال تبدأ بتوزيع الورق وصولاً إلى الرقابة وقبض ودفع المبالغ المختلفة.

احتجّ العمّال على هذه المعاملة والإهمال، غير أنّ الإدارة سعت إلى طمأنتهم بأنّه سيتمّ تثبيتهم بانتهاء العقد، غير أنّ وراء الستار كانت تُحاك مشاريع أخرى.

فقد تبيّن أنّ رئيس مجلس إدارة الكازينو حميد كريدي عمد إلى تجديد العقد مع الشركة قبل أكثر من عام «من دون أن يحتكم إلى مناقصة شفافة ومن دون أي مفاوضات لخفض الكلفة» وفقاً لمصادر مستقلّة مطّلعة على هذا الملفّ. وحين اكتشف العمال هذا المخطّط انطلقت احتجاجاتهم فكان ردّ الإدارة عليهم بأنّ الدراسة التي أجرتها خلصت إلى أنّ كلفة التثبيت تبلغ 2.6 مليار ليرة (1.7 مليون دولار تقريباً). «قالوا لنا إنّ الإدارة لا تستطيع تحمّل هذه الأكلاف» يوضح أحد الناشطين من العمّال.

لكن الأرقام توضح العكس! إذ تُفيد مصادر الكازينو نفسها بأنّه حقّق في عام 2011 أرباحاً بلغت 280 مليون دولار، وهذا يعني أنّ كلفة التثبيت لا تقارب أبداً عتبة 1% من الأرباح الإجمالية.

أكثر من ذلك، التثبيت يعني أنّ العقد لن يعود قائماً مع «Abela» وبالتالي سيتمّ توفير 10 ملايين دولار سنوياً! ولذا يبدو أن هناك تشعبات معقدة ــ تتضمن مصالح عديدة ربما ــ في هذه القضية.

تشعّبات تصفها مصادر الكازينو بأنّها نتيجة «إمبراطورية المصالح التي تديرها الشركة في الكازينو».
هي قصّة الإدارة العامّة المهملة في لبنان التي طالما تمّ ابتكار حلّ الوسيط للإبقاء على ترهّلها وفي الوقت نفسه عقد صفقات مختلفة.

وضمن تلك الصفقات يتعرّض العمّال المعتصمون إلى ضغوط لثنيهم عن حراكهم الحقوقي. «هناك زميلان بيننا يعاني والديهما من مرض عضال، تتم معالجتهما على حساب الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي»، يشرح ناشط من بينهم. «تعمد الإدارة وأزلامها إلى تهديدهما يومياً للعودة إلى العمل وإلا فلن يتمّ تغطية فرق الضمان لعلاج أبويهما!».

التهديد يأخذ شكلاً آخر مع باقي الموظفين. «تُروّج الإدارة بأنّ من ليس مدعوماً من الأحزاب الكبرى في البلد لن يبقى في عمله ولذا عليه الخضوع للقرارات المتّخذة».

توضح مصادر من داخل الكازينو أنّ ما تتقاضاه الشركة في إطار العقد المبرم تحت مسمّى الرواتب يُساوي ضعف الرواتب الحقيقية التي تسدّدها للعمال.

وتتوافق هذه الأرقام مع أرقام المصادر المستقلّة نفسها التي تحدّثت لـ«الأخبار». وتوضح أنّ العقد المبرم مع الشركة تبلغ قيمته 10 ملايين دولار تقريباً، يُدفع منها بين 5 ملايين و5.5 ملايين دولار رواتب للموظّفين، والباقي أرباح، تتابع المصادر نفسها.

مناخ غياب الشفافية في الكازينو تجلّى على نحو فاقع خلال السنوات الماضية. وعزّزه الوضع «الخاص» الذي تتمتع به هذه المؤسسة: فهي تُعدّ شركة خاصّة من منظور التدقيق المالي إذ لا تخضع لديوان المحاسبة. وفي عام 2011 حوّل الكازينو إلى المالية العامّة 112 مليون دولار تقريباً، ولكن عندما تُقدّم طلبات التدقيق بأعماله تُرفض!

من بين الأمثلة على هذا الوضع الهجين الإخبار الذي كان قد تقدّم به النائب سيمون أبي رميا إلى النيابة العامّة حول صفقة غير شفافة لشراء معدّات بقيمة تفوق 10 ملايين دولار. لم يتمّ التحقيق به أبدا!

يُشار إلى أنّ الكازينو مملوك بنسبة 53% من مؤسسة «إنترا» وبنسبة 10% من مصرف لبنان، و17% لشركة «Abela»، والباقي موزع في السوق.

ووفقاً للمعومات المتوفّرة لـ«الأخبار» فإنّ ولاية رئيس مجلس الإدارة لن تنتهي على خير. إذ يبدو أنّ حصول حميد كريدي على براءة ذمّة مالية ــ باعتبار أنّه موظف عام سيترك الإدارة ــ لن يكون سهلاً؛ تلك اللحظة ليست بعيدة إذ إنّ انتهاء الولاية هو خلال أسابيع.

وتُفيد معلومات أنّ كريدي رفض خلال الفترة الماضية اقتراحات قدّمتها وزارة السياحة لإعادة هيكلة المؤسسة باتجاه رفع إنتاجيتها وتعزيز الشفافية فيها، وفضّل بقاء الأوضاع على ما هي عليه.

وتوضح أوساط العمّال في هذه المؤسسة أنّه فيما يبلغ العدد الإجمالي للموظفين ألفين إلا أن العديد منهم ــ أكثر من 400 موظّف ــ يتقاضون رواتبهم من دون القيام بأي عمل. «نحن نعمل حتّى ساعات الصباح الأولى ونرى يومياً هؤلاء الموظّفين سياسياً ينزلون من سياراتهم، مع ترك المحرّك شغالاً، فقط لكي يسجّلوا حضور عمل».

وأكّدت شركة التدقيق المالي «Deloitte» على هذا الوضع في تقرير خاص أعدّته عن الكازينو توصّل إلى أنّ هناك فائضاً كبيراً في عدد الموظفين يُضعف الإنتاجية على نحو كبير في العديد من أقسام الكازينو ــ أي بمعنى آخر هؤلاء الموظفين برعاية سياسية.

وتُثير القضية الكثير من التساؤلات حيث العمال المنتفضون حالياً يُمثّلون عصب أعمال الكازينو وبتوقّفهم عن العمل يتراجع النشاط بنسبة 70%. «توقّفنا عن العمل يدفع المديرين إلى النزول من مكاتبهم وتوزيع الورق، ولكن من دون أي رقابة ويتقاضون مبالغ طائلة لقاء عملهم الإضافي!» يختم الناشط في صفوف العمال.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *