لم يعد يخفى بعد اليوم على أحد، خاصة مع تفجر أزمة مياومي وجباة مؤسسة كهرباء لبنان، أن شروط العمل المياوم هي أقرب ما تكون إلى “السخرة”، تم اعتمادها للهروب من عقود عمل دائمة مع ما يرافقها من أمان وظيفي واستقرار وحقوق وضمانات اجتماعية وصحية الخ. وما لم يعد يخفى أيضا، أنه ليس لأحد من السياسيين مصلحة في معالجة شاملة وجذرية لقضية مثل قضية عمال “غب الطلب”. فمن يتنطّح منهم اليوم للظهور بمظهر نصير المياومين “المحرومين” ويدافع عن حقوقهم في التثبيت في مؤسسة عامة مثل مؤسسة كهرباء لبنان، يتواطأ على حساب الآلاف غيرهم في مؤسسات وإدارات أخرى.

لم يعد يخفى بعد اليوم على أحد، خاصة مع تفجر أزمة مياومي وجباة مؤسسة كهرباء لبنان، أن شروط العمل المياوم هي أقرب ما تكون إلى “السخرة”، تم اعتمادها للهروب من عقود عمل دائمة مع ما يرافقها من أمان وظيفي واستقرار وحقوق وضمانات اجتماعية وصحية الخ. وما لم يعد يخفى أيضا، أنه ليس لأحد من السياسيين مصلحة في معالجة شاملة وجذرية لقضية مثل قضية عمال “غب الطلب”. فمن يتنطّح منهم اليوم للظهور بمظهر نصير المياومين “المحرومين” ويدافع عن حقوقهم في التثبيت في مؤسسة عامة مثل مؤسسة كهرباء لبنان، يتواطأ على حساب الآلاف غيرهم في مؤسسات وإدارات أخرى. وشركة “طيران الشرق الأوسط” (الميدل إيست) هي مثال حي ينطق بواقع تنتهك فيه يوميا حقوق العمال. وهنا، تمتزج السياسة بالمنفعة، فالكل شريك حتى الخصوم في خلق هذا الواقع والتغاضي عنه طالما أن المصالح الاقتصادية تقتضي ذلك.

ففي شركة “طيران الشرق الأوسط” يصل عدد العمال المياومين إلى نحو 1500 عامل وهم يعملون عبر متعهدين. إذ عيّنت الإدارة متعهد أعمال لكل قطاع من قطاعات العمل في المطار، ولكل منهم ارتباط بأحد كبار المتنفذين. وقد بدأ اعتماد عمال “غب الطلب” بشكل واسع مع بداية تطبيق سياسة “إعادة الهيكلة” داخل الشركة ويتوزع هؤلاء على أعمال الصيانة والأعمال الفنية والإدارية وحتى الهندسية.

عمال “الشرق الأوسط” في زوبعة “إعادة الهيكلة”:
في الثمانينيات، وفي ظل تقسيم العاصمة إلى “بيروتين” وانقطاع الموظفين عن عملهم لضرورات أمنية، لجأت إدارة “طيران الشرق الأوسط “إلى الاعتماد على صيغة العمالة اليومية لتلبية النقص الحاصل نتيجة ظروف الحرب. ومع بدء عودة الموظفين إلى مزاولة أعمالهم، بعد انتهاء الحرب برزت مشكلة الفائض في عديد العمال والموظفين فارتفعت أصوات النقابيين مطالبة بتوسيع ملاك الشركة. وترافق ذلك مع محاولة “تفليس” الشركة المملوكة من قبل الدولة، لصالح شركات خاصة تريد الاستحواذ عليها بحيث تعرضت بين عام 1996 وعام 2001 إلى ما يشبه الانهيار الاقتصادي، تُوّج بخسارة الشركة نحو 78 مليون دولار أميركي.

وفي ظل التضخم في عدد الموظفين والعمال والأزمة المالية المتمادية التي أصابتها، بدأ الحديث عن ضرورة إعادة الهيكلة العامة. وتحت هذا العنوان تم اعتماد سياسة التفليس وتفريع الشركة ، مقدمة لعمليات البيع والشراء. غير أن الظروف السياسية وخلافات أهل السلطة يوم ذاك أعاقت المضي في هذا المشروع، لكن ذلك لم يقف حائلا دون تفريع شركة “طيران الشرق الأوسط” إلى عدة شركات ترافقت مع أوسع عملية صرف للأجراء شهدها لبنان وصفها نقابيون حينها بالـ”مجزرة”. فقد تم صرف 1400 عامل وموظف مثبتين والاستعاضة عنهم بمياومين بهدف تخفيض الكلفة. وعلى شاكلة التسوية السياسية التي حدثت مع مياومي وجباة مؤسسة كهرباء لبنان، تمت تسوية عرّاباها رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري قضت بصرف عدد كبير من العمال وإعطائهم تعويضات وتم الإبقاء على عدد آخر ولكن بظل شروط عمل جديدة تنص على حرمانهم من 27 حق من حقوقهم التي اكتسبوها عبر نضال عشرات السنين مثل شمول الضمان كل من هو مسجل على اسم العامل، تقليص عدد أيام الأجازات من 26 يوم إلى 15 يوم، خفض قيمة بدل النقل، إلغاء الصندوق الخاص لضمان الشيخوخة فيما فُقدت، وبقدرة قادر، الأموال التي كانت داخله!

وبناء عليه، بات لدى شركة طيران الشرق الأوسط ” الأم ” 4 شركات تابعة لها وهي MEAS, MEAG, MASCO, LBCC، تتخصص كل واحدة منها بخدمة معينة كتشغيل منشآت المطار وملحقاته وصيانة الطائرات وتموينها وغيره. ومع ولادة هذه الشركات تغيرت صيغ العمل والتوظيف، وبدأت مرحلة “العمل بالسخرة” على حد قول بعض العمال، حيث تم تلزيم معظم أعمال الشركات المتفرعة إلى متعهدين أو ما يعرف بـ “مقدمي الخدمات” وتم التوسع في اعتماد العمال المياومين. فمن هم هؤلاء المتعهدين؟

محسوبيات وعمال دون الحد الأدنى:
في شركة طيران الشرق الأوسط، وبحسب ما يتردد في أوساط العمال، صورة معقدة من تشابك المصالح السياسية والاقتصادية تفوح منها رائحة الفساد بين أصحاب السلطة ومتعهدين جرى تلزيمهم أعمالا في المطار في ظل غياب الحد الأدنى من معايير الشفافية. وبحسب مصدر نقابي طلب عدم الكشف عن اسمه، تم تعيين كل متعهد كـ”تنفيعة” لأحد المتنفذين، وكثيرا ما يجني أرباحه عبر الحصول على امتيازات محصورة من دون حساب الكلفة أو أجراء مناقصات. فعلى سبيل المثال يقوم المتعهد كمال غلاييني، الذي يتبع له نحو ألف مياوم من حمالين وفنيين، بأعمال مختلفة لشركتي الـMEAG والـMEAS وهو مقرب من الحريري ومحمي من بري. أما المتعهد طوني سعادة الذي يتولى التنظيفات، فتربطه صداقة وبالمدير العام لشركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت وبفارس سعيد أيضا وهو يشغل 400 عامل مياوم. أما المتعهد محمد سعد الذي يقوم بتأمين التموين للطائرات، فهو مقرب من نبيه بري. فيما يتبع المتعهدين محمد روماني وعماد الصايغ في شركة “ترانس-صايغ” لنجيب ميقاتي بحسب المصدر.

وعندما نتحدث عن صيغة “مياوم” فلا بد في المقابل من وجود مظالم، على مبدأ “ما شبع غني إلا بما جاع به فقير”. والمقصود بذلك فئة المتعهدين الذين يضعون العمال في ظروف عمل أشبه بـ”السخرة” بحسب وصف عدد من العمال لواقعهم. فهم لا يتمتعون بالحماية القانونية الكافية، أو بضمانات اجتماعية مقبولة فيما يتقاضى المتعهد مبالغ مقطوعة من الشركات المشغلة عن عدد محدد من العمال يتعامل معهم “كبضاعة يستبدلهم وقتما يشاء” بحسب تعبير أحد العمال.

وقبل صدور مرسوم زيادة الأجور الأخير في 1 شباط 2012 كان المتعهد يتقاضى 850 ألف ليرة عن كل أجير مياوم، يدفع منهم 500 ألف ليرة للواحد، ويحتفظ لنفسه بمبلغ 350 ألف ليرة عن كل أجير ولنا أن نتصور المبالغ الطائلة التي يجنيها المتعهدون. فكمال غلاييني على سبيل الدلالة يحصل على نحو 350 مليون ليرة شهريا هي بمثابة ربح صاف كونه يشغل نحو ألف عامل، وبحسب المصدر النقابي فإن العديد من العمال في القائمة وهميّون إذ يقبض المتعهد أجرهم من دون أن يشغلهم ويساعد في ذلك عملية التبديل الدائم للعمال. وبعد إقرار زيادة الأجور حافظ المتعهد على هامش الربح نفسه مما حوّل المتعهدين إلى أصحاب أعمال يكسبون مئات ملايين الليرات شهريا بلا أي جهد.

في المقابل يعاني المياومون من استلاب حقوقهم. فهم بمعظمهم محرومين من بدلات النقل ولا يحصلون على إجازات سنوية والترقية والامتيازات الأخرى التي يحصل عليها المثبتون، كما لا يصرّح عنهم للضمان الاجتماعي ولا تراعى الشفافية، في ما خص البعض الذي تم تسجيله، من حيث تاريخ الاستخدام والرواتب والمستحقات، ناهيك عن الصرف التعسفي وإعادة الاستخدام وكل ذلك في ظل غياب المراقبة والمحاسبة.

وفي الشركة أيضا نوع آخر من العمالة، هم فئة الحمالين الذين يقتصر مرتبهم على البقشيش الذي يحصلون عليه من المسافرين. وفي تدبير يمعن في استغلالهم يفرض المتعهد عليهم دفع خوّة يومية (أي يأخذ منهم بدل أن يعطيهم أجرا).

وفي ظل هذا الواقع يحرص المتعهدون على التضييق على أي مطالبة من قبل المياومين بتحسين أوضاعهم. ومثال على ذلك، إقدام غلاييني عام 2010 بتسهيل من وزير العمل بطرس حرب آنذاك على التصدي للتحركات الواسعة التي قام بها العمال للمطالبة بتثبيتهم في ملاك الشركة من خلال “استقدام” حوالي 120 (يصل عددهم اليوم إلى حوالي الـ400) عاملا آسيويا يتقاضون أجورا بين 150 و200 ألف ليرة من دون أي تقديمات أخرى ليحلوا محل كل من يجرؤ على التمرد على قرارات الإدارة في خطوة وصفها أحد النقابيين بقوله أنها “نوع جديد من الرق” فهؤلاء هم الأكثر عرضة للاستغلال بحيث تضاف العنصرية إلى الاستغلال الاقتصادي لتنتج مشهدا أشد إيلاما.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *