عندما تحدث جان بودريار عن صور السجناء المعذبين في المعتقلات العراقية، التي كانت خاضعة للقوات الأميركية، وصفها بالبورنوغرافية، رابطاً إياها بمشاهد العنف الطافح، أي انهيار برجي مركز التجارة العالمي في هجمات 11 أيلول الشهيرة. يصح هذا الوصف في الكلام عن الصورة الرسمية التي يبثها الإعلام المرئي التابع لنظام البعث الأسدي. فمحطاته التلفزيونية تتلذذ في عرض صور الجثث وتبالغ في تمزيقها وتشويهها داخل إطار المشهد المعروض، مستكملةً ما بدأه السلاح البعثي من إعتداءات على جثث ضحاياه خارج المشهد المصوّر.

عندما تحدث جان بودريار عن صور السجناء المعذبين في المعتقلات العراقية، التي كانت خاضعة للقوات الأميركية، وصفها بالبورنوغرافية، رابطاً إياها بمشاهد العنف الطافح، أي انهيار برجي مركز التجارة العالمي في هجمات 11 أيلول الشهيرة. يصح هذا الوصف في الكلام عن الصورة الرسمية التي يبثها الإعلام المرئي التابع لنظام البعث الأسدي. فمحطاته التلفزيونية تتلذذ في عرض صور الجثث وتبالغ في تمزيقها وتشويهها داخل إطار المشهد المعروض، مستكملةً ما بدأه السلاح البعثي من إعتداءات على جثث ضحاياه خارج المشهد المصوّر. أحياناً تصلنا صور الإطارين الداخلي والخارجي، فنتمكن من مشاهدة صور الكثير من الجثث المرمية في مكان واحد، يعرضها الإعلام على أساس أنها تعود إلى مقاتلي “الجماعات الإرهابية المسلحة”. ثم نشاهد فيديواً سرّبه أحد الناشطين وحمّله على الـ”يوتيوب”، تظهر فيه القوات الأسدية مرتكبة مجزرة أمامنا في حق أصحاب تلك الجثث الأبرياء.

الخطر في الصورة الرسمية، غير تلفيق الأكاذيب الدموية وتركيب الأحداث ونسف الحقائق، أنها تجعل الجثث ممثلين في مشاهد الجريمة اليومية، وتُفقد الموت قيمته، من حيث أنه قوة رمزية يتحاشاها المرء إذا اصطدم بها في صورة أو خبر. يمثل الموت في الصورة البعثية، ويثير المشاهدين كأنه يعرض مفاتن جسده أمامهم، منتظراً منهم أن يتعلقوا به ويستسلموا لحظوته المركّبة. فهو ليس الموت الذي تنتهي به الحياة وجودياً، بل الموت المفبرك، عبارة عن صورة مهيّجة ومحرّضة، لا يمكن الوثوق بها من دون أن يتحوّل المشاهدون قتلة. نهاية القاتل أن يصبح قتيلاً، وهذا ما تبتغيه الصورة البعثية.

والحال أن إثارة الموت مرتبطة بالقوة التي تفيض عن المجرمين من جهة، وبضعفهم من جهة أخرى. هم يستطيعون أن يقتلوا عائلة بأكملها بأبشع الوسائل ويبثّون صور الجثث في سياق خبري يسرد قصة الإرهابيين المعتادة. يحمل الخطاب الدعائي الجثث إلى مكان لم يمر به أصحابها فيجعلهم مذنبين يستحقون العقاب. يصير عرض الجثث انتصاراً عسكرياً، كما لو أن القتل المثير بات عنصراً أخلاقياً، فرص العيش قليلة من دونه. في المقابل، لا يقدر المجرمون على تطويع الذعر الذي يخضعهم ويقهرهم جراء التهديدات المحدقة بقائدهم المستبد. ضعفهم يسوّغ جرائمهم، وبفزعهم يرتكبون المذابح التي يُنقَل موتها إلى الشاشات، كصورة منتصرة على لحم الجثث ودمها.

تُطلَق الصورة البعثية من التلفزيون كأنها رصاصة تخرج من فوهة السلاح، تستقر في ذاكرة المشاهد، وقبل أن ترتديه قاتلاً ومقتولاً بالفعل عينه، تحرّك الميول المدفونة في جهازه النفسي. ينشطر إدراكه رغبتين متناقضتين. فمن ناحية، يرغب في التخلص من صورة الجثث، ويبتغي أن تتكاثر في ساحة الجريمة من ناحية أخرى. لا يتخلص المشاهد من الصورة، والجثث التي يراها طول اليوم يزداد عددها. تنتفخ لتتسع له. يتغيّر جسده إلى صورة مثيرة في ماكينة الموت البورنوغرافية، حيث الأشلاء هي إنتاجها الأوّل الذي يعرض القتل متفرقاً، ومتطايراً قطعاً، لا يَلمّها سوى الخطاب الدعائي، الشبيه بصورة الأفلام الإباحية الرخيصة. قد يعرف المرء أن الجثة التي يشاهدها تعود إلى إمرأة بريئة، دخل الشبّيحة إلى منزلها بينما كانت تطعم ولدها أو تغسل له يديه. إلا أن إثارة الصورة وقوتها المحرضة في سياق الخطاب المرافق لها، تدفعه إلى تصديق الخبر والإستسلام إلى قتل هذه الجثة.

تهدف الماكينة الصورية إلى تقديم العنف كغاية، كأنها تحاكي القتل بالقتل، على قول بودريار. تنحصر القوة بالعسكر أو الشبّيحة الذين يطلقون الأعيرة النارية من بنادقهم عند الإنتهاء من الفتك بالأحياء والأموات. يشير إطلاق الرصاص إلى الإبتهاج بالعنف الذي أضحت كل مواضيع حاسة النظر تحت مرمى نيرانه، لأنه بلا موضوع خاص به منذ البداية. خرج المجرمون إلى الشوارع كي يقتلوا الإرهابيين، لكن المجموعات المسلحة غير موجودة، لذا سدّدوا أسلحتهم نحو الناس المنتفضين كما لو أنهم أشباح تتبدل أجسامهم ووجوههم، لكنهم يبقون موضوع العنف الفائض.

تدور رحى الحرب في فضاء الصور المعروضة على شاشات البعث. الدعاية العنفية تزيل الأحياء بخطابها الصوري واللفظي، وتبث الذعر من “العدو” في كل بقعة تصل إليها الأخبار والصور. تحضّر البروباغندا البعثية المجتمع ليخوض حرباً ضد نفسه، تطلق نفير القتل المحرض والمثير في كل الجهات، ما يجعل الصورة قادرة على إزالة مدينة من الوجود، ومحوها من الأراضي السورية، مثلما جرى لمدينتي حمص ودير الزور وغيرهما. تهزم الجثة الجسد، وينصرف المشاهد، خصوصاً المواطن السوري، إلى تفقد لحمه ودمه أمام هذه المذبحة التي دخلت عينيه بالعنف والقوة. يفحص المواطن جسمه، ويتأكد من حضوره فعلاً، لا سيما أن الإعلام الأسدي يذيع أن الإنتفاضة، بأحداثها ومشاهدها، قد صوّرت في مكان بعيد من سوريا، وأن الضحايا والدمار العمراني عبارة عن مجسمات صُنعت في قطر أو في السعودية. يدقق المواطن النظر في وجوده الحيّ كي لا يكتشف أنه مجسّم، ويكون عرضة للمحو في أي لحظة يختارها العسكر للقضاء عليه في منزله أو في الشارع. فالدعاية تنشر أخباراً عن المجسّمات، كي تجيز للمجرمين أن يقتلوا ويذبحوا في كل منطقة ومدينة من دون أي رادع. فإذا تسربت الصور وشاهدها الناس، نفوا الخبر وتحدثوا عن فبركة الجرائم. تتم خطة الموت المثير، أو القوة البورنوغرافية للبعث الأسدي، على ثلات مراحل واقعية: قتل الجسد، تغييره إلى صورة، ثم نفي الصورة في مجسّم. وعلى ثلاث مراحل رمزية: إثارة المشاهد بالموت، قتله، ثم تحويله قاتلاً، هو في النهاية، مقتول هائج. لا تقتصر هذه المراحل الثلاث الأخيرة على استهداف المشاهد كفرد متسمر خلف شاشة التلفاز فقط، لكنها تتعامل مع كل المواطنين كأنهم محاربون يعدّون الوسائل المتاحة لهم لخوض الحرب الطاحنة ضد اللا-أجسام، أي ضد الصور، التي قد تحتويهم فجأةً.

يتبجح الإعلام بقوته الدموية، ويتقصد في بعض الأحيان عرض صور ومشاهد من الواضح أنها مفبركة ووهمية. المقصد من عرضها أن يظهر للمشاهدين أنهم مجبرون على تصديق كل الجرائم القادر على ارتكابها في حقهم من دون أن تقصفهم القوات العسكرية أو تعذّبهم. يقدر هذا الإعلام على قتلهم ونفيهم، وهم قد يصدّقون موتهم ويقرّون له بالغلبة. تجاهر الدعاية بإجرامها وكرهها للناس، تهدد المشاهدين، وتغتال كلاًّ منهم، ثم تحييهم من جديد، مثلما حصل في قضية زينب الحصني، التي أحياها الإعلام في مقابلة تلفزيونية بعدما قتلها ومثّل بجثتها وسلّمها إلى عائلتها. في تلك الليلة شاهدت أم زينب إبنتها مباشرةً على الشاشة، بينما كانت تبكيها منذ ساعة اختفائها. رأتها تتكلم عن خاطفيها داخل علبة الموت التلفزيونية بعدما حدقت في وجهها في برّاد الموتى قبل يومين. هذه المعجزة الدعائية تذكّر بالحوار الذي دار بين المحقق البوليسي وإحدى “المجنونات” في فيلم “Shutter Island “2010، حيث يسألها المحقق ليوناردو دي كابريو إذا كانت تهدف إلى الهرب من المصح، الذي تمكث فيه على جزيرة بحرية، فتجيبه أنها لا ترغب في الفرار منه، لأن في الخارج، رؤوساً مقطوعة تتكلم في علب خشب، أي في التلفزيونات.

تركب ماكينات الموت البورنوغرافي الأحداث كي تهزم أجساد السوريين، تعتدي عليهم وتشوّه صورهم في كل ساعة دعائية. المشاهد محكوم عليه بالإعدام كمواطن ومحارب، أي كضحية الإثارة البعثية التي لا تتوقف عن إذاعة سلوك الجريمة في سوريا. صوّر البعث سوريا كأنها ملكه، واليوم لن يتنازل عن صورته بسوى الموت الشامل الذي اهتاج وأفلت من قبضته الحديد. أثارت المؤسسات البعثية الدعائية الناس ووتّرتهم بالموت المفبرك والمفروض على المواطنين. ومع اندلاع الثورة السورية، اكتشف هذا الموت نفسه، وصرف وجهه إلى حكم الأسد الذي كان قد ألبسه قناع الإثارة المختلق والدميم.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *