قبل عام 2008 لم يكن موظفو الإدارة العامة يحظون بهيئة نقابية تمثلهم. فولادة «رابطة متخرجي ومتدربي المعهد الوطني للإدارة» عام 1993 لم تكن سوى فكرة راودت هذه النخبة، المنتمية إلى معهد يُعِدّ تحديداً رؤساء الدوائر، وينظم دورات ترفيع إلى الفئة الثانية. يومها، لم تتجاوز طموحات المتخرجين أكثر من إطار يجمعهم ويلتقون من خلاله اجتماعياً؛ يعني «كزدورة» من هنا وسهرات من هناك ليس إلّا. حتى انضمام هذه الرابطة إلى هيئة التنسيق النقابية فيما بعد كان شكلياً أيضاً، وغير مؤثر وغير جدي. تسمية الرابطة نفسها لم تكن تحفز الموظفين على الانتساب، وخصوصاً المنتمين منهم إلى الفئتين الرابعة والخامسة.


قبل عام 2008 لم يكن موظفو الإدارة العامة يحظون بهيئة نقابية تمثلهم. فولادة «رابطة متخرجي ومتدربي المعهد الوطني للإدارة» عام 1993 لم تكن سوى فكرة راودت هذه النخبة، المنتمية إلى معهد يُعِدّ تحديداً رؤساء الدوائر، وينظم دورات ترفيع إلى الفئة الثانية. يومها، لم تتجاوز طموحات المتخرجين أكثر من إطار يجمعهم ويلتقون من خلاله اجتماعياً؛ يعني «كزدورة» من هنا وسهرات من هناك ليس إلّا. حتى انضمام هذه الرابطة إلى هيئة التنسيق النقابية فيما بعد كان شكلياً أيضاً، وغير مؤثر وغير جدي. تسمية الرابطة نفسها لم تكن تحفز الموظفين على الانتساب، وخصوصاً المنتمين منهم إلى الفئتين الرابعة والخامسة.

لكن تدهور وضع الإدارة العامة وتدني الرواتب كانا سبباً كافياً لتململ الموظفين من دولتهم. «الوظيفة تبهدلت»، يقول رئيس دائرة التشريع والاعتراضات في وزارة المال وليد الشعار، شارحاً كيف كان راتبه عندما دخل الوظيفة عام 1995 يعادل راتب مدير فرع لمصرف، فيما يساوي راتبه اليوم كرئيس دائرة راتب حاجب في بنك. يجزم الرجل أنّه لو كانت هناك شرعة تقاعد في القطاع الخاص كما العام لما تردد أحد في ترك الوظيفة العامة.

أمام هذه الصورة القاتمة، وجدت مجموعة من الموظفين الإداريين نفسها تبحث عن إطار لإصلاح الوضع، وسط غياب أي رؤية للدولة بشأن مستقبل الإدارة وأيّ خطة لتطويرها. «شعرنا بأنّ المبادرة يجب أن تنطلق منا»، يشرح الشعار، الذي انتخب أميناً للسر في انتخابات الرابطة عام 2008، حيث تلاقت هواجسه مع مجموعة من الموظفين الناشطين، ولا سيما الرئيس الحالي للرابطة د. محمود حيدر، فعملوا على مشروع يبدأ أولاً بتغيير التسمية لتصبح «رابطة موظفي الإدارة العامة»، ولا ينتهي بتطوير الإدارة العامة ورفع يد السياسيين عنها.

المشروع التغييري اصطدم بعقبات، ولا سيما اعتراض أكثر من نصف أعضاء الهيئة الإدارية للرابطة التي تضم 16 عضواً عليه. لم يكن هؤلاء يؤمنون بنجاح مثل هذا العمل النقابي، الذي يضم كل موظفي الدولة وسط استمرار مفاعيل الأغلال القانونية. مبرر الخوف من العقوبات المسلكية والإدارية والنقل التأديبي من موقع لآخر يكمن تحديداً في المادة 15 من المرسوم الاشتراعي 112 (قانون الموظفين)، التي لا تزال تطل برأسها كلما «دق الكوز بالجرة»، والتي تمنع الموظفين من الاعتصام والإضراب، رغم توقيع وزارة العمل الاتفاقية الدولية الرقم 87 المتعلقة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي.

كانت المجموعة التي تقود الرابطة الجديدة تدرك أن التغيير وتجاوب الإدارة العامة ليسا كبسة زر، وأمامها وقت ليس بقصير لإقناع الموظفين بصوابية الفكرة. مع ذلك، أطلقت في هذه الأثناء تنسيباً جدياً لعدد أكبر من الموظفين من الفئات المختلفة لتعدّل في أوائل 2011 النظام الداخلي والأساسي للرابطة، فتصبح «رابطة موظفي الإدارة العامة». بعد التعديلات، وضع قادة الرابطة خطة للتوجه نحو الوزارات والإدارات، فعقدوا الاجتماعات مع الموظفين وعينوا مندوبين في المناطق للتواصل مع المحافظات والأقضية.

وفي الاجتماعات، كانت الرابطة تشرح للموظفين أهدافها المتمثلة في رفع الظلم اللاحق بالإداريين، وكيف أن الدولة ترد على التكتلات والتحركات الميدانية أكثر من المفاوضات، وهنا تجربة المعلمين خير مثال.

الترفيع على أساس معايير علمية وموضوعية وتطوير الإدارة هما أيضاً عنوانان أساسيان في معركة الرابطة، يستدرك الشعار.
افترض مثل هذا المسار انتخاب هيئة إدارية جديدة تواكب هذا الحجم للرابطة، والمسؤوليات الجديدة التي رسمتها لنفسها، والتي تصر على تحقيقها. ففي 31 آذار الماضي، انتخب الموظفون رابطتهم التي أخذت على عاتقها استكمال تنسيب الموظفين، الذين بلغ عددهم نحو 3000 موظف، من أجل تحقيق الأهداف. وبالمناسبة تضم الإدارة العامة اليوم نحو 15 ألف موظف، منهم 8900 مثبت، والباقون متعاقدون وأجراء.

الهيئة الإدارية الجديدة هي أول هيئة تنتخب تحت التسمية الجديدة، والأشخاص الذين تقدموا للترشّح لعضويتها أدركوا أن الرابطة ستذهب إلى مكان آخر، وستتحول إلى نقابة في المستقبل القريب، وأعضاؤها يجب أن يكونوا على مستوى التحدي. وهكذا كان، فالرابطة باتت، بحسب الشعار، خلية نحل تعقد اجتماعين في الأسبوع الواحد، وقد باتت جزءاً لا يتجزأ من هيئة التنسيق، وهو ما انعكس إيجاباً في التحرك الأخير، بحيث كسر التصاعد التدريجي له من اعتصام لساعتين ومن ثم لثلاث ساعات فإضراب ليوم كامل حاجز الخوف بنسبة 80 %، لكنه لم يلغه، على حد قول الشعار.

يصوّب قادة الرابطة اليوم نحو تحويلها إلى نقابة، فتغيير الاسم وتعديل النظام الداخلي والأساسي لم يكونا سوى خطوة على طريق هذه النقابة. يراهن هؤلاء على اقتراح القانون الذي تقدم به النائب سامي الجميّل بشأن حرية العمل النقابي لموظفي الإدارة العامة. فالاقتراح أقرته لجنة الصحة والعمل النيابية، وهو حالياً أمام لجنة الإدارة والعدل. كذلك فإنّ الدولة اللبنانية صدّقت على اتفاقية العمل الدولية، التي تتضمن حرية العمل النقابي لموظفي القطاع العام، وأقرت في مجلس الوزراء وأخذت طريقها إلى المجلس النيابي. يبدو الشعار مطمئناً إلى أنّ الأمور تسير في المسار الصحيح، «وما سنفعله هو تحويل روابط هيئة التنسيق النقابية إلى نقابات، وتوسيع «البيكار» لتشمل نقابتنا المتعاقدين والأجراء».

بين الرابطة والنقابة
نجحت روابط المعلمين والموظفين في القطاع العام في تأدية دور النقابات لجهة الدفاع عن حقوق من تمثلهم، لكن ما الذي يتغير عندما تتحول الرابطة إلى نقابة؟ من الناحية القانونية يصبح العمل المطلبي مشرّعاً أكثر ولا لبس فيه، ما يمنح الموظف مزيداً من الاطمئنان للتعبير عن رأيه، والمشاركة في المطالبة بحقوقه. وبإمكان النقابة، بخلاف الرابطة، أن ترفع دعوى قضائية لتحصيل حق موظف. ثم إنّ الروابط تتبع لقانون الجمعيات، أي لوزارة الداخلية والبلديات، فيما النقابات تتبع لوزارة العمل، مع ما يستتبع ذلك من حقوق وواجبات مختلفة.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *