لم يكن المياوم علي حمود (19 عاماً عامل توزيع) يريد المشاركة في الاعتصام المركزي أمس، في مقر «مؤسسة كهرباء لبنان» في منطقة مار مخايل، والسبب «ليس بإمكاني دفع قيمة النقل من بيتي في الجنوب، إلى بيروت». لكن حمود قرر أن يستدين مجددا، ليكون إلى جانب زملائه في «هذه اللحظة المفصلية من تحركهم» المستمر منذ 90 يوماً من دون انقطاع.
أصيب حمود الذي لم يقبض راتبه منذ ثلاث أشهر، كمئات غيره من عمّال غب الطلب، بحروق عدة؛ منها عندما كان على أحد الأعمدة يصلح عطلا على الشبكة، وآخر عندما كان يهمّ بتركيب العداد لأحد المنازل.


لم يكن المياوم علي حمود (19 عاماً عامل توزيع) يريد المشاركة في الاعتصام المركزي أمس، في مقر «مؤسسة كهرباء لبنان» في منطقة مار مخايل، والسبب «ليس بإمكاني دفع قيمة النقل من بيتي في الجنوب، إلى بيروت». لكن حمود قرر أن يستدين مجددا، ليكون إلى جانب زملائه في «هذه اللحظة المفصلية من تحركهم» المستمر منذ 90 يوماً من دون انقطاع.
أصيب حمود الذي لم يقبض راتبه منذ ثلاث أشهر، كمئات غيره من عمّال غب الطلب، بحروق عدة؛ منها عندما كان على أحد الأعمدة يصلح عطلا على الشبكة، وآخر عندما كان يهمّ بتركيب العداد لأحد المنازل.

في صالة الزبائن في المؤسسة، وقف حمود إلى جانب رفاقه المياومين وجباة الاكراء في بيروت والقادمين من دوائر المناطق كافة، بعدما أقفلت أبواب المؤسسة بالسلاسل الحديدية منذ الخامسة فجراً، وكان يترقب لحظة بلحظة التطورات على الأرض، ويستمع إلى المواقف والقرارات التي كانت تذاع تباعاً من على درج الصالة، الذي حوله العمّال منذ بداية اعتصامهم، إلى منبر لإلقاء الخطابات.

لا مبادرة مسؤولة وجدّية
واكبت القوى الأمنية و«النقابات العمالية» الاعتصام المركزي، وشاركت معهم بالمفاوضات، واتخاذ القرارات. وبدا أن السقف الذي بلغ ذروته أمس، بات من الصعب خرقه من دون مبادرة مسؤولة وجدّية، تحدّ من هواجس العمّال ومخاوفهم، ليس من رميهم في الشارع، كما يقولون، من قبل وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، فحسب، بل من وضعهم المعيشي المتأزم. وقد طلب عدد منهم من القوى الأمنية أن يطلقوا النار عليهم، أو أن يعتقلوهم، لأنه لم يعد بإمكانهم رؤية أولادهم يموتون جوعا يوميا.

طُرحت الكثير من المبادرات أمس، قبل اجتماع «لجنة المتابعة للعمّال المياومين والجباة» وبعدها، فبداية أوضح رئيس «الاتحاد العمالي العام» لـ«السفير» وهو يهمّ بالخروج من بوابة المؤسسة البحرية التي أقفلت بالإطارات المشتعلة والعوائق والشتول الزراعية، أن «الاتحاد إلى جانب العمّال المعتصمين. ومن خلال الاجتماع الذي عقد صباحا بين لجنة المتابعة والاتحاد، اتخذ القرار بعدم التفاوض أو فتح الباب للحوار، قبل دفع الرواتب، وإعادة جداول توقيع الدوام في المركز الرئيس والدوائر كافة»، مشددا على أن «الاتحاد لن يدخل بأي عملية تفاوض قبل تحقيق هذه المطالب للمياومين».

وعلى وقع هتافات «فلتسقط الشركات»، أي «شركات مقدمي الخدمات» (sp)، خاطب عضو المجلس التنفيذي في الاتحاد بسام طليس المعتصمين، معتبرا أن قضيتهم «أصبحت أكبر من أشخاص ومن وزراء»، مؤكدا أن «المعركة سنكملها مع الاتحاد والحركة النقابية، ولن تتوقف إلا في المكان الذي تريدونه.. وإذا تريدون أن تبقى الخيمة في الصالة فستبقى».

وأضاف «الاتحاد ليس بوارد التفاوض عن أحد، فأينما يكون العمّال هو موجود، وعندما تقرر لجنة المتابعة فتح التفاوض مجددا، الاتحاد سيكون وراءها».

«أهم حركة عمّالية ونقابية»
واتخذ رئيس «الاتحاد الوطني لنقابات العمّال والمستخدمين» كاسترو عبدالله، الموقف نفسه، مؤكدا أنه «لا تفاوض قبل دفع الرواتب»، وخاطب المعتصمين: «أنتم تجسدون اليوم أهم حركة عمّالية ونقابية في لبنان»، سائلا: «أين وزير العمل.. لماذا لم يبادر إلى التضامن مع العمّال، وهم على هذه الحال منذ 30 أيار الماضي؟». ساعتئذ ارتفعت أصوات بعض المعتصمين قائلة «ما بدنا اياه..».

أما عضو لجنة المتابعة أحمد شعيب، فأكد مجددا أن «الموظفين في المؤسسة هم إخوتنا، وجزء منّا»، رافضا محاولة وزارة الطاقة التفرقة بين الموظفين والمياومين. وأعلن عبر لسان الأكثرية الساحقة من العمّال «رفض التوقيع مع شركات مقدمي الخدمات». وقال: «لن نعلق الاعتصام ونفاوض..».

ومن المبادرات التي أعلن عنها أمس، لتوقيف التصعيد: «أولا: لا تفاوض قبل دفع الأجور. ثانيا: إعادة نصب الخيمة خارج صالة الزبائن، وفتح الصناديق، بالتزامن مع إعادة جداول الدوام. ثالثا: التعهد بعدم جباية الشركات للفواتير التي سرقت من المؤسسة. رابعا: استمرار الاعتصام سلميا وحضاريا، حتى إقرار قانون تثبيت العمال في ملاك المؤسسة، ونشره في الجريدة الرسمية».

اجتماع طارئ للجنة المتابعة
في الاجتماع الطارئ للجنة المتابعة، الذي تخللته اتصالات من قائد شرطة بيروت العميد ديب طبيلي، أكد العمّال «لم يعد أمامنا سوى التصعيد، وعلى القوى الأمنية أن تؤدي دورها»، معتبرين أنهم «تعرضوا للخيانة عندما أخرجت فواتير الجباية من المؤسسة وفق أسلوب العصابات».. وأن «المواجهة مستمرة، إذ لم يعد لدينا ما نخسره». وذكّر أحدهم بالقول المأثور: «الشعب عندما يجوع يأكل حكّامه». وسخر من قيمة الراتب الذي تحتجزه المؤسسة، «وهو لا يسدّ رمق أحد، إذ الأغلبية تقبض أدنى من الحد الأدنى..». وقال آخر: «هذه الراتب حقنا، ولا نريد التفاوض لقبضه».

وفيما تذمر البعض من الحالة التي وصلت إليها الأمور، خصوصا أنهم ليسوا من هواة اقفال المؤسسة وحرق الإطارات، قالوا «لكن لم يعد أمامنا سوى التصعيد، وسبب كل هذه المصائب يتحملها باسيل لا أحد غيره».

وأبدى المقدم الذي فاوض اللجنة، تفهما كاملا لمطالب المياومين، وأكد لهم «لا نريد أن يمسّ أحد شعرة منكم، لكن افتحوا نافذة في الجدار، ولا ترفعوا السقف كثيرا، أو توصلوا أنفسكم لمكان من الصعب العودة منه». فردّ أعضاء اللجنة «لقد فوضنا الاتحاد العمالي لمتابعة قضية رواتبنا، وقبل القبض لا مفاوضات». فطلب المقدم بعد اتصال هاتفي أن «تكون هناك مهلة 48 ساعة لاستكمال الاتصالات».

وبعد منتصف النهار، أذاع رئيس لجنة المتابعة لبنان مخول قرارات اللجنة، وهي: «الاستمرار بإقفال المؤسسة والدوائر كافة، بالسلاسل الحديدية، لتحقيق المطالب: أولا: قبض الرواتب والمستحقات، أو يتعهد رئيس مجلس إدارة المؤسسة المدير العام كمال الحايك بدفع الرواتب خطّيّاً أو عبر وسائل الاعلام. ثانيا: اعادة جداول الحضور. ثالثا: تحذير المواطنين من دفع فواتير الجباية، باعتبار أنها سرقت من المؤسسة».

وتوجه مخول إلى رئيسي الجمهورية والوزراء والمسؤولين كافة، قائلا: «ننتظر حلا للموضوع، وإبعاد قضيتنا عن التجاذبات السياسية والانتخابية والطائفية.. مطلبنا بالتثبيت ليــــس منّة من أحد، بل هو نتيجة تعب 20 سنة، وجوع 20 سنة.. فرواتبنا ليست رواتب أساسا، لكن رضـــينا بالهم، كما يقول المثل..»، مضيفا «إذا كنتم حريصين على وحدة البلد حقا فخذوا العبرة والنمـــوذج من وحـــدتنا هنا..». أما لباسيل فقال: «مهما حاولت أن تشوه صورتنا.. فستبقى صورتنا أنصع من ثلج لبنان».

«لن نقبل سوى بالقانون»
وفي وقت لاحق، علمت «السفير» أن هناك اتصالات تلقتها لجنة المتابعة تفيد بأن «هناك موافقة على رفع العدد المطروح للتثبيت في ملاك المؤسسة إلى حوالي ألف». فكان الرد حاسما «لن نقبل سوى بالقانون الذي صوّت عليه النواب، والذي ينصّ على تثبيت كل من يستحق من العمال».

أعضاء من النقابة يعلقون مشاركتهم
يشار إلى أن موظفي المؤسسة لم يتمكنوا من الدخول إلى مكاتبهم، وقد قرر حوالي 20 منهم من أصل 400 الاعتصام خارج المؤسسة مقابل اعتصام المياومين. كما أعلن عدد من أعضاء المجلس التنفيذي لـ«نقابة عمال ومستخدمي المؤسسة» في بيان «تعليق مشاركتهم في اجتماعات المجلس حتى تصويب مسار النقابة والعودة إلى الدفاع عن مستخدمي المؤسسة وعمالها، والحفاظ على كراماتهم مع بذل الجهد لحماية المؤسسة من الانهيار». وذلك ردا على «إقفال مداخل المؤسسة بوجه المدراء والمستخدمين، ومنعهم من الدخول لمزاولة أعمالهم»، و«اعتراضا على سياسة النأي بالنفس التي تعتمدها النقابة إزاء ما يحصل في المؤسسة وعدم محافظتها على كرامة مدراء المؤسسة ومستخدميها».

وناشد موظفو «مركز التحكم الوطني» (NCC) «بعد محاصرتهم في المؤسسة، إذ كان من المفترض تبديلهم عند الساعة السابعة صباحاً بعد 24 ساعة عمل متواصلة، جميع المعنيين فك الحصار لعدم تمكنهم من الاستمرار بعملهم، ما يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي بشكل كامل وتضرر منشآت المؤسسة».

«المؤسسة محتلة.. والتيار سينقطع»
وكان مجلس إدارة «مؤسسة كهرباء لبنان» قد عقد جلسة استثنائية أمس، بحضور مديري المؤسسة، في «معمل الذوق الحراري، لتعذر دخول المبنى المركزي في كورنيش النهر». وأفاد المجتمعون في بيان أنهم «قرروا بالإجماع اعتبار المؤسسة مقفلة قسرا بسبب احتلالها من بعض عمّال متعهدي غب الطلب وجباة الإكراء، إلى حين إخلائها من جميع محتليها واستتباب الأوضاع الأمنية فيها. علما أن هذا الإجراء سيؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي عن كل الأراضي اللبنانية خلال الساعات المقبلة». وطلب المجلس من «المستخدمين والعاملين في المبنى المركزي وفي الدوائر المقفلة الالتحاق بأقرب مركز متاح وآمن للمؤسسة». واعتبر «أن عملية تسليم الفواتير، قد تمت وفق الأصول»، مناشدا «رئيس الجمهورية تكليف الجهات المختصة إخلاء المبنى المركزي وكل الدوائر من المحتلين قبل فوات الأوان، ووقوع لبنان في العتمة الشاملة».

وبناء على ما جاء في القرار، أفادت مصادر لجنة المتابعة للعمّال «السفير» بأن «موظفي غرفة التحكم في المؤسسة، لم يُمنعوا من الدخول والخروج، بل العمّال وفروا لهم وسائل الراحة كافة». أما عن التلويح بقطع الكهرباء، فقالت: «عمّال المعامل والمحطات لم يتوقفوا عن العمل»، معتبرة أنه «إذا قطعت الكهرباء عن كل المناطق، فليس بسبب الاضراب بل بسبب العناد». وذكرت المصادر أن «هناك شخصا مقربا من باسيل في المؤسسة، أوصل رسالة للإدارة مفادها: قطع الكهرباء عن كل المناطق، لتحميل مسؤولية ذلك للمياومين».

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *