التطلع إلى دولة مدنية هو قبل كل شيء تطلع إلى دولة، أي مؤسسة حكم عامة، لا تميز بين السكان، وليس وكالة سيطرة خاصة، مسخرة لإخضاع المحكومين لسلطة حاكمين مطلقين.

على أن مفهوم الدولة المدنية يكتسب في السياق العربي والسوري، دلالة مزدوجة، بل ثلاثية.


التطلع إلى دولة مدنية هو قبل كل شيء تطلع إلى دولة، أي مؤسسة حكم عامة، لا تميز بين السكان، وليس وكالة سيطرة خاصة، مسخرة لإخضاع المحكومين لسلطة حاكمين مطلقين.

على أن مفهوم الدولة المدنية يكتسب في السياق العربي والسوري، دلالة مزدوجة، بل ثلاثية.

فهو، من جهة، يتمايز عن الدولة التي يسيطر عليها الجيش و/ أو الأجهزة الأمنية، والتي ترد المجتمع إلى “جبهة داخلية”، فتنكر تعدده الداخلي، وتقيم نظاما أوامريا لاغيا للسياسة، دون أن تنجح في كل الأمثلة المعروفة بالنهوض بالمهمات الوطنية التي تسوغ حكمها بها. في الدولة المدنية، يسيطر سياسيون منتخبون على الجيش، وتكون “الحرب شأنا أهم من أن يترك للعسكريين”، فيما تكون العسكرية مهنة واختصاصا نوعيا.

وتتمايز الدولة المدنية، ثانيا، عن الدولة الاستبدادية الجديدة في العالم العربي، هذه التي تجمع بين سمات الدولة السلطانية التقليدية وسمات الدولة الشمولية الحديثة، ومنها الحزب الواحد وملحقاته التنظيمية وإيديولوجيته المعصومة، وكذلك الزعيم الأوحد المؤله والميل إلى إقامة سلالات حاكمة وراثية. الدولة المدنية هنا مكونة من مواطنين متساويين، متمتعين بحرياتهم وحقوقهم السياسية والإنسانية، وتقوم على الانتخابات الحرة وعلى تداول السلطة.

وتتمايز الدولة المدنية، أخيرا، عن الدولة الدينية، علما أن هذه ليست الدولة التي يحكمها رجال الدين كما يقول الإسلاميين، بل كذلك التي تفرض فيها شريعة دينية ثابتة كقانون عام. الدولة المدنية هنا “علمانية”، يستقل فيها الدين عن الدولة والدولة عن الدين، أو بالتحديد يجري الفصل فيها بين الدين وكل من الإكراه والولاية العامة. هذان مناطان بالدولة وحدها بوصفها مقر السيادة الوطنية. على أن الدولة المدنية لا تنزلق إلى موقف عدائي من الدين.

تقتضي الدولة المدنية تطورا في الوعي المدني لدى قطاعات أوسع من السكان، الوعي الذي يقوم على النسبية والتعدد واليسر، تمييزا عن الوعي المطلق القائم على عقائد مكتملة، دينية أو دنيوية.

وتتوافق الدولة المدنية مع التشكل المدني للمجتمع، أي تفوق أشكال الانتظام الطوعية والمستقلة (أحزاب، نقابات، اتحادات مهنية وتجمعات شبابية ونسوية…) على الانتظامات الموروثة (القرابية والجهوية والدينية) من جهة، والانتظامات القسرية مثل الحزب الواحد و”المنظمات الشعبية” عندنا من جهة ثانية. الدولة المدنية لا تميز بين السكان على أساس الدين أو العرق أو المذهب، ولا هي تتلاعب بالتمايزات الثقافية الموروثة لأغراض سياسية خاصة.

فرص الدولة المدنية أكبر كلما كانت الطبقة الوسطى أكبر وأقوى في المجتمع، وكلما كانت مقدرات أكثرية السكان تسير نحو التحسن، ويتحسن تحكمهم بشروط حياتهم، أي كلما كان النظام الاقتصادي أكفأ وأكثر حساسية لحاجات الأكثرية الاجتماعية. إذا تراجعت سيطرة الناس على ظروفهم، كان محتملا جدا أن يلوذوا بعقائد مطلقة، أو يجنحوا إلى التطرف.

أخيرا، ليست الدولة المدنية شيئا يعطى كاملا أو ينعدم كليا. إنها عملية تاريخية، ومحصلة لصراعات اجتماعية وسياسية وفكرية مركبة. وبينما ليس من المتوقع أن تتمخض ثوراتنا الراهنة عن دول مدنية ناجزة، فإن الخروج من اللامبالاة واتساع قاعدة الاهتمام بالشأن العام والتسيس الأوسع للسكان، يضع مجتمعاتنا في ظروف أفضل للتعاطي مع مشكلاتها الكثيرة التي ستفرض نفسها دفعة واحدة في وقت قريب. وتاليا يؤهلها أفضل لبناء دولة عامة، أكثر مناعة على العسكرة والتديين والحكم السلالي.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *