في مقالة تعود إلى العام 1843 عن “تقدم الإصلاح الاجتماعي في القارة”، رأى الشاب إنغلز (البالغ من العمر 20 سنة) الشيوعية، كخلاصة ضرورية حيث نقوم باستنتاجها انطلاقا من الشروط العامة للحضارة الحديثة.

شيوعية منطقية بمجملها، ناتجة عن ثورة عام 1830 حيث العمال “عادوا إلى المصادر الحية ودرسوا الثورة الكبرى واستحوذوا بفعالية على شيوعية بابوف”.


في مقالة تعود إلى العام 1843 عن “تقدم الإصلاح الاجتماعي في القارة”، رأى الشاب إنغلز (البالغ من العمر 20 سنة) الشيوعية، كخلاصة ضرورية حيث نقوم باستنتاجها انطلاقا من الشروط العامة للحضارة الحديثة.

شيوعية منطقية بمجملها، ناتجة عن ثورة عام 1830 حيث العمال “عادوا إلى المصادر الحية ودرسوا الثورة الكبرى واستحوذوا بفعالية على شيوعية بابوف”.

بالنسبة للشاب ماركس، على العكس، هذه الشيوعية لم تكن إلا “تجريدا عقائديا”، تظهير أصلي لمبادئ الإنسانية”. البروليتاريا المولودة كانت “مرمية بين أذرع عقائديي تحررها”، “الملل الاشتراكية”، وذات نفس ملتبس “تهذي بإنسانية” عن “ألفية الأخوّة العالمية” كـ”إلغاء وهمي للعلاقات الطبقية”. قبل عام 1848، هذه الشيوعية الشبحية خلت من برنامج واضح، ولازمت زمنا تحت أشكال “سيئة التنظيم” للمِلل المساواتية أو للحالمين الأسطوريين.

تجاوز الإلحاد المجرد فرض مادية اشتراكية جديدة التي لم تكن مختلفة عن الشيوعية، “كما أن الإلحاد، بصفته نقضا للإله، هو تطور الإنسانية النظرية، كذلك، فإن الشيوعية بصفتها نقيضا للملكية الخاصة، هي المطلب للحياة الإنسانية الحقيقية”. بعيدا عن كل مناهضة-كهنوتية سوقية، هذه الشيوعية كانت “تطورا لإنسانية عملية” من أجلها لم يكن الأمر يتعلق فقط بصراع مع الاستلاب الديني، إنما مع الاستلاب والبؤس الاجتماعي الحقيقي حيث تتولد الحاجة إلى الدين.

ومن التجربة التأسيسية لعام 1848 المتعلقة بالكومونة، “الحركة الحقيقية” سعت إلى إلغاء النسق المنتشر وتشتيت “الأفكار الثابتة للملل” والسخرية من “اللهجة الإلهية لعدم قابلية العلم على الخطأ”. بكلام آخر، الشيوعية، التي كانت فكرة طوباوية أو “شيوعية فلسفية”، وجدت شكلها السياسي. خلال ربع قرن، أكملت الشيوعية انسلاخها: من أشكالها الفلسفية واليوتوبية، إلى شكلها السياسي من خلال التحرر.

1. عبارات التحرر لم تخرج سالمة من قلق القرن الماضي. بإمكاننا القول، كحيوانات الأساطير، أنها لم تمت كلها، لكنها أصيبت إصابات بالغة. الاشتراكية، الثورة، وحتى الأنارشية لم تكن أفضل من الشيوعية. الاشتراكية تلطخت: باغتيال كارل ليبكنيخت وروزا لوكسمبورغ، بالحروب الكولونيالية والتعاون الحكومي لدرجة فقدان كل محتوى بغية الربح في نهاية المطاف. هي حملة أيديولوجية ممنهجة لتعريف وتفسير وربط، أمام العديدين، الثورة بالعنف والإرهاب. ولكن، عبارات الماضي حاملة الوعود الكبيرة والدافعة إلى الأمام، تلك المتعلقة بالشيوعية تلقت أكبر الأضرار عندما استولى منطق بيروقراطية الدولة وانقيادها لمؤسسة توتاليتارية. السؤال يبقى لمعرفة، مع كل هذه الكلمات المجروحة، يبقى المجال مفتوحا أمام معالجتها أو تحريرها من الجمود.

2. لهذا، من الضروري، التفكير بما أصبحت عليه شيوعية القرن العشرين. الكلمة والشيء لن يبقيا خارج الزمن والتجارب التاريخية الخاضعة لها. الاستعمال المكثف لدلالة الشيوعية من أجل الإشارة إلى الدولة الليبرالية السلطوية الصينية كان لها وزنا كبيرا، لعدد كبير، من المحاولات الضعيفة النظرية لنمو فرضية شيوعية. محاولة التملص من اختراعٍ تاريخيّ نقديّ يؤدي إلى تقليص الفكرة الشيوعية إلى “ثابتة” غير زمنية، هي محاولة لتحديدها بأفكار غير محددة للعدالة أو التحرر، وليس إلى شكل محدد للتحرر في زمن سيطرة الرأسمالية. واحد من الأسئلة البرهانية هو معرفة إذا الطغيان البيروقراطي هو الاستمرار الشرعي لثورة أكتوبر أو هو ثمرة ثورة مضادة بيروقراطية، المؤكد ليس فقط المحاكمات، التطهير، التهجير الجماعي، ولكنه حصل أيضا من خلال اضطراب السنوات الثلاثين في المجتمع وجهاز الدولة السوفياتية.

3. لا يتم اختراع مفردات جديدة من خلال مرسوم. العبارة تتشكل مع الوقت، من خلال الاستعمال والتجربة. التسليم بالتعريف القائل بأن الشيوعية تتطابق مع الديكتاتورية التوتاليتارية الستالينية، سيكون استسلاما أمام الرابحين المؤقتين، المزج بين الثورة والثورة المضادة البيروقراطية، ورفض الطرق الوحيدة المؤدية إلى الأمل، سيكون ارتكابا لظلم غير قابل للتصحيح تجاه المهزومين كلهم وكلهن، مجهولين أو غير مجهولين، الذين عاشوا بشغف الفكرة الشيوعية وجعلوها حية بوجه الأشكال الكاريكاتورية والمزيفة لها. اللعنة على الذين خرجوا من الشيوعية بخروجهم من الستالينية، ولن يصبحوا شيوعيين إلا باعتبار أنفسهم ستالينيين! (1)

4. بكل أشكال تسمية “الآخر”، ضروري وممكن، برأسمالية قذرة، كلمة شيوعية هي التي تحفظ أكثر المعنى التاريخي وعبء برنامجيا متفجرا. هي التي تفرض، توزيعا عادلا ومساواة، المشاركة في السلطة، التضامن المناهض للحسابات الأنانية والمنافسة المعممة، الدفاع عن المصالح العامة للإنسانية، طبيعية وثقافية، توسيع تطبيق المجانية (وقف التسليع) للخدمات المتمثلة بالحاجات الأولية الضرورية، بوجه الافتراس المعمم والخصخصة.

5. هي أيضا الاسم الآخر لقياس الثروات الاجتماعية المتمثل بقانون القيمة والتقييم السلعي. التنافس “الحر واللامتناهي” يقوم على “سرقة وقت عمل الآخر”. هي تدعي قياس الذي لا يقاس وتخفيضه إلى بؤس مشترك يقاس بوقت عمل مجرد غير قابل للقياس علاقة بالإنسان مع الشروط الطبيعية لإعادة إنتاجها. الشيوعية هي الاسم لمعيار آخر للثروة، لتنمية بيئية مختلفة نوعيا من السباق الكمي نحو النمو. منطق تراكم رأس المال لا يهدف فقط إلى تحقيق الأرباح، بالطبع لا يهدف إلى تحقيق الحاجات الاجتماعية، لكنه يهدف، إلى “إنتاج أشكال استهلاك جديدة”، التوسيع المثابر للاستهلاك “من خلال خلق حاجات جديدة وخلق قيم استعمالية جديدة”: “من هنا استغلال الطبيعة الكامل” و”استغلال الأرض بكل الأشكال”. هذه المغالاة الكارثية للرأسمالية تظهر راهنية شيوعية-بيئية راديكالية.

6. سؤال الشيوعية، هو بداية في البيان الشيوعي، ذلك المتعلق بالملكية: ”بإمكان الشيوعيين أن يلخصوه بمعادلة وحيدة: إلغاء الملكية الخاصة” لوسائل الإنتاج والتبادل لا تعني تماثلها مع الملكية الفردية للسلع الاستعمالية. في كل “الحركات”، “يضعون نصب أعينهم مسألة الملكية، بدرجات قليلة من التطور يمكن الوصول إليها كسؤال أساسي للحركة”. النقاط العشر التي تلخص الفصل الثاني من البيان الشيوعي، سبع منها تعالج مسألة أشكال الملكية: نزع الملكية العقارية، تخصيص الريع العقاري لتغطية نفقات الدولة، فرض ضريبة تصاعدية، إلغاء قانون وراثة وسائل الإنتاج والتبادل، مصادرة أملاك العصاة، مركزة القروض في بنك مركزي، مركزة وسائل النقل في أيدي الدولة ووضع موضع التنفيذ لتعليم عام ومجاني وللجميع، إنشاء مصانع وطنية، استصلاح الأراضي غير المستغلة. هذه الإجراءات تهدف إلى فرض، رقابة ديمقراطية سياسية على الاقتصاد، أولوية المصالح العامة على المصالح الأنانية، أولوية المجال العام على المجال الخاص. الأمر لا يتعلق بإلغاء كل أشكال الملكية، إنما “الملكية الخاصة في الوقت الحالي، الملكية البرجوازية”، “أنواع التملك القائمة على استغلال الناس.

7. بين حقين: اﻷول المتعلق بملكية البعض للمصالح العامة، والثاني المتعلق بالمحرومين منها، “إنها القوة التي تحسم” يقول ماركس. كل التاريخ الحديث لصراع الطبقات، لحرب المزارعين اﻷلمان والثورات اﻹشتراكية من القرن الماضي، مرورا بالثورات الفرنسية واﻹنكليزية هو تاريخ لهذا الصراع. يختصر ببروز مشروعية مناهضة لشرعية المسيطر. “كشكل سياسي وجد أخيرا تحرره”، كـ”إلغاء” سلطة الدولة، كاسنكمال للجمهورية الاشتركية. الكومونة تبرز المشروعية الجديدة. وشكلها استلهم اﻷشكال الأخرى، من اﻹدارة الذاتية والتنظيم الذاتي الشعبي الذي ظهر خلال الأزمات الثورية: مجالس عمالية، سوفيات، لجان الميليشيات، لجان الصناعيين، جمعيات الجيرة، الكومونات الزراعية، التي تسعى إلى وقف مهننة السياسة، وتعديل الانقسام الاجتماعي للعمل، وخلق الشروط لاسقاط الدولة بصفتها جسما بيروقراطيا مفصولا.

8. في ظل الرأسمالية، كل تقدم يظهر رأيا معاكسا للتراجع والتدمير. لا يشتمل في الخاتمة إلا على تعديل “أشكال الاستغلال”. الشيوعية تقتضي فكرة أخرى ومعايير أخرى لتلك المتعلقة بالمردود والربحية المالية. البداية تكون بتخفيض ساعات وتغيير مفهوم العمل: حيث يكون الانشراح الفردي في وقت الفراغ أو “الوقت الحر” أكبر من الوقت المخصص لاستلاب العامل في العمل. المقاربة الشيوعية تفترض تعديلا راديكاليا بين علاقة المراة والرجل: تجربة العلاقة بين اﻷجناس هي أول تجربة للغيرية التي لطالما أخفت علاقات القمع، كل آخر مختلف، من ناحية الثقافة، اللون، أو الميول الجنسية، يصبح ضحية ﻷشكال من التمييز والتحكم. التقدم الصحيح يكمن في التنمية وتمييز الحاجات منها التنسيق اﻷساسي يكون من كل رجل أو امرأة كائنا واحدا، حيث فرادته تساهم بغنى البشرية.

9. البيان يرى الشيوعية “كشراكة حيث تقدم كل شخص يساهم في تنمية وتقدم الكل”. تبدو أيضا كمبدأ أساسي لتحرر فرد حر ينبغي عدم الخلط بينه وبين أوهام الفردوية الخالية من الفرد الخاضعة لامتثالية الإعلانات، وبين المساواتية الفظة لاشتراكية الثكنات. تطوير الحاجات والقدرات الخاصة لكل رجل وامرأة يساهم بالتطور العالمي للجنس البشري، والعكس صحيح، التقدم الحر لكل رجل وامرأة يفرض تقدما للجميع، ﻷن التحرر ليس لذة ذاتية.

10. الشيوعية ليست فكرة طاهرة، وليست شكلا عقائديا للمجتمع. ليست اسما لنظام دولتي، وليست اسما لنوع جديد من الانتاج. إنها تتعلق بحركة، دائمة تتجاوز / تقلص المنطق المفروض. ولكنها أيضا الهدف الذي، ينبثق من هذه الحركة، يوجهها ويسمح، بخلاف، السياسيين فاقدي المبادئ، التحركات دون متابعة، الارتجالات اليومية، يسمح بتحديدها ما يجعلنا أقرب إلى الهدف أو أبعد. تحت هذا العنوان، إنها ليست معرفة علمية بالهدف والطريق اﻷيلة إليه، إنما فرضية استراتيجية ناظمة. إنها تحدد الحلم المتنامي بعالم آخر عادل تسوده العدالة والمساواة والتضامن. الحركة الدائمة تهدف إلى قلب المنطق السائد للحقبة الرأسماليةن الفرضية التي توجه هذه الحركة لنمو تغيير جذري لعلاقات الملكية والسلطة، بعيدا عن اختيار أمل أقل الذي يبقى الطريق اﻷقصر نحو اﻷسوأ.

11. اﻷزمة، الاجتماعية، اﻹقتصادية واﻷخلاقية لرأسمالية التي تتجاوز حدودها بأثمان باهظة وغباء متصاعد، مُهَدِدة في الوقت عينه البشرية واﻷرض تعيد طرح راهنية الشيوعية الراديكالية، كما قال والتر بنجامين إبان الأزمات التي عاشها العالم بين الحربين العالميتين.

(1)أنظر(ي) Dionys Mascolo, A la recherche d’un communisme de pensée, Editions Fourbis, 2000, p. 113.

النص هنا أيضا باللغة الفرنسية
النص هنا باللغة الإنكليزية

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *