في الانتخابات النيابية اليونانية التي أجريت في ١٧ حزيران جاء سيريزا‬ في المرتبة الثانية على الصعيد الوطني وفي المرتبة الأولى في أثينا، حيث يعيش حوالي نصف سكان البلاد. كيف تفسر هذه النتيجة بضوء تقدم اليمين في الأحياء الغنية في حين انهارت أحزاب الوسط، مثلها مثل الطبقة الوسطى؟ هل يمكن استخدام الجغرافية الماركسية؟
نعم، الجغرافيا الماركسية تلزمنا. أنا لست على اطلاع على الأوضاع الديمغرافية لكن، نظرا لديناميكية الوضع، الأرجح أن المدن هي الأكثر تضررا من الأزمة نسبة إلى الريف، حيث يتوفر نوع من الاكتفاء الذاتي الغذائي.

في أطراف اليونان نسبة البطالة مرتفعة جدا.

في الانتخابات النيابية اليونانية التي أجريت في ١٧ حزيران جاء سيريزا‬ في المرتبة الثانية على الصعيد الوطني وفي المرتبة الأولى في أثينا، حيث يعيش حوالي نصف سكان البلاد. كيف تفسر هذه النتيجة بضوء تقدم اليمين في الأحياء الغنية في حين انهارت أحزاب الوسط، مثلها مثل الطبقة الوسطى؟ هل يمكن استخدام الجغرافية الماركسية؟
نعم، الجغرافيا الماركسية تلزمنا. أنا لست على اطلاع على الأوضاع الديمغرافية لكن، نظرا لديناميكية الوضع، الأرجح أن المدن هي الأكثر تضررا من الأزمة نسبة إلى الريف، حيث يتوفر نوع من الاكتفاء الذاتي الغذائي.

في أطراف اليونان نسبة البطالة مرتفعة جدا.
نعم، ولكن البنية الاجتماعية في هذه المناطق، حيث يعمل الناس لحسابهم الخاص، حيث تكاليف المعيشة أقل، يجعل من الشعب أقل اعتمادا على الخدمات الاجتماعية التي تتقلص حاليا. ربما شعروا بالقلق، من أن يصادر سيريزا منازلهم… الأرقام ليست بين يدي لتقدير الوضع، ولكنني أجري مقارنة مع الأرجنتين في العقد الماضي، حيث كانت نسبة البطالة مرتفعة في المدن الكبيرة. الريف كان أقل تضررا. نتائج الأزمة أصابت بشكل عام سكان المدن. عندما نشاهد خارطة النتائج الانتخابية في اليونان، يمكن ملاحظة تقدم سيريزا في المدن الكبيرة وفي الضواحي العمالية، لكن أحتاج إلى المزيد من البيانات الإحصائية من أجل تقديم إجابات أكثر دقة.

اليسار الجذري يعتقد أن النظام هي بنيوية. هل هذا هو أيضا رأيك. إذا كان جوابك نعم إلى أي مدى، وما هي خصائص الأزمة اليونانية؟ بالنسبة للنيوليبراليين كل شيء يعود إلى حجم القطاع العام وبنيته.
هناك من دون شك خصائص مرتبطة باليونان، مثل النظام الضريبي، مستوى عدم المساواة وإخفاء الديون خلال عدة سنوات. كل هذه العوامل أدوا إلى تفاقم الأزمة ولكن على أي حال لن أقول أن هذه العوامل هي التي ولدت الأزمة. الأزمة بنيوية، لا شك في ذلك. تعدد الأسباب، وكلها يرتبط بعمل النظام الرأسمالي، تفسر لماذا الصدمة كانت عنيفة جدا ولماذا عبرت عن نفسها بطريقة غير عادلة بين البلاد.

ثمة مناطق في العالم لم تتضرر جديا من الأزمة. هذه السلسلة، لأن الأمر يرتبط بحلقة من ضمن عوامل أخرى لهذه الأزمة، لم تصب أميركا اللاتينية كما أصابت أوروبا. هم أصيبوا بأزمة ٢٠٠١- ٢٠٠٢، وما حصل أنهم ما إن حصلت تلك الأزمة، فأصبحوا على علم بالمشكلة. الأرجنتين على سبيل المثال حلت مشكلة ديونها التي تمثل حاليا ٧٪ من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن الدين الألماني بلغ ٨٠٪… في تلك الفترة، دول عديدة لم تكن تملك احتياطيا من العملات الأجنبية تعرضت أكثر من غيرها، على سبيل المثال دول جنوب شرقي آسيا.

بشكل عام، ما بدأ باعتباره ازمة في القطاع العقاري، مرتبطا بالرهن العقاري، أصبح أزمة مصرفية. كما استوجب الأمر إنقاذهم للبنوك، أصبحت الأزمة مرتبطة بالدين العام والبلاد التي لا فائض فيها، وتتعرض لمشاكل أخرى، وجدت نفسها في وضعية صعبة. ولكن ، مرة أخرى، كل حالة هي فريدة.

فاسبانيا، على سبيل المثال تغرق في أزمة في قطاعها العقاري وليس لأزمة تمويل الدين العام كاليونان. والملاحظ في اليونان أن النفقات العامة مرتبطة أيضا بالقطاع العقاري، الأشغال العامة والمضاربة العقارية. الدين تزايد بشكل ملحوظ خلال التحضير لدورة الألعاب الأولمبية عام ٢٠٠٤. فثمة تاريخ طويل لمدن وحتى لدول التي وجدت نفسها منهارة عقب تنظيم دورة للألعاب الأولمبية. بإمكاننا الاستنتاج أن الأزمة هي بنيوية، ولكن عوامل أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار، التي تسبب أو تدفع شكل الأزمة دون أن تكون هي السبب.

موضوع إحدى المحاضرات التي قدمتها في أثينا يتعلق بـ”المدن باعتبارها أمكنة للمقاومة والأمل”. والعنوان الرئيسي لأحزاب اليمين خلال الانتخابات الأخيرة كان “استعادة مدننا”، طرد المهاجرين، المتظاهرين، إلخ. هذه المدن هي لمن في نهاية المطاف؟
حق كل فرد أو مجموعة بالمدينة يرتبط بموازين القوى. عدة مجموعات يطالبون بحقوقهم: المضاربون العقاريون، تجار البورصة، رجال الأعمال… وبالطبعـ عندما يتعلق الأمر بالأمن، فكل المحاولات الشعبوية تحاول الاستفادة من الأمر، من خلال طرح مسألة “استعادة المدن”. هناك أشكال عديدة لهذه المحاولات. هناك محاولات اليمين وهناك محاولات الحركات الاجتماعية على المستوى العالمي، مثل الحركة النسوية أو تلك التي تعلن حقها في التجول ليلا. هم أيضا يضعون في المقدمة مسألة الأمن، ولكن بشكل مختلف. هذا الحق هو اليوم مسألة للتفاوض، بحسب موزاين القوى.

المسألة ترتبط بالحق بأن نقرر ما نريد. وبالنسبة لي، أن أؤيد حق السكان ذوي الدخل المنخفض الذين يسيرون المدينة. هؤلاء لهم الحق في تقرير ما ينبغي أن تكون عليه المدينة والذين يقومون بتشغيلها بشكل يجعلها صالحة للسكن لقاء جهودهم الجبارة.

رجل التنظيفات، التاجر، الخادم الذي يقدم للغني فنجان القهوة، المرأة التي ترعى أطفال البرجوازيين، كل هذه المجموعات لا يشاركون في اتخاذ القرارات وأكثر من ذلك يعانون من عيوب مرتبطة بالحياة في المدينة كوسائل النقل وإمكانية حصولهم على سكن لائق محدودة. أرغب جدا برؤية حركة قوية تطالب بحقها في المدينة وتمثل كل المهمشين بوجه المستحوذين على كل السلطة الاقتصادية وعلى القرار، وليس على الحق بذلك.

هل تعتقد أن أوروبا ستتمكن يوما ما التخلص من سيطرة السياسات النيوليبرالية؟ هل الشعوب الأوروبية جاهزة للمطالبة بنظام آخر، نظام يبتعد عن مسار الخصخصة، وإدارة الأزمة التي يقوم بها الاستابلشمنت الأوروبي؟ منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي هل هما قابلان للحياة؟
إنها أسئلة كثيرة ومهمة! بالنسبة للنيوليبرالية، الجواب يرتبط بكيفية تعريف الموضوع. بالنسبة لي النيوليبرالية هي مشروع يهدف إلى تركيز الثروة بيد القلة بفعل أدوات مالية ونقدية وبوسائل أخرى ذكرتها. هذا هو التفسير العام للنيوليبرالية منذ نهاية السبعينيات ويقون على برنامج التكييف الهيكلي البنيوي الذي ينفذه صندوق النقد الدولي، الذي يهدف لإنقاذ المؤسسات المالية على حساب الشعب.

بالنسبة لكينز، ننطلق من إعادة التوزيع للفقراء وليس لصالح الدول الغنية، كما هو الحال منذ أكثر من ثلاثين عاما. وهذا المسار لم يتأثر بفعل الأزمة، خلال الأعوام الخمسة الأخيرة من الأزمة العالمية الأغنياء ازدادت ثرواتهم باضطراد. وما حصل في المكسيك عام ١٩٨٢ هو ان برنامج التكييف الهيكلي هو نفسه يحصل في اليونان. توزع سندات الدين ‪كمكافأة‬، فلا يتأثر البعض، في حين العبء يقع على عاتق الناس.

هذه ليست نهاية النيوليبرالية ولكن استمرارها مع وسائل أكثر وحشية. وطالما لم نع ضرورة إسقاط هذا النموذج، لا أظن أن ديناميتها ستتغير. هذا الوعي يبدأ بالحصول فقط على نطاق واسع. في التشيلي، الحركة الطلابية عرفت أن بينوشيه رحل، لكن “البينوشية” لا تزال في مكانها وهذا ما يجب استهدافه. البريطانيون تخلصوا من تاتشر وليس من التاتشرية.

أعتقد أن سيريزا في اليونان هي قوة سياسية التي تدرك أن الأمر لا يتعلق بالتخلص من الأكثر ازعاجا في النموذج النيوليبرالي ولكن يتعلق بالتخلص من النموذج بحد ذاته. لهذا السبب تشكل سيريزا رمزا لكل أوروبا، حركة الساخطين في إسبانيا، ولكنها المرة الأولى التى تستطيع حركة سياسية تريد أن تتقدم في هذا الاتجاه. ونحن بحاجة إلى امتداد هذه الحالة في كل أوروبا.

ثمة عدة تدل على تطور الامور في الاتجاه الذي تحدثت عنه، ففي التشيلي ومع الحركة الطلابية، أشار استطلاع للرأي أن ٧٠٪ من الشعب يؤيد هذا الحراك. وفي الوقت الذي يقترب حزب سياسي من السلطة ويكتسب خبرة سياسية، إنه سيكون قادر على صياغة خطاب بديل عن النموذج النيوليبرالي. وهذا ما يبدو بالنسبة لي مشجعا في الخرق الذي حققته حركة سيريزا، وهي المرة الأولى التي يحصل شيئا شبيها في أوروبا.

الأحزاب الاشتراكية أو الاشتراكية الديمقراطية التقليدية، كالحزب الاشتراكي الفرنسي، تتحرك ببطء، فنرى الحزب العمالي البريطاني يتطور بخجل شديد في الابتعاد عن النموذج المهيمن. كل هذا هو أمر إيجابي ولكنهم حتى اليوم لا يعارضون بصرامة النيوليبرالية.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *