انشغل أول الحاضرين بالكتيب الصغير الصادر حديثاً. توزعه المرأة وتقول، سائلة، جميل؟ تحتل ستة صور شخصية غلافه. تهز ليلى مرعشلي، صاحبة إحدى الصور، رأسها. تخبر الرجل الجالس بقربها عن مضمونه. يشتمل على سبع شهادات، لمتضررين من عنف، ساعدهم مركز «نسيم لتأهيل ضحايا التعذيب». مثل سير ذاتية موجزة. كان ذلك، أول أمس، في لقاء نظمه «المركز اللبناني لحقوق الإنسان» في الدورة، بعنوان «التعذيب هو جريمة» تزامناً مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب.


انشغل أول الحاضرين بالكتيب الصغير الصادر حديثاً. توزعه المرأة وتقول، سائلة، جميل؟ تحتل ستة صور شخصية غلافه. تهز ليلى مرعشلي، صاحبة إحدى الصور، رأسها. تخبر الرجل الجالس بقربها عن مضمونه. يشتمل على سبع شهادات، لمتضررين من عنف، ساعدهم مركز «نسيم لتأهيل ضحايا التعذيب». مثل سير ذاتية موجزة. كان ذلك، أول أمس، في لقاء نظمه «المركز اللبناني لحقوق الإنسان» في الدورة، بعنوان «التعذيب هو جريمة» تزامناً مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب.

تتصفح ماغي أندريوتي الكتيب أيضاً. شاركت فيه. تؤكد لها الموزعة أنهم حافظوا على النص كما هو. «نُشر كما كُتب»، تقول. تبتسم ماغي والدة «الفتى» المفقود في السجون السورية. كبر الفتى ستافرو الآن. كان عمره 17 سنة حين خطف. «صار الآن في الخمسين»، تقول في الفيلم الذي عَرض شهادات أربعة معذبين. لم تتعرّض هي نفسها لعنف. لكنها فقدت ابنين. قتل الأول في الحرب بقذيفة وخطف الآخر. ثم مات الزوج همّاً.

زاغت مراراً عيون الحاضرين. سماع روايات التعذيب ليس هيّناً. هكذا، ترى منهم من يذهب في نظره بعيداً من الشاشة. عرض صور لأجسام ضربت أثناء التحقيقات كان قاسياً. تهتز أجسامهم ورؤوسهم. بدا مريعاً أن يقول أحد المعذبين، في الفيلم، أنه أخيراً صار «يستطعم بالضرب». قال إن تصريحاً كهذا حرام. لكنه هكذا. خسر هذا السمع في إحدى أذنيه. تحدث أيضاً معذب في معتقل الخيام الإسرائيلي. الدولاب. الكهرباء. الفراريج. الكرسي. البلانكو. استخدمت هذه التعابير كثيراً في وصف آليات التعذيب.

حضر بيننا عامر النابلسي المعتقل السابق في السجون السورية. روى تجربته في الفيلم. قال إنه أمر يفوق العقل. ظلم. عُلّق بعد الفيلم أنه يشارك في اللقاء «لأن مفقودين كثراً مازال مصيرهم غير معروف». غرق الحاضرون في كراسيهم بعد شهادة ليلى مرعشلي. اعتقلت أيضاً لدى المخابرات السورية. تصف بدقة ما كانت تتعرّض له. تقول إنهم كانوا بلا رحمة «كأنهم يتعاملون مع ألواح من خشب». بقي سؤالها عن سبب توقيفها بلا إجابة. هكذا، دخلت وخرجت من مجهول إلى مجهول.

بدا قول الضابط في قوى الأمن أن مناسبة اللقاء هي اليوم العالمي للتعذيب أبعد من زلة لسان. سخرت حاضرة أننا سنأكل فلقة كلنا قبل خروجنا. ليس هذا بعيداً من الجدية. أنكر، أولاً، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، من قسم حقوق الإنسان في «قوى الأمن الداخلي»، وجود تعذيب لدى هذا الجهاز الأمني. قال إن الشهادات التي عرضت قديمة وليس للأجهزة اللبنانية علاقة بها. لا تعرف كيف اتسق ذلك مع إقرار بوجود عنف في أول 48 ساعة من التوقيف. هذه مرحلة الاستنطاق. لا بأس. لم يكن العميد أنطوان بستاني، مسؤول لجنة متابعة التعذيب في السجون في «قوى الأمن الداخلي»، بعيداً من الجو نفسه. أمر مثل الدفاع عن القبيلة. هكذا، لم يقرّ إلا بحالتي تعذيب هذه السنة. عوقب فاعلهما. «انخفضت النسبة». بشر بعد ذلك بأن العسكري صار مقتنعاً بأن العنف لا يفيد. صار العنصر، الآن، «يفكر بعقله بدلاً من استعمال يده وقدمه».
كانت ردود الفعل مستنكرة. عبر إيليا أبو عون، ممثل «الصندوق العربي لحقوق الإنسان»، راعي اللقاء، عن سعادته بالتعاون بين جمعيات المجتمع المدني والسلطات الرسمية. كان ذلك في أول اللقاء. تغيّر رأيه، تقريباً، بعد تعليقي الضابطين. هكذا، طالب السلطات بصراحة أكبر. لا يفيد الإنكار. قالت رانيا فزع إن «مجلس حقوق الإنسان» اللبناني اعترف في العام 2010 بوجود تعذيب. «كيف تنكرانه الآن؟».

لم يقتنع الأب هادي العيا رئيس «جمعية عدل ورحمة» بحديث الرجلين. الأكيد أن التعذيب موجود. عمل جمعيته يثبته. «إذا لم تكن قوى الأمن نفسها التي تعذب فإن سجناء مدعومين منها يعذبون غيرهم». لن يذهب بعيداً. طرح مثالاً: «حصل منذ يومين» في سجن رومية. عذّب سجناء مدعومون.. عسكريين.

لم تنفع استدراكات الضابطين. تحدّث أحدهما أن العنف يرجع استخدامه إلى قصور أدوات التحقيق. «ليس هذا تبريراً»، يقول. لكن المشكلة وفق أحد المشاركين في غياب الثقة بين الأجهزة والمواطنين. روى حادثة جرت مع «جمعية ألف» التي يمثلها. فضلت ابنة أحد المسجونين اللجوء إلى الجمعية لتشتكي عن عنف يتعرض له والدها بدل الذهاب إلى الجهات الرسمية. خافت أن يزيد الضرب إذا قالت لهم شيئاً. صرخت امرأة في القاعة الجانبية. قالت إن أحداً لا يتحدث عن القضاة أو المدعي العام. يقول بعض القضاة، وفقها، عن المتهم حين يُدخَل إليه إنه «ليس جاهزاً بعد». تأويل ذلك ليس صعباً.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *