لنبدأ من الآخر، إثر اعتقالك الأخير جرى ترحيلك من البلاد، في عقاب نادر لواحد من المنتمين للثورة السورية، أي معنى لذلك؟
ربما معنى العجز عن التحمل، فقد باتت السلطة في وضع من الإرهاق والضعف يجعلها في غاية التوتر. طبعاً ما تعللتْ به في قرار الطرد هو كتابتي مقالات ضد السلطة. الشكل يتعلق بكوني فلسطينياً أحمل الجنسية الأردنية رغم أنني مقيم في دمشق منذ واحد وثلاثين سنة وتزوجت من سورية.

إنها فرصة لنسألك أيضاً عن انتمائك، أنت الفلسطيني المقيم في سوريا، اعتقلت مرتين لمناهضة النظام السوري. هل تجد أنك تنتمي إلى هوية ملتبسة؟

لنبدأ من الآخر، إثر اعتقالك الأخير جرى ترحيلك من البلاد، في عقاب نادر لواحد من المنتمين للثورة السورية، أي معنى لذلك؟
ربما معنى العجز عن التحمل، فقد باتت السلطة في وضع من الإرهاق والضعف يجعلها في غاية التوتر. طبعاً ما تعللتْ به في قرار الطرد هو كتابتي مقالات ضد السلطة. الشكل يتعلق بكوني فلسطينياً أحمل الجنسية الأردنية رغم أنني مقيم في دمشق منذ واحد وثلاثين سنة وتزوجت من سورية.

إنها فرصة لنسألك أيضاً عن انتمائك، أنت الفلسطيني المقيم في سوريا، اعتقلت مرتين لمناهضة النظام السوري. هل تجد أنك تنتمي إلى هوية ملتبسة؟
لا على العكس، أظن أنني أنتمي لهوية واضحة، حيث أنني أنطلق من أنني مواطن عربي في وطن مجزءٍ لاثنتين وعشرين دولة، وبالتالي أحكم من قبل اثنين وعشرين ملكاً ورئيساً ملكياً. لهذا تعاملت خلال الثورة المصرية حيث كنت في القاهرة على أنني جزء من الثورة. وهكذا فعلت في سوريا، حيث أنني مع الثورة منذ البدء.

هل جعلك كونك فلسطينياً مع الثورة السورية أن تدفع الثمن مضاعفاً؟
هذا ما ظهر لي عند بعض عناصر الأمن والمحقق الذي عذّبني. حيث كان المحقق متوتراً من شعار منشور على جريدة تصدر عن ائتلاف اليسار السوري اسمها “اليساري”، يقول “من أجل تحرير فلسطين نريد إسقاط النظام”، فبدأ الشتم والسباب على الفلسطينيين، وتكرار المعزوفة المريضة عن أنهم باعوا أرضهم، وأنهم لا يستحقون الدعم وأنكروا النعمة ـ وما إلى ذلك من شتائم. كرر الخطاب “الممانع” ذاته. لكن الأسوأ كان حين وضعت في مستشفى 601 حيث بدأ عنصر أمن بضربي، وحين عرف أنني فلسطيني شدد الضرب والشتم والمعزوفة ذاتها.

ثم أدى كوني فلسطينياً أحمل الجنسية الأردنية إلى إصدار قرار من النائب العام بطردي من سوريا، حيث اصبحت بعيداً عن بيتي وبيئتي التي عشتها لثلاثة عقود، منخرطاً في كل تفاصيلها، ومتعشقاً طرقات دمشق وحاراتها، ومقاهيها.

أنت اعتقلت مرتين، مرة بين عامي 92 – 2000، والثانية أثناء الثورة الراهنة، هل وجدت أن النظام تغير كثيراً في المرتين؟ هل تغيرتَ أنت أيضاً؟
النظام تغيّر طبعاً، حيث كان “قومياً” في المرة الأولى، لهذا تعامل معي كـ”مواطن” فحكمني في محكمة أمن الدولة العليا ثماني سنوات ككل السوريين الآخرين الذين كانوا يحاكمون معي. الآن ظهر أنه تخلى عن “قوميته” فاعتبر أنني غريب أعيش في سوريا، و”أخرّب” فيها.

التعذيب ما زال هو أساس التعامل، رغم أن تعذيبي في المرة السابقة كان اشدّ، ربما نتيجة وضعي العام. وربما كانت الثورة قد اوجدت وضعاً بالغ التوتر لدى الأجهزة الأمنية ظهر في تعذيب وحشي لكثير من الشباب الذين اعتقلوا.

طبعاً كنت أتمنى أن يظل النظام “قومياً” لكي أبقى في سوريا، وإنْ في السجن.

هل تغيرت أنا؟ لا شك، حيث يلعب العمر دوره، لكن أظن أنني لم أتغيّر في طريقة مواجهة التحقيق والتعذيب، وفي القناعات.

ماذا يعلّم السجن؟
يعلّم كثيراً، وما شاهدته على وجوه الشباب الذي بات يملأ السجون، هو أن التعذيب الشديد، والذي يمكن أن أقول وحشياً، يعلّم الصلابة والتماسك والقوة. وعلمني أن هذا الشباب العشريني في الغالب سوف يقلب وضع المنطقة في السنوات القادمة، نحو مجتمع متحرر ديموقراطي ويحقق مطالب الشعب المفقر والعاطل عن العمل. لقد وثقت بأننا في عقد من التغيير سوف يوصلنا إلى وضع آخر مختلف، أظنه يسارياً بالضرورة.

هل فاجأتك هذه الثورة؟ ما الذي كشفت عنه بالنسبة لك كمثقف، كمفكر؟ هل هذا هو البلد الذي تعرفه؟ أي مفاجآت حملتها الثورة؟
ربما لم تفاجئني الثورة، ككل الثورات العربية، حيث كتبت منذ سنة 2007 مقدمة لكرّاس أسميته “طريق الانتفاضة” أننا مقبلون بالحتم على ثورات في الو طن العربي في الفترة القادمة. وكان يبدو لي أن سوريا تسير نحو انفجار اجتماعي منذ سنة 2008 بعد اكتمال اللبرلة، وارتفاع الأسعار بشكل سريع من دون ارتفاع مناسب في الأجور. ولهذا أشرت بعد ثورة تونس أن سوريا مهيّئة لأن تكون من البلدان التي ستشهد ثورة، رغم أنني كنت أشير إلى إمكانية تأخر نتيجة تأخر انتصار اللبرلة، وبالتالي كون الاحتقان الاجتماعي لم يصل بعد إلى كسر حاجز الخوف من سلطة استبدادية، وهو الأمر الذي كسره عنف السلطة منذ أول تجمع شعبي في درعا.

ولهذا كنت أترقب التظاهرات الأولى لكي أتلمس كيفية انفجار الثورة. طبعاً كنت واثقاً بأن الشعب السوري سوف يملأ الشوارع في ثورة كبيرة، وكان يعتبر رأيي في جو معارض يميل إلى اليأس وكأنه وهم، او حلم رومانسي، أو اثر “ماركسي” أكثر من أن يكون مسألة حقيقية. لكن أصبحت الثورة مسألة حقيقية. ربما ما ساعدني على فهم إمكانية الثورة هو تحليلي الماركسي، الذي انطلق من فهم الظروف الموضوعية للطبقات الشعبية، من تلمس الفقر الذي أخذ يتوسع في سوريا، والبطالة التي كانت تتصاعد، وانهيار التعليم والصحة، وانهيار الصناعة والزراعة. وبالتالي تهميش كتلة مجتمعية كبيرة. هذا الوضع هو الشكل “المثالي” لحدوث الثورات. هذا تحليل ماركسي، لكنه تحليل واقع موضوعي، توضحت صحته فيما جرى في الوطن العربي، وفي سوريا خصوصاً.

طبعاً حين تحدث الثورة يصبح كل تحليل نظري صياغات مجردة، حيث تتمظهر أمام أعيننا قوة الطبقات الشعبية وجرأتها، واندفاعها، في سورية خصوصاً حيث الرصاص وقذائف الدبابات والصورايخ هي ما كان يواجَه به المتظاهرون. وهو أمر يتفوق على كل تحليل نظري، ويبهر حتى منظري الثورات. المثقف هنا ربما يشعر أنه هامش. وفي غياب الأحزاب المنغرسة بين شعب ثوري يكون المثقف العضوي عيناً مدققة، لكنه يشعر بأنه لا يمتلك الآليات التي تجعله فاعلية واعية تطور الحراك الشعبي، وتضعه في إطار إستراتيجية تغييرية توصل إلى استلام السلطة.

هل هذه سوريا التي أعرفها؟ هذه سوريا التي كنت أعرف أنها هي كذلك، رغم كل حديث النخب (أو بعض النخب) عن خنوع الناس، واستطاعة البعث تلويثهم وإخضاعهم. كنت مقتنعاً بأن هذا الشباب “اللامبالي” سيثور. وربما تكون هذه الصلابة والقوة التي أظهرها هي ما يستوقفني لكي أتأمل. فرغم بطولة الشباب في الثورات العربية الأخرى، إلا أن في سوريا الأمر يستحق النظر العميق، لأن الشباب هنا كان ينتفض وهو يعرف بأنه يواجه الرصاص والصواريخ والقتل والتعذيب الوحشي. إنها بطولة خارقة.

هذا حديث يقود إلى الثقافة والمثقفين، ومدى التصاقهم بحركة المجتمع والناس، كيف تقيم أداء المثقف قبل وبعد الثورة؟
هنا لا أود التعميم، لكن كان يبدو لي أن فصاماً يقوم بين المثقفين (والسياسيين في المعارضة) وبين الشعب. ربما كان الفارق الجيلي عنصراً فيه (حيث النخب كبيرة في العمر، والشعب في الغالب شباب)، لكن كان يبدو بأن كثيراً من المثقفين ينظر إلى الشعب كشيء “دون”، أو أن كثيراً من المثقفين لم يكن ينظر إلى الشعب أصلاً.

هذه مشكلة متأصلة لدى النخب، وهي في أساس عدم فهم ما جرى وما يمكن أن يجري. فالنخب لم تكن تظن بأن الشعب سوف يثور، وتعلقت بمطلب الحرية والديموقراطية لكنها ظلت تعتقد بأنه سيكون معطى “خارجي”، من السلطة ذاتها أو من تدخل خارجي.

لا شك في أن هناك من حاول التعبير (ربما في الأدب خصوصاً)، لكن السياق العام كان يشير إلى “قطيعة” ما، جعلت المثقف في غير وارد توقع الثورة، وحين حدثت إما حاول اللحاق بالتأييد أو حاول التشكيك لأنه أصلاً لا يثق بالناس، أو صمت. ربما كانت الثورات هي الكاشف لأزمة عميقة يعيشها المثقف، وربما كانت منعطفاً يهيل التراب على كثير من النخب.

المثقفون
هل تجد أن هذا الانقسام الكبير بين المثقفين عرباً وسوريين بخصوص الثورة السورية، أو الثورات العربية، هل تجده أمراً طبيعياً؟ كيف تفسر؟

ربما كان الأمر طبيعياً من منظور أن المثقف لم يكن يفهم الواقع بما هو ناس واقتصاد وفقر وبطالة وتهميش وانهيار ثقافي وسياسي، حيث بات التهويم “النظري” هو البديل. لهذا حين لا يفهم سبب انفجار الشعب في لحظة ما تحل الهواجس والتخيلات محل الواقع.

ولقد كانت الثورة السورية هي المفصل الذي فرض على عديد من المثقفين تغيير موقفهم من الثورات التونسية والمصرية واليمنية، حيث أصبح الأمر يتعلق بـ “الإمبريالية”، لأن النظام في سوريا كان يوضع في “المتخيل الثوري” في محور “المعاداة للإمبريالية” كون أن هناك خلافاً بين هذا النظام والإمبريالية، وكون هذا الخلاف أدى لدعم طرف مقاوم، والتحالف مع دولة هي أيضاً في خلاف مع الولايات المتحدة (إيران). ولأن “المحدِّد النظري” لهؤلاء هو الإمبريالية أصبح التحليل يقوم على أن ما يجري في سوريا هو “مؤامرة إمبريالية”، هكذا انطلاقاً من محاكمة سطحية، بالضبط لأنها لا ترى الواقع السوري، ولا تعرف معنى الإمبريالية، وبالتالي لا تتلمس بأن الاقتصاد السوري قد تلبرل خلال العقد الأخير نهائياً بما يحقق أكثر من شروط صندوق النقد الدولي. وأن نمط السلطة الحاكمة قد اصبح هو نمط مافياوي بوليسي، يقوم على سيطرة “رجال الأعمال الجدد” الذين هم من العائلة ومحازبيها. وأن الطابع الريعي هو الذي بات يهيمن على الاقتصاد ويُحتكر من قبل هذه القلة العائلية.

بالتالي فإن “وهم” الصراع ضد الإمبريالية هو الذي جعل عديد من المثقفين يظن بأنه يجب أن يدافع عن “سوريا الممانعة والمقاومة”، لكن بعد أن أصبحت محكومة بمافيا رأسمالية لم تعد المقاومة والممانعة بالنسبة لها سوى غطاء أيديولوجي لحماية ذاتها من الشعب الذي أفقر وهمّش.

لهذا يمكن القول بأن المنطق الصوري هو الذي ما زال راسخاً لدى هذه النخب المثقفة، وهي “تتعالى” على الشعب كونها نخب، فليس مهماً آلاف القتلى ومئات آلاف المعتقلين، وكل هذا التدمير للمدن والبلدات المهم هو “الممانعة” و”الصراع ضد الإمبريالية”، ليس مهماً النهب والاستبداد والتوريث العائلي للسلطة ما دامت السلطة “ممانعة”.

مع الأسف هذا أساس وعي هذه النخب، ومأساتها في الآن ذاته.

دمشق وحلب
كيف تفسر خريطة الاحتجاجات؟ لماذا هذه المدينة دون تلك؟ هذه القرية لا تلك؟ كيف تفسر تأخر دمشق وحلب في الانضمام للثورة؟

خريطة الاحتجاجات وتوسعها ربما كان “عشوائياً”، لكن لا بد من الإشارة أولاً إلى أن الواقع السوري كان يزخر بالاحتقان منذ عقود نتيجة الاستبداد السياسي، وأصبح يزخر بالاحتقان الشعبي بعد التحول الليبرالي الذي اكتمل سنة 2007، حيث أفقرت وتهمشت كتلة مجتمعية كبيرة (ربما 80% من الشعب). هذا الوضع كان يؤشر لأزمة تعيشها الطبقات الشعبية، واحتقان يتراكم نتيجة صعوبة العيش بعد أن أصبح هناك 30% (خصوصاً من الشباب) عاطلون عن العمل، وكتلة مثلها لا يكفيها أجرها المقدرة على العيش، وفئات أخرة تعاني من صعوبات مختلفة ومن الاستبداد.

الشباب الذي كان يطمح للحرية والديموقراطية وجد في الثورات العربية مدخلاً لكي يتحرّك. وهذا ما ظهر في دمشق خصوصاً وفي بعض المدن الأخرى. هذا الفعل الذي كان يمكن أن يظل محدوداً نتيجة التخوّف الذي يسكن الطبقات المفقرة، انكسر بعد تجرؤ أهل درعا على الاعتصام لتحقيق مطالب خاصة بالمنطقة (مسألة الأرض الحدودية وتحكم الأمن في بيعها وتأجيرها وخضوع ذلك للرشوة، ثم اعتقال أطفال تجاوبوا مع الثورات العربية)، حيث قررت السلطة استخدام الوحدات الخاصة والفرقة الرابعة والمواجهة بالرصاص الحي منذ اللحظة الأولى. الدم بالتالي كسر حاجز الخوف وفجّر كل حوران. نشاط الشباب المتحمس في دوما لنجدة درعا قاد إلى استخدام الرصاص الحي فتمردت دوما. هذا ما حدث في بانياس واللاذقية وحمص ودير الزور، ثم في حماة توسعاً إلى ما وصلنا إليه الآن، حيث باتت معظم سوريا في ثورة.

بالتالي أولاً كان الرصاص هو الذي يكسر حاجز الخوف، وتوسعت الثورة بشكل متتالٍ في المناطق الذي استخدم فيها الرصاص. وكان واضحاً أن التوسع الأولي (الذي كان بطيئاً) كان في مناطق ريفية وفي المدن المهمّشة. وربما كانت إشارتي إلى أن الاحتقان الاجتماعي لم يكن قد وصل حد كسر حاجز الخوف رغم البطالة والفقر (ربما للطابع الاستبدادي طويل الأمد الذي اتسمت به السلطة) هو ما يفسّر بطء توسع الثورة، وتوسعها بعد أشكال احتجاج من شباب قليل العدد ووجهت بالرصاص والقتل.

حول دمشق وحلب، ورغم أنهما قد أصبحتا في وسط الثورة، لا بد من أن نلاحظ بأن النمط الاقتصادي الريعي الذي تشكل في العقد الأخير (العقارات والسياحة والخدمات والاستيراد والبنوك) قد تمركز في هاتين المدينتين أساساً، وبالتالي فإن الكتلة التي كانت تستفيد من هذا النمط الاقتصادي الريعي تمركزت فيهما (20% من الشعب). خصوصاً التجار والفئات التي تعمل في الخدمات والتقنيات الحديثة والبنوك، وشريحة من المهندسين والمحامين والأطباء المستفيدين من هذا النمط. إضافة إلى تمركز موظفي الدولة، خصوصاً في دمشق. هذا الأمر جعل كتلة كبيرة في المدينتين تميل إلى السلطة وتدافع عنها. رغم مشاركة الأحياء الشعبية في دمشق منذ البدء، وكذلك مشاركة أطراف حلب منذ البدء.

طول الصراع الذي أفضى إلى ركود اقتصادي جعل الفئات التجارية وموظفي الدولة يبدأون بالانفكاك عن السلطة، وصولاً إلى مشاركة التجار عبر الإضراب الأخير. وهذا التحوّل فتح إلى انضمام حلب ودمشق بشكل كامل إلى الثورة.

أي ميزات تجدها في الثورة السورية إزاء نظيراتها من الثورات العربية؟
ربما تكون المقارنة هنا ظالمة نتيجة أن الثورة السورية ما زالت ممتدة بعد أكثر من سنة وشهرين بينما استمرة الثورة التونسية ما يقارب الشهر، والمصرية 18 يوماً. من هذا المنظور يمكن النظر إلى الميزات من زاوية الخبرات التي تتراكم لدى الشباب السوري الذي يخوض حرباً حقيقية ضد جيش مسلح، سلمياً في معظم الأحيان.

لقد توضح بأن الظرف التونسي المصري كان ناضجاً من حيث الاحتقان الاجتماعي، لهذا توسعت الثورة بسرعة شديدة، وهذا ما أربك النظم (والولايات المتحدة راعيتها)، وفرض السرعة في تحقيق محاولة الالتفاف على الثورة عبر تبنيها من قبل طرف سلطوي (قيادة الجيش). في سورية كانت السلطة متصلبة (أو متكلسة) وقررت خوض الصراع إلى النهاية باستخدام كل أشكال العنف والقتل. ولأن توسع الثورة كان بطيئاً ظلت قادرة على الضبط، الآن بعد شمول الثورة سوريا دخلنا في وضع جديد جعل السلطة تضعف.

هل تجد أن القضية الفلسطينية حاضرة في صلب هذه الثورات أم ماذا؟
أظن بأن القضية الفلسطينية حاضرة في الثورات العربية، فالرابط التبعي بين النظم والولايات المتحدة، ومع الدولة الصهيونية واضح لدى الشباب الذي يخوض الثورات. ربما كان الدور الإمبريالي الأميركي الصهيوني خلال العقدين الأخيرين في السيطرة على المنطقة، وتبعية سياسات النظم العربية له، قد أسس في فهم هذا الترابط. وبالتالي، وإنْ ركزت شعارات الثورة على ما هو داخلي، وبالتحديد إسقاط النظام، فإن هذا الشعار ذاته يحمل شحنة ضد الإمبريالية والدولة الصهيونية. وهو الأمر الذي جعل الشعب التونسي بعد ترحيل بن علي يرفع شعار “الشعب يريد تحرير فلسطين”، وظهر أمر مشابه في مصر واليمن وسوريا خلال الثورة.

أعتقد بأن الثورات أظهرت مسألتين مهمتين، الأولى الترابط العربي، والتفاعل بين الثورات، والثاني التعلق بفلسطين.

ما آفاق هذه الثورة؟ ما مصيرها؟ وأية مخاوف أثناءها أو بعدها؟
الآفاق الممكنة لهذه الثورة هي تحقيق التغيير العميق الذي يتضمن تحقيق مطالب الشعب، الاقتصادية والمجتمعية والديموقراطية، حيث أن الصراع جذري الآن لا إمكانية للالتفاف فيه على أن الشعب بات عاجزاً عن العيش في الوضع الذي هو فيه، والذي نتج عن نهب إمبريالي سهّلته الرأسماليات المحلية وساعدت فيه.

لا يمكن أن يتوقف صراع الشعب قبل أن نصل إلى تغيير النمط الاقتصادي الريعي الذي كما أشرنا حصر النشاط الاقتصادي في قطاعي ريعي وقلّص كل إمكانية لاستيعاب العمالة أو زيادة الأجور أو تحسين البنى التحتية أو الاهتمام بالتعليم. وهو الأمر الذي يعني تغيير الطبقة الرأسمالية المسيطرة لمصلحة الطبقات الشعبية.

لكن غياب الأحزاب التي تعبّر عن الشعب وتطرح مطالبه بعد أن تهمشت الأحزاب القائمة وهرمت، فتح مسافة سمحت بدخول أحزاب لا تعبّر عن مطالبه لكي تستفيد من الثورات للوصول إلى السلطة. إذن الفراغ السياسي فرض أن يصل الإسلاميين إلى السلطة في تونس ومصر، لكن هؤلاء لا يستطيعون اقناع الشعب بأنهم سيحققون مطالبه، وفترة حكمهم سوف تظهر ذلك. لهذا الشباب لازال في الشوارع وسيعود الشعب إلى الثورة من جديد.

المهم هنا، والضروري هو كيف سيبلور الشباب ذاته الحزب أو الأحزاب التي تحمل مطالب الشعب، وتمتلك رؤية تغييرية واضحة وإستراتيجية توصل إلى السلطة. هذا ما يتخمّر في جوف الثورات، وسيؤدي إلى تبلورات سياسية جديدة تكون قادرة على أن تحقق مطالب الشعب.

نحن في صيرورة ثورية ستوصل إلى تغيير جذري في كل البلدان العربية.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *