الحوار الأخير

الحوار الأخير
على عجالة، كتبت خاطرةً فاشلةً عن الموت من أجل أطفال الحولة المذبوحين. لكن شيئاً ما، آخر غير الفشل، كان يمنعني من إرسالها إلى النشر. لم أستطع أن أحدّد ملامح العائق هذا، فالوقت لم يكن في صالحي، ودم الشهداء لا يزال رطباً، على الأرض سائح، ولا بد من القيام بشيء ما، ولو تافه! وبينما كنت أحاول فهم ما يدور في داخلي من اضطراب غامض، خطر على بالي اسم باسل، مع أنني لا أرسل إليه عادةً خربشاتي قبل أن أنشرها. شيءٌ غريب كان يدفعني إلى أخذ رأيه في الخاطرة هذه. بالمصادفة، كان موجوداً على “السكايب” وقتها، وبالمصادفة، كان هذا قبل استشهاده بيومٍ واحد، وبالمصادفة، اكتشفتُ أنه من قام بتصوير الطفل الذي ذكرتُه في الخاطرة، ويحمل لافتةً كُتب عليها: “ذبحوا اليوم أطفال الحولة وفي الأمس أطفال العدوية. هل يكون دوري هو القادم؟!”. أكان اسم المصادفة هذه أيضاً حدس الموت؟! لا أعرف!
كل ما أذكره من تلك الحالة الغريبة، أن باسل أحب كثيراً خاتمة الخاطرة الفاشلة، وفيها تتحاور الولادة مع الموت، لينتهي الحوار على النحو الآتي: “… أرحام النساء في الحولة، كما في بيت لحم، لن تتوقف يوماً عن الرغبة في الحياة. كان يا ما كان، حتى وإن لم تنتهِ الحكاية، ستولد حكاياتٌ جديدة” (السفير 29/5/2012).

أحب باسل الخاتمة هذه، وأراد أن يرسمها “غرافيتي” على أحد جدران حمص. لذا، طلب مني أن أنشر المقال بأسرع وقت ممكن لأرسله إليه. اليوم يا باسل نُشر المقال! أتعرف متى؟ بالمصادفة، في الصباح الذي تلا استشهادك! نُشر المقال اليوم يا باسل، لكنني لم أعد قادراً على إرساله إليك… اعذرني!

الخاتمة المبتورة
أرسل إليَّ باسل أحد الأفلام التي صوّرها في حمص أيام عيد الميلاد، لكنه لم يرد أن يعرضه. أراد أن ندردش فقط. كان الفيلم رائعاً، لكن خاتمته كانت غريبة، لأن فيها نوعاً من البتر القاسي. يعرض الفيلم واقع المدينة أيام العيد، أما الخاتمة فشيءٌ آخر: باسل مع أصدقائه يحاولون عبور الشارع من أجل الذهاب إلى حي “الستين”! قبل عبور الشارع، يشرح له أحد أصدقائه الطريقة: “سنركض! سوف تغامر متكلاً على الله. وإن شاء الله، لن يصيبك مكروه، وإن شاء الله، سيُعمى على قلوب القناصة فلا يرونك، وإن شاء الله، سنستطيع أن ننتشلك إن قُتلت!”. لم أفهم خاتمة العبور الغريبة، فشرح لي: “لا أعرف. شعرت أنها (الخاتمة) مهمة بالنسبة إليَّ. هي في الحقيقة خارج سياق الفيلم كله. كان عبور الشارع تجربة في قمة الفظاعة. لم أستطع إلّا أن أضعها في الفيلم وكفى!”.

هذه كانت خاتمة الفيلم التي لم يستطع باسل أن يقاوم سحرها، وهذه كانت خاتمة حكايته. أرادَ فقط أن يعبر الطريق! فقط! أراد فقط أن يكون في “الهناك”، فقُتل لأن حكايته كانت محاولة اجتياز! واليوم، هو هناك على الضفة الأخرى، وأنا هنا أُعيد خاتمة الفيلم الحزين المبتورة، ثم أعيدها وأعيد. أهي نفسها خاتمة الخاطرة الفاشلة التي أحببتها يا باسل؟! لا أعرف!
وداعاً صديقي. الجميع يسلّم عليك هنا، حتى عظام الموتى تهدي اليك القبل.

في ذاكرة الأسماء
عندما أخبرني باسل أنه قرر العمل في حمص، قلت له: “سأضع مشاعري جانباً، لأسألك سؤالاً لا بد أن يسأله الصديق”. “ما هو؟”، قال لي باهتمام، فأجبت: “إذا حصل لك مكروه، فهل تريد أن أقول لأحدٍ ما أمراً، كنت تتمنى أن تقوله له، لكنك لم تستطع”. لم يجب باسل إلا بعد دقائق من الصمت: “لا!”. لكنني في الحقيقة، لم أكن أتوقع الجواب هذا، فأعدت عليه السؤال، ليعيد لي الجواب نفسه، ويضيف: “لا نريد مناحاتٍ!”، وضحك. سألته: “باسل، هل تحب الموت؟”، فقال باستخفاف: “الموت مريح، خصوصاً للكسالى، وأنا أحب الكسل أحياناً!”. أجبت: “لا أصدّقك”، فضحك وقال: “ارسل إليَّ ما ستكتبه عن الموت”، وأضاف: “غداً صباحاً صلِّ من أجلي، فالحياة فيها كثيرٌ من المفاجآت”.

في اليوم التالي، اتصل بي باسل ليقول: “كذبت عليك البارحة. يوجد أحدٌ أود لو أستطيع إخباره أمراً ما”. “من هو؟”، سألته بشغف ممزوج بشيء لا أعرفه، ليجيب: “أود قول أمر ما لأحدهم، لكنه يجب عليَّ عدم فعل ذلك!”. “حسناً”، عقّبتُ لأضيف: “تستطيع أن تقوله لي، ولن أخبر أحداً”. “لا لن أقول لك”، أجابني باسل. فوعدته قائلاً: “لا تقلق باسل، لن أخبر أحداً”، فأجاب على نحوٍ غامض: “خلْصِت!”. “تقصد الأزمة؟”، قلت محاولاً تلطيف الجو، فضحك ولم يجبني.
هكذا بقي الاسم غريباً، ودُفنتَ أنتَ في حمص غريباً، وأحببتَ النهايات الغريبة، وبقيتْ لنا خاتمة الحكاية غامضة. نمْ إذاً بهدوءٍ يا صديقي، واحلم لنا بوطن تعمّد من غربتك، ومن حكاياتك التي لم تعرف النهايات، فنحن هنا لم نعد قادرين على النوم. وداعاً باسل! سلّم على الأهل هناك.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *