ثمة شعور مشترك تتم مناقشته في سوريا، على الأقل في دمشق، حيث أعيش، كل المسألة تدور حول “ماذا بإمكاني أن أفعل أكثر من أجل الثورة؟”

يشعر أغلب الناس حولي بالذنب. يشعرون أنهم يستطيعون القيام بأمور كثيرة، لكن ثمة عقبات كثيرة، وأظن أننا اعتبرنا أنفسنا منشغلين بما نقوم به، أما الاستنتاج المرير هو من الأفضل أن ننهي عملا واحدا في وقته.

المهام المتعددة خطرة وتستهلك الطاقة، كما تعلّمنا أمرا واحدا من هذه الثورة، الطاقة جد مهمة يجب عنايتها والاحتفاظ بها للأيام الأسوأ.


ثمة شعور مشترك تتم مناقشته في سوريا، على الأقل في دمشق، حيث أعيش، كل المسألة تدور حول “ماذا بإمكاني أن أفعل أكثر من أجل الثورة؟”

يشعر أغلب الناس حولي بالذنب. يشعرون أنهم يستطيعون القيام بأمور كثيرة، لكن ثمة عقبات كثيرة، وأظن أننا اعتبرنا أنفسنا منشغلين بما نقوم به، أما الاستنتاج المرير هو من الأفضل أن ننهي عملا واحدا في وقته.

المهام المتعددة خطرة وتستهلك الطاقة، كما تعلّمنا أمرا واحدا من هذه الثورة، الطاقة جد مهمة يجب عنايتها والاحتفاظ بها للأيام الأسوأ.

يسيطر الشعور بالذنب على المعتقلين في غرفة الاعتقال، يسيطر على العديد من الناشطين المختبئين أو الذين أجبروا على ترك البلد لكونهم مطلوبين للأجهزة الأمنية، يحوم حول اللواتي ينمن 4 ساعات كل ليلة (أعرف العديد من الناشطات اللواتي يعشن هذه الحالة). في الواقع، يسيطر هذا الشعور علينا كلنا.

الشعور بالذنب لا يترك أرواحنا، مهما فعلنا، أو مهما كانت عدد المرات التي اعتقلنا فيها، فإننا لا نزال نشعر أنه بإمكاننا فعل أكثر من ذلك بكثير.

ماذا يمكننا أن نفعل أكثر؟ ما هي العقبات التي تمنعني من القيام بأمور أكثر؟

أستطيع الكتابة عن الثوار المذهلين الذين تركوا عائلاتهم وأولادهم ويعيشون فقط من أجل هذه الثورة، تراهم يخبرون النكات ويبتسمون في المظاهرات، منهم من اعتقل وعُذِّب، وتبقى تستمع إليهم يحدثونك عن تجربتهم في الاعتقال، وأنت تعلم أنهم يخبرونك بما لا يقارن مما عانيته. هم النشطاء المجهولون، المحرمون من الامتيازات. لا يملكون حسابا على الفايسبوك أو على التويتر، لكنهم أكثر من يلهمك ويشعرونك حقا، بالأمل.

أستطيع الكتابة عن ناشطة التقيتها في سجن عدرا، حيث تعرضت لتعذيب شديد، لا تبتسم عندما تخبرك: “يؤلمني كل جسمي” لكن عينيها تتألقان، جسدها ضعيف لكنك تعلم أنها لن تستسلم للألم. الألم الجسدي لم أختبره أبدا لم يضعف روحها الثورية، ترك لقائي بها دهشة عظيمة في نفسي.

أستطيع الكتابة عن هؤلاء الثوار اليافعين، الذين يجتمعون حول قنينة عرق يشترونها بدولارين أميركيين فيمرحون ويسكرون بعد ساعات على حديثهم عن نجاتهم من مطلقي النار في ضواحي دمشق، وكيف التقوا برجل مرح أخبرهم خلال ركضهم: “لنرى من سيصل إلى المبنى المقابل أولا” وينسى الرجل إطلاق النار الموجه صوبهم ويركز على الوصول إلى ذلك المبنى، في المرتبة الأولى، دون أي جائزة على الإطلاق، يركض فقط للوصول إلى هناك.

أستطيع الكتابة عن العلاقة بين المعتقلين ورجال الشرطة الذين يقدمون الطعام ثلاث مرات في اليوم. وكيف تبنى علاقة من الثقة بينهما مع الأيام. أستطيع أن أكتب الكثير حول هذا الموضوع لكنني لن أفعل حفاظا على سلامتهم وأمنهم.

أستطيع الكتابة عن ذلك القناص في حي دمشقي الذي يطلق النار كل يوم وفي وقت محدد ليخبر الجيران بوصوله إلى وظيفته وينذرهم بعدم الخروج. إنهم يسمونه “القناص الرحيم”.

لا أستطيع الكتابة أكثر. فهذه المدونة تخضع للمراقبة بغية حمايتي وحماية الأشخاص الذين يلهمونني يوميا.

قد نكون قد أصبنا بالتعب، وقد نكون أصبنا بقليل من الإحباط، وأنا عندما خرجت من السجن شعرت بالفراغ، فاتصلت بصديقي وطلبت منه أنني بحاجة للاستماع إليه وهو تتكلم. فتكلم فشعرت بأنني على ما يرام، هكذا، أنا على ما يرام من جديد، هذا ما أعتقده.

لدي الكثير لأقدمه، لا شيء أكثر حاليا، وهذا لأمر جيد، وإنه لأمر جيد أنك لن تعلم عن أولئك الأشخاص الرائعين، عن تلك اللحظات الجميلة، فقط اعلموا أن الأمور ليست قبيحة للغاية هنا وأن الحياة مستمرة وكذلك الأمل، دائما.

أهدي هذه التدوينة لبسمة الثوار، فابتسامتكم تصنع العجائب في عالمي.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *