يقول إعلام البعث أن الأسد أقوى على الأرض. لا شك أن الرصاصة تقتل مباشرة ً، واللافتة لا تفعل ذلك مهما حاولت. على مدى خمسة عقود، إحتل البعث “الأرض”، دون أن يترك حجرا ً على حجر فيها. هذه علة من العلل البعثية : المرء لا قيمة له فوق أرضه، حيث وُلد، ولا تحتها، حيث مات. مكانه أعلى شأنا ً منه، لأنه أداة اعتقاله أو لأنه الحطام المهدوم على رأسه.


يقول إعلام البعث أن الأسد أقوى على الأرض. لا شك أن الرصاصة تقتل مباشرة ً، واللافتة لا تفعل ذلك مهما حاولت. على مدى خمسة عقود، إحتل البعث “الأرض”، دون أن يترك حجرا ً على حجر فيها. هذه علة من العلل البعثية : المرء لا قيمة له فوق أرضه، حيث وُلد، ولا تحتها، حيث مات. مكانه أعلى شأنا ً منه، لأنه أداة اعتقاله أو لأنه الحطام المهدوم على رأسه.

تعيث ماكينات الدكتاتور خرابا ً في المكان وفق معادلة تساوي بين الإعمار والتدمير، القتل وإحياء المقتول، البقاء والمغادرة، وضمن منهج شبكاته الخطابية خارقة وفسيحة لمعقودي اللسان، أي هؤلاء الذين لا يعيشون في العمران البعثي بل هو الذي يعيش فيهم ويدافعون عنه بالقول أن الأسد “الإشتراكي” يؤمن للسوريين مدارس ومستشفيات مجانية. تأمين هذه المرافئ العامة لا يبرر قمع الحريات، أما خدماتها فلا ينجو من ضعفها و”مجانيتها” الطالب والمريض. ما أدى إلى تزاحمها مع المؤسسات الخاصة، وإستغناء المواطن عن خدماتها، أو عن علمه ومرضه.

بالعنف والإضمار، يتجلى المكان في بنية ثنائية متناقضة، يتماسك ويتقلص بين الإحتياطات اليوتوبية، دينيا ً وقوميا ً، الأشد تدقيقا ً في مجريات المجتمع والأكثر امتدادا ً في اتجاه تراتبي يستهجنه البعث ويراكم تناقضاته في خطابه المتجانس مع المكان المضمر والمحطم.

شجرة غودو والباب الذي نجا
يوم زار بشار الأسد حيّ بابا عمرو، الذي دمرته قذائف “حماة الديار”، توجه إلى المحيطين به قائلا ً أنه سيعيد بناء المنطقة أفضل مما كانت عليه في السابق. ليس غريبا ً على البعث التجوال في مكان يخربه ثم يعِد بإعماره من جديد، كي يعيد تخريبه فتشييده، إلخ. تريد السلطة البعثية من المكان أن يقبل موته، ويرضى بكوّنه مقبرة الميت، أي أن قاطنه في طريقه إلى الموت دائما ً ولا يموت أبدا ً، وهذا أكثر قساوة ً من نهاية الطريق نفسه. المكان البعثي، من ناحية معادلته العقابية، هو مكان فج، فالسوريين في طريقهم إلى الموت، منذ إنقلاب حافظ الأسد. وهو ليس بمكان، من ناحية انعدام الوصول إلى غاية، حتى لو كانت الفناء، ليرسو عليها. في هذا المعنى، يشبه شجرة غودو، لا هي ثابتة، ولا يحظى الوقت بمكانته في أرجائها، فيطرى عودها وتيبس أغصانها وتتساقط أوراقها. هذه الشجرة مثل المكان البعثي، لا جذور لها، لكن خديعة الفيء جذرت الجالسين تحتها في الوحول، آخرها وحل “المقاومة والممانعة”. لذلك الداخل إلى هذا المكان مفقود والخارج منه مولود. وفعلا ً، يولد السوريون من جديد، وتعبر قبورهم إلى خارج المقبرة، حيث تستحيل أبوابا ً يخرج الأحياء منها.

جاب الأسد في الحيّ المنكوب لتمتين حُماته من إقفال المنافذ المكانية، وإلا تدمير كل المكان إذا لم يقدروا على تيّقن أي منفذ. ما يُفسر الإبادة العمرانية التي تتعرض سورية لها، بينما النظام يوهمنا، على لسان طاغيّته، بـ”بناء المنطقة” مثلما بناها من قبل. والحال أن البعث يساوي بين البناء والخراب: المدرسة والسجن، المستشفى والمقبرة، أحزمة البؤس والشبيحة، الجامعة والجيش إلخ. أما المطار، وهو بديل عن باب لم يٌفتح بعد، ففيه ينضج “البناء” ليستحيل تأشيرة دخول إلى أحد البلدان. المكان البعثي، مثل قرينه اللبناني، مأهول بالرحيل. نتيجة ذلك، يتساوى البقاء بالمغادرة، فساكن هذا المكان، يبقى فيه ليغادر، ويغادره ليبقى فيه، كما لو أن السكن تحت شجرة غودو أو التفيّؤ بها مشروع إستشهاد متواصل، لا أهمية فيه للموت أو للبقاء على قيد الحياة، فغايته الوحيدة هي بناء المكان خرابا ً.

في طريقهم إلى الموت، لا يبحث السوريون إلا عن باب، يخرجون منه. ثورتهم تقتيش عن الأبواب الموصدة، وانحراف عن الطريق الذي عبده البعث بدمائهم. الإنحراف عنه لا وجهة محددة له. قد تكون الهجرة في أيام السلم، والإعتقال أو النزول إلى جوف المكان، الذي تتوسده الجثث باستقامة، خلال حرب البعث ضد المكان ذاته. فحين يشدد الأسد على إعادة تأهيل البنية التحتية، يعني بتشديده المقعر هذا، أن على بابا عمرو الرجوع إلى قوامه السابق، أي إلى تصاميمه المحدّبة، المخبأة لقعور ساحقة. مع الوقت، المحدّب يلامس الأجوّف، أو بالأحرى، ينقلب الحيّ رأسا ً على عقب، مثل لافتات كفرنبل المقلوبة تماما ً، التي تذكر بشعار الهيبيين المشهور:”أوّقفوا العالم، أريد أن أنزل”. والنزول إلى قعر الحيّ المدمر يعني الصعود إلى سطحه، لمعاينة الخراب عن قرب. الساكن في المكان البعثي، يُقتل ولا يموت، يغادر ويبقى، يصعد لينزل، كالبعث الذي يبني ويهدم، مساويا ً بين الفعل ونقيضه. فرغم توّسد أبنية الحيّ سطح الأرض، يقدم محافط حمص تقريرا ً إلى الأسد حول الإنتهاء من إصلاح البنى التحتية بنسبة تسعين بالمئة. مقصده واضح: ما بقيّ من الحيّ إلا الميت، أبيد مثلما شُيّد في السابق. وبقيّ منه بابين، ففي صورة ملتقطة حديثاً في حمص، نرى بابا ً مغلقا ً على الردم وآخر مفتوحا ً على مبنى نجا من القصف، وبينهما، نرى درجا ً حديديا ً، إرتفعاه المبني مُسَوَّى بدركه المدمر، والتنقل على درجاته، مثل التدرج في المكان البعثي، مجرد شلل عمراني.

خطاب القاتل الطليق في يوتوبيّته
في لبنان، نتلمس خطاب البعث، لكننا لا ننسبه إلى بعث لبناني، رغم حضوره في مقولات الأحزاب اللبنانية ومفاهيمها. نعزيه إلى البعث الأسدي حصرا ً. فلا يفارق المكان البعثي خطابه، والخطاب لا يتعدى مكانه، إلا ويصطحبه معه. الخطاب البعثي يجلب المكان معه إلى حيث يُركن إليه، ومكانه الجديد لا يختلف عن القديم كثيرا ً. عوضا ً عن التجانس اليوتوبي بين المكان والخطاب.

تتجاور المتناقضات وأقاويل التشويه الدعائي في حقل الخطاب، مثلما تجاورت، في مساحة ضيّقة، مقولة الإزالة (وليد المعلم) مع دعاية الإشتراك (الدستور). ترتبك وتصطدم الدلالات في الخطاب البعثي، فلا يسعها أن تتحاذى في ألف باء المستحيل، خصوصا ً أن البعث لم يترك من الشِعر، مكان اللقاءات المفاجئة، إلا كتمان الضرورة وانتزاع المخفي من التمثلات، التي توّزع علاماتها في خانات لا تخطر ببال أحد: تلافي الإنتفاضة بحرب “عربية-إسرائيلية”، أو تعداد “المواد الدستورية” ومقارنتها بنص يلغي المكان لأن سلطته لا ترضى إلا بالتقاطع مع “نقيض” يناسبها لأنه فزاعتها. فقدَمت لمنصب “الرئيس” وكالة طائفية تتشابه السلطات بها وتختلف فيها، وذلك كمشترك إحتياطي ومعبر إيديولوجي من “العلمانية” إلى الدين السياسي.

ينص دستور الدولة الجديد على أن “للحياة الخاصة حرمة يحميها القانون” وأن “المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا بأمر من الجهة القضائية المختصة وفي الأحوال المبنية في القانون”. هذه المادة عرضة للإنتهاك تلقائياً، عندما يمنع الأمر القضائي تمثلها خارج النص القانوني نتيجة إختلالاته التي تكرسها العلاقة المنضبطة بين مؤسسات التشريع والحكم والإجتماع. لا تغلق الدولة البعثية خطابها “الدستوري” على ما تعتبره تحديثاً، فثمة تطابق مستمر بينها وبين المكان الذي يتسلسل لكي تتمكن سلطاته من البقاء. فتصوّر كاميرا الإعلام الرسمي جامعا ً مدمرا ً، لتغمز من قناة الإخوان المسلمين، وتحذر منهم في الوقت عينه. لا تُفضح طرق استمرار التطابق المكاني إلا في حالة إنفجار المجتمع وانعدام مجاورته الناس، الذين كفلت المادة الحادية والعشرون قتلهم “في سبيل الوطن” كـ”قيمة عليا” وأوّضحت أنهم ينتمون إلى “الشهداء”. كل ضحية سلطة هو “شهيد” في مكانها اليوتوبي، ترعى المؤسسات “ذويه” بأحكام لا يمكن أن تكون إلا تحضيرا ً لـ”إستشهاد” دائم. ينفذ الخطاب إلى أقصى المكان، ويجعله منافسه في إنتاج التشابه والحفاظ عليه في نوع من التنافر والتمايز الشكلي، الحاصل بين السلطة والمكان وطبعا ً المجتمع وناسه.

تتبدى السلطة متسلسلة في تعيين أنماط التنوع الهوياتي وتحديد كيفيات التعامل معها، بالعزل والتحليل والدمج، بحسب مضامينها المجمدة في أشكالها والجاهزة للضبط في سيساتم قمعي. المعيار ذاته الذي يقوّنن اللغة يرفع السلاح في وجه المحكومين، يعاقبهم، يفصلهم عن إجتماعهم، ثم يغتالهم. لا شيء أكثر إخلاصا ً للعنف مثل النظام. هو أشبه بقاتل طليق، كل مرة يقتل فيها، تتجدد أهليته الجرمية، ما يخوّله التجاوب مع يوتوبيته التي تظهر متغيّرة كأنها ليست من كيانه ولا تستدرجه إلى ممارساته ولا تنظم إيديولوجيّته الأصولية، من لغة وقيّم وإدراكات. يوتوبيّته تعيين إنتقائي للمحكوم. تعيين يسبق اللغة، ويصير رمزا ً بقدر ما يجتاز عتبة التأويل. وتصبح اليوتوبيا البعثية أقل مدعاة للشك في وجود النظام ككتلة لا تجد نفسها معنية بخلفية نظرية ما، أو بمكان تندفع فيه وتطلق متشابهاتها داخله. وهذا لا علاقة له بالإنعتاق البورخيسي من الأحداث بالإعتماد على فوضى لا مكان لها.

يتكيّف البعث في كل مكان شرط أن يتصوّر، على وجه الدقة، كقانونه الداخلي وبناه السريّة. وفوق مساحته هذه، يعيش المحكومون في يوتوبيّته التي تنمو وتتطور وتنفرط، فيحطمها النظام ليعيد بناءها من جديد على أساس التجانس والتعنيف من ناحية، واحتكار التعاقد الإجتماعي من ناحية ثانية. فيتدارك بذلك انقطاع التلاؤم بين “المواطنين” الذين يقتربون الواحد من الآخر، كي تجد العناصر الخطابية نفسها وقد اختلطت وتوافقت، وكل واحد منها يشير إلى آخر. يتقيّد التوافق الخطابي بالمكان البعثي تدريجيا ً. ويندرج في سياق ضبط المجتمع وينتمي إلى مؤسساته أكثر مما ينتمي إلى مكوناته الأصلية التي يتوّجب عليها التشابه في سلسلة من المعايير القانونية، مقربة المؤسسة من أطرافها الأبعد والأكثر حرية.

الإختصار ثم الإنقطاع
من الأحرى، استذكار حكاية تمويل مجلة “الآخر” الأدونيسية من قبل ضابط أسدي سابق وإمبراطور تجاري، لإختصار المكان البعثي في مثل أو في فضيحة على نحو أدق. كما يبني جيش البعث المكان حطاما ً، كذلك أدونيس، “الشاعر والمفكر الكبير” في المناسبة، يستند على الصيغة البعثية نفسها في بناء “الآخر” وثقافته، التي تناولها تعليق حمصي يتهكم من أدونيس وانتهازيته بالقول أن على ضحايا البعث أن يفصلوا الدين عن الدولة قبل الموت قتلاً. الآلة الأدونيسية مثل الآلة العسكرية، أخلاق البعث مشتركة بينهما، ولإخفاء الجثث، يبنيان القبور فوقها، حتى لو كانت قبور من كلمات فقط.

منذ آذار 2011 والمكان اليوتوبي لا يكف عن الإنسحاب أمام نفسها. إذ حددت الإنتفاضة الخط الفاصل بين المركب السياسي والمكان الإجتماعي، رغم بعض التمثلات الخطابية (الطائفية) التي انقطعت عن النظام اعتباطيا ً في مجموع تشكل جزءا ً منه، كالرد على خطاب السلطة بخطاب يجانسه ويثبت فعالية نسقه المتحرك. إلا أن الرد على النقيض بفكره هو فخ نصبه النظام ليُخضع وجوده وتلاشيه وينقلب على ذاته ليتماسك أكثر في تدشينه جولات عنف جديدة ضد الناس. فلا يعكف حكم البعث عن نسف المكان إلا ويكون قد استبدل بـ”بعث” آخر، من المؤكد أن المجتمع، الذي ذاق الأمرّين، هو بغنى عنه. أولا ً، لأن التجانس المنظومي لا حد له إيديولوجيا ً ومؤسساتيا ً، وثانيا ً، لأن النظام الذي يكَفر الكاتب حمزة الكشغري مثلا ً، نتيجة تعبيره عن رأيه بكامل حريته عامة ً والتفكر نقديا ً في الدين خاصة ً، لن يقدم أنساق فريدة في بناء المكان بل سيعجّل بتآكله وخراب اجتماعه في مدى يوتوبي غير مختلف إلا بالتجريب العنفي الواضح والغامض في آن.

بعد أكثر من عام على إنتفاضة شعبية متجددة، وعلى ثورة تسقط منظومات فكرية وتعري أصحابها يوميا ً، أصبح تقويض دعائم البعث يستند على مواصلة الإطاحة بتركيبات سياسية كلية، لن تتحلل من تلقاء نفسها تبعا ً لمبدأ “التناقض الذاتي”. فالنظام يصنع التناقض أيضا ً ويعتمده في سياساته التي يجعلها مليئة بإستثناءات وإختلافات يجد فيها انساجمه وقوته، كحال “الجبهات الوطنية” وما تحتويه من أحزاب يسارية وقومجية، تبيّن أنها صنمية، أكثر سوءا ً من النظام لأنها تلخص ما تعتبره السلطة “شواذ إجتماعي” فيها، لتظهره كملاءمات غير منقطعة عن خطابها المشروط بعلاقة “محتوٍ بحاوٍ”، وهي علاقة مطلق قوي بجزء ضعيف. تنبه إليها البعض من المنتفضين عندما استبدلوا شعار “يا الله ما إلنا غيرك يا الله” بشعار “يا الله ما إلك غيرنا يا الله”، وتنبهت إليها المرأة في سورية عند إصرارها على أن ثورتها قد بدأت ضد الذكورية وتمثلاتها الثنائية في الثقافة والسياسة والإجتماع. لقد انقلبت المقاييس التماثلية في المكان اليوتوبي، والإنقطاع عن سلسلة التشابه البعثي ممكن وضروري كي يتقدم المتغيّر على الثابت، والحرية على مؤسسة “الإشتراك” بصيغته الإحتكارية. الثورة في سورية، يتيمة ومغدورة ربما، لكن ناسها سينتصرون حتى لو كانت الإحتمالات صعبة في زمن الدم.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *