تمهيد

تمهيد
في شباط من العام 2009، تقدّمت “حملة تشريع حماية النساء من العنف الأسري”[2] ا من مجلس الوزراء اللبناني بمشروع قانون يرمي إلى حماية النساء من العنف الأسري. وهو قانون لا تقتصر مواده على عقاب الجاني (أو الجانية)، فهي تشتمل على تدابير وقائية وأخرى توفّر الحماية للمرأة المعنّفة أو تتعامل مع تداعيات العنف عليها. إضافة إلى ذلك، يستهدف القانون البيئة الإنسانية والإدارية والاجتماعية ذات الصلة: فهو يتناول الهيئات الرسمية الإدارية والأمنية والقانونية والاجتماعية المعنية بالقانون ومواضيعه، ويقترح بروتوكولات لتنظيمها ويقوم بتوصيف صلاحياتها ومهام أشخاصها[3] والأسس التي تُبنى عليها برامج تدريبهم[4] كي تمسي مهيّأة للتعامل مع العنف المذكور.

وقد أقرّ مجلس الوزراء ضرورة إبرام القانون في بيانه الوزاري[5] بعد أن اضاف إليه فقرة تشترط عدم تعارض بنوده مع قوانين الأحوال الشخصية، ليُحال بعد ذلك بتاريخ 2/6/2010 إلى لجنة الإدارة والعدل في البرلمان اللبناني. ورافق المسار المذكور حملات إعلامية وإعلانية واسعة استهدفت الجمهور الأعمّ طلباً لنصرته وأخرى ترويجية مع المشرّعين إضافة إلى مظاهرات واعتصامات دعت إليها وقامت بها “حملة التشريع….” المذكورة أعلاه . وقابل هذه الحملات والتحركات أخرى مناوئة أطلقها “تجمّع اللجان النسائية للدفاع عن الأسرة”[6] مدعوماً من بعض رجال الدين، ومؤسسات دينية أهمها دار الفتوى. وقد دعت لجنة العدل النيابية الطرفَين “الحملة الوطنية…” و”تجمّع اللجان…” لنقاش مشروع القانون والملاحظات عليه.

وتَقدَّمَ “تجمُّع اللجان والجمعيات النسائية للدفاع عن الأسرة” بملاحظات حول مشروع قانون حماية المرأة من العنف الأسري إلى لجنة العدل النيابية، مُرفقة بـملاحظات حول القانون نفسه من منظورين: واحد قانوني بقلم المحامية خديجة حمادة[7]. والثاني من منظور نفس- اجتماعي، عنونَها كاتبُها ( أو كاتبتُها) المُغفل الاسم بـ”الملاحظات النفسية الاجتماعية حول اقتراح “قانون العنف الأسري” الصادرة عن “تجمع اللجان النسائية للدفاع عن الأسرة”.

هذا، وتصدّرَت هذه الملاحظات مقدّمة يشرح فيها كاتبُها منطلقاتها؛ وهذه تفترض أن الأسرة وحدة المجتمع الأساسية وأن سلامة الأفراد وصحّتهم من تضمينات صحّة الأسرة وسلامتها. كما ترى أن “العلاقة الزوجية تقوم على أساس المودّة والرحمة” … بما هما من المشاعر المحرّكة للسلوكات التي توفّر “الكثير من الراحة” لكل أفراد الأسرة. وتصف الملاحظات أيضاً وظيفة الأسرة المتمثّلة بتلبية الحاجات النفسية. ونجد تفصيلاً لهذه الحاجات دون إسناد لمصدرها، نذكر منها، مثلاً، الحاجة إلى إرضاء الكبار والآخرين وتقبّل أنماط السلطة، كما الحاجة إلى الحرية والاستقلال وتقدير الذات واحترامها. وتؤكّد مقدّمة الملاحظات، أخيراً، أن الدراسات العلمية قد أثبتت “أن معالجة مشاكل الأفراد …تكون في معالجته ضمن أسرته” لأن المعالجة خلاف ذلك غير فعّالة، بسبب كون الفرد غير منفصل عن النسق العائلي.

مقابل التأكيد على أسبقية الأسرة على أفرادها، يُحيل كاتب الملاحظات إلى المشروع الذي يحاول نقضه، أي “مشروع قانون حماية المرأة من العنف الأسري” منطلقات فكرية وخلفية نظرية أنتجَتْ، برأيه، فلسفة للأسرة ” قائمة على مبدأ المصلحة الفردية والمُغالبة بين الجنسَين، وتُظهر لنا الأفراد بصور من النزاعات والتفرّد والتهكّم وتهديد المصالح الفردية على حساب المصالح الجماعية”.

إن الحجج المسوقة في هذه الملاحظات قد لبست لبوس “العلم” لأنها كتبت تحت عنوان ملاحظات “نفسية اجتماعية”؛ لكن النظر إليها عن كثب، يجد المرء أنها تنطلق من مسلّمات وثوابت تنتمي، واقعاً، إلى طائفة المعتقدات السائدة التي لم تخضع لتجريب الاستقصاء العلمي المتعلّق بموضوع العنف ضدّ المرأة؛ هذه الحجج نجدها مبثوثة صراحة في صياغات متنوّعة في خطاب المجموعات والشخصيات، الدينية[8] خاصّة، المناوئة للمساواة الجندرية في مجتمعاتنا. ومن يتابع تعليقات أشخاض مُغفلي الهوية على موادّ صحافية ذات صلة بهذا القانون على الإنترنت[9]، يسعه استخلاص المقولات نفسها تقريباً. لكنها متضمّنة أيضاً، في محاجات النساء الناشطات في القضايا النسوية؛ هؤلاء النساء ولكونهنّ يواجهنَ مقولات الطرف المناوئ الذي يحاورْنَه ، فقد اقتضى الأمر قيامهن باستعراض هذه المقولات وتفنيدها تمهيداً لمقارعتها.

نشير إلى أن صوْغ مشروع قانون لحماية النساء من العنف الأسري كان واحداً من مهام منظّمات المجتمع المدني في أكثر من بلد عربي[10]. هذه المشاريع تشترك معاً في عناوين أبوابها ومكوّناتها وتتصف بأنها شاملة في مقاربتها لموضوع العنف الأسري؛ ما يشي بأنها تستلهم، جميعها، نموذجاً موحّداً مصدره منظمات الأمم المتحدة ذات الصلة بالموضوع[11].

اللافت أنه برغم غياب الإحصاءات الموثوقة والشاملة في بلداننا العربية، فإن المسؤولين المعنيين فيها يؤكّدون وقوع العنف ضد المرأة في إطار الأسرة ويقوم بعضهم بإسناد مدى انتشاره إلى دراسات جزئية؛ وتتخذ الجهات الرسمية في معظم البلدان العربية، (في إطار برامج تنفّذها وزارات معنية كوزارة الصحّة ووزارة الشؤون الاجتماعية)، تدابير لمعالجة تداعيات هذه الظاهرة[12]. لكن ذلك الاعتراف لم يرتقِ إلى مستوى الإقرار بضرورة التشريع القانوني للتعامل معها. ولا ضرورة للتذكير بأن التشريع لقانون ما هو مرحلة أكثر تقدّماً من الاعتراف بوجود ظاهرة ما وينطوي على استبعاد “قانون” آخر هو، في هذه الحالة، “قانون” المنظومة الجندرية البطريركية المتجذّرة والمانحة لـ”الرجل” صلاحية ملكية “المرأة” في إطار الأسرة؛ وذلك في أقلّ تقدير.

وقد لاقى سعي المنظمات غير الحكومية المعنية بمناهضة العنف ضد النساء لإقرار القانون وفي كل واحد من هذه البلدان مواجَهَة مناوئة من قبل فئات وشخصيات اجتماعية شَهَرَتْ حججاً اعتراضية مختلفة عليه. لكنّ بحثاً في فضاء الإنترنت عن ردود الفعل على السعي لاستصدار قانون يحمي النساء من العنف الأسري من قبل المنظمات المذكورة العاملة في البلدان العربية المختلفة على مناهضته… ردود الفعل هذه لم تعرف الاتساع والتطوّر والتحديد الذي نشهده في لبنان[13]. إذ ما زال أكثر ردود الفعل هذه ثابتاً في موقع دفاعي عن الدين الإسلامي بوصفه إمّا شاجباً لتعنيف المرأة أو قابلاً به طالما لم يكن “مؤذياً أذية بالغة للمرأة”. وما “يُقلق” المعترضون على القانون، في البلاد العربية كما في لبنان، هو “اختراقه أسوار ثقافتنا وانتهاكه حرمة أسرنا” الأمر الذي سيُفضي، برأيهم، إلى “انحلال هذه الأسر على منوال انحلال الأسرة الغربية”.

هكذا، فإن مناقشة ما أُثبت من حجج بمواجهة مشروع “قانون حماية النساء من العنف الأسري” في لبنان، لا تنحصر ضرورته بمحاورة الكاتب ولا “التجمّع” الذي تبنّى مقولاته؛ بل هو يندرج في إطار السعي النسوي الأعمّ العامل على تفكيك المعتقدات المبثوثة في الكلام التقليدي السائد، الثابتة مقولاته وحججه، حول موضوع “العنف ضدّ المرأة”، عامّة، وفي إطار الأسرة خاصّة. وطالما كانت الثوابت الثقافية والدينية – وفق تأويل هؤلاء- قاعدة مؤسّسة لمحاجّاتهم، فإننا نزعم أن عناصر نقاشنا، المثبتة في هذه الورقة، لن تختلف كثيراً عن نقاشات نستشرف حصولها مع تقدّم مسار المطالبة النسوية في البلدان العربية الأخرى بإقرار قانون شبيه لديها.

في ما يلي، نتناول الحجج المُثبتة في الملاحظات المذكورة، واحدة تلْو الأخرى، ووفق الترتيب الذي جاءت فيه في نصّها الأصلي.

تمييز “عنصري” أم استجابة للواقع؟
يزعم كاتب الملاحظات المناوئة لمشروع “قانون حماية المرأة من العنف الأسري”، وتحت عنوان “تعزيز التمييز العنصري والنوعي”، أنه (أي مشروع القانون) “يميّز الإناث بشكل عنصري ونوعي دون سائر افراد الأسرة، ويعزز مبدأ عدم المساوة بين الأنثى والذكر وحقهم (يقصد حقهما) من الحماية من أي ضرر”.

يفوت كاتب الملاحظات (ندعوه، في ما يلي، الكاتب) أن مشروع القانون يستجيب ، كما هي الحال لدى التشريع لأي قانون، للإلحاح الذي يفرضه الواقع. هذا الواقع يتّصف، في مسألة العنف الأسري بـ”عدم المساواة” بين الجنسين : فالنساء الراشدات، ووفق الدراسات المعنية بالعنف الممارس داخل الأسرة عندنا، يُعنَّفن بنسبة تفوق النسبة التي يعنّف بها الرجال في إطار الأسرة بدرجة فائقة. صحيح أننا نفتقر ،في لبنان، إلى الإحصاءات الشاملة[14] التي تبيّن مدى انتشار العنف داخل الأسر اللبنانية، ولا نملك رقماً موثوقاً يعيّن نسبة ضحايا التعنيف من الرجال إلى ضحايا التعنيف من النساء، لكن بعض الدراسات الجزئية تشير إلى النساء اللبنانيات اللواتي عُنّفن في فترة معيّنة من حيواتهن تتراوح بين الربع والثلث[15]، وبأن 95% من الأفراد المعنّفين داخل الأسرة هم من النساء مقابل 5% من الرجال. إلى ذلك، فإن النساء تُقتل داخل أسرهن من قبل الرجال، بنسبة 100%، تقريباً[16].

وبالعودة إلى ما قاله الكاتب من أن القانون تمييزي لأنه “يميّز الإناث” ( دون غيرهن من فئات الأسرة). نشير إلى أن إبرام قانون يستهدف فئة معيّنة لا يعني أن فئات أخرى ستكون مُستثناة من العدالة. فلو أخذنا الأطفال، مثلاً، فإن الذكور منهم ، أسوة بالإناث، مشمولون بقانون حماية الأطفال من العنف الأسري المتضمّن في “اتفاقية حقوق الطفل” التي وقّعت عليها الدولة اللبنانية في العام 1990. إن مشروع “قانون حماية المرأة من العنف الأسري”- قيد النقاش- غير معنيّ بالأطفال، لا لأنه يميّز فئة من الأسرة ( الإناث) على أخرى (الذكور)، بل لأن حمايتهم حاصلة، حكماً، في إطار تطبيقات الاتفاقية المذكورة.

إن تقديم مشروع قانون لحماية النساء من العنف الأسري لا ينطوي، كما يدّعي الكاتب، على تعزيز ” مبدأ عدم المساواة بين الأنثى والذكر” ( لصالح الأنثى). بل هو يعمل على ردم الفجوة القائمة بين النساء والرجال في مجال توفير الأمن والأمان الشخصيَين في إطار الأسرة، في حين تُخفق القوانين المرعيّة الإجراء توفير ذلك. إن اطّلاعَ كاتب الملاحظات، (أو من يحذو حذوه في الخشية من التمييز ضدّ الرجل)، على الدراسات المعنية بديناميات العلاقات بين النساء والرجال في دائرة العنف المتبادل بينهما… هذا الاطّلاع كفيلٌ بكشف تلك الفجوة. هذه الدراسات تشير إلى إن عنف النساء ضدّالرجال هو، غالباً، بمثابة ردّ فعلٍ على عنف الرجال عليهن. ونسبة النساء اللواتي يلجأن إلى العنف لردّ العنف عليهن هي ضئيلة[17] على كل حال، لأن الاستراتيجيات المستخدمة من النسبة الأكبر من النساء تتّسم بالسلبية أكثر من المواجهة العنيفة (الاستغاثة، الهروب، الانزواء والبكاء، طلب الرحمة،إلخ.).

ولا ندّعي أن النساء أقلّ عدوانية في اتجاهاتهن، بالضرورة، من الرجال؛ فهذا ادّعاء محتاج لإثبات علمي. بل إن عدم لجوء المرأة المعنّفة للعنف هو، على الأرجح ووفق دراسات غربية[18] مثلاً، استجابة تكيّفية ناجمة عن إدراكها أن اللجوء إلى العنف سيوفّر للمعنّف حجّة للتمادي في عنفه، وبموجب إدراكها أنها لا تملك القوة الجسدية الضرورية لمواجهة تداعياته التي قد تصل إلى القتل، ناهيك برغبة المرأة في تجنّب التلويم الذي ستتعرّض له والاتهامات التي ستُساق إليها إذا ما واجهت العنف بالعنف؛ الأمر الذي يجعلها، في حال اللجوء إلى العنف، خاسرة حتماً. أما في حال لجوئها إلى العنف ضدّ الرجل، فإن غالبية الرجال يملكون في مجتمعاتنا موارد مادية ومسالكاً قانونية ودعماً اجتماعياً ومعنوياً، أكثر مما تملك أغلب النساء من أجل مواجهة العنف الممارس عليهن في إطار الأسرة. ولا ضرورة للتذكير، بأن العنف الذي تمارسه المرأة ضدّ الرجل، بخلاف العنف الذي يمارسه الرجل عل المرأة، مرفوضٌ تماماً في مجتمعاتنا لدى جميع طوائفها[19] وفئاتها.

وهناك، إضافة إلى الأطفال، فئات الأخرى في الأسرة تتصف بأنها فاقدة للحيلة، كالمسنّين أو المعوّقين أوالمرضى المزمنين أوالمرضى العقليين من الجنسَين أكثرهم ملتزم المنزل وغير متاح لرقابة المجتمع إلخ. من فئات حرِجة قد تتعرّض للعنف بسبب فقدانها للامتيازات التي تتمتّع بها الفئات “السوية” من الناس. من نافل القول، إن حماية النساء من العنف لا يفترض أن العنف على فئات أخرى كالتي أتينا على ذكر بعضها، هو أمرٌ مسموح به. بل على العكس من ذلك تماماً. إن التشريع لقانون يحمي المرأة من شأنه جذب الانتباه[20] إلى هذه الفئة من الناس، (أي فاقدي الحيلة والامتيازات)، وهو بمثابة تحفيز للمعنيين من أفراد المجتمع، فرادى ومجموعات مدنية وتشريعية، للتقدّم إلى المشرّع بمشروع قانون يحمي هؤلاء من العنف المُحتمل تعرّضهم له. إن مشروع قانون يحمي المرأة من العنف الأسري يقدّم نموذجاً جاهزاً يمكن الاقتداء به لصياغة المشاريع هذه كلها.

مرجع وحيد
تحت عنوان “تشتت المرجعية العرفية للأسرة”، يزعم الكاتب أن “تداخل الصلاحيات ما بين المحاكم الشرعية والمدنية يسهم في إنشاء خلل على صعيد النظم المرجعية العرفي للفرد” … الأمر الذي يُربك الأسرة ويُرهقها “لحل نزاعاتها وهذا التشتت قد يؤدّي إلى الاستغناء عن الحقوق والانكفاء عن معالجة المشاكل بالطرق الفضلى”.

في مشروع القانون قيد الكلام، فإن الدولة ومؤسّساتها ذات الصلة هي المرجع الوحيد للمرأة المعنّفة داخل الأسرة، تماماً كما هي حال كلّ معنَّف(ة) من قِبَل اي طرف، في أية بقعة على الأراضي اللبنانية. المرجعية في مشروع القانون، في حالة العنف الممارس على المرأة في لبنان، وحيدة: هي الدولة اللبنانية.

نشير إلى أنه في غياب قانون مدني لأحوال اللبنانيين الشخصية، فإن المحاكم الشرعية والروحية هي الاستثناء لكونها مرجعاًً لأحوال اللبنانيين في المجال الشخصي. هذه الأحوال تشتمل على الزواج والطلاق والحضانة والتوريث والتبنّي والقوامة والوكالة إلخ.، ومهمّتها العمل على حلّ النزاعات الناشئة حولها؛ وذلك قائم ريثما يتمّ إبرام قانون مدني يقوم برعاية تلك الأحوال. لكن هذه المحاكم ليست مخوّلة تناوُل َموضوع العنف الذي قد يمارسه شخص في هذه العائلة على شخص آخر. فالعنف الذي تتعرّض له المرأة في داخل الأسرة ليس من الأحوال الشخصية. بل هو شأن السلطات الأمنية والقانونية المدنية التي خُوّلت إليها سلطة حماية أمن وأمان مواطنيها. والمرأة مواطِنة في هذه الجمهورية، فهي تقترع في الانتخابات النيابية والبلدية والاختيارية، إلخ من مجالس تمثيلية عامة وأخرى أهلية ومدنية ونقابية وحزبية ولها إذاً، بموجب مواطنيتها، حقوق على الدولة، فيتعيّن على هذه الدولة تحمّل مسؤوليتها تجاهها؛ وذلك يشتمل مسؤولية أمنها وأمانها أينما كانا مهدّدَين، وكائناً من كان يهدّدهما.

ولعلّ الدليل الأهم على أن مجتمعنا اللبناني قد خوّل الدولة أمن افراد الأسرة وأمانهم، والمرأة من بينهم،( أكانت زوجة أم ابنة، أم أختاً إلخ.)، هو أن محاكمة قاتل المرأة في الأسرة، مهما كانت درجة صلته بضحيته، هي مسؤولية الدولة وأجهزتها القضائية والأمنية إلخ.، لا مسؤولية المحاكم الشرعية ولا الروحية. فما هو مسوّغ استثناء العنف ضدّ المرأة في الأسرة، إذاً، من صلاحيات الدولة ورعايتها؟

مرّة ثانية نُحيل الكاتب إلى نتائج الدراسات التي أجريت عندنا أو لدى غيرنا: إن قتل النساء داخل الأسرة لا يعدو كونَه نهاية شبه حتمية لعنف عليهن مستمر ومتصاعد الوتيرة[21]. فيغدو كبح هذا العنف ضرورة لمنع ذلك القتل، وذلك في أقلّ تقدير. فإذا كانت المحاكم الروحية والشرعية لا تملك العدّة القانونية والقضائية والأمنية لمنع قتل النساء ولا لعقاب مرتكبيه، ( بعكس حال الدولة)، فما هو مسوّغ تخويلها مهمّة منع العنف عن المرأة ومعالجة تداعياته، ناهيك بعقاب مرتكبيه؟

فليطمئن “تجمّع اللجان والجمعيات من أجل الحفاظ على الأسرة”. المرجعية ، وفق مشروع القانون المقترح، ليست مشتتة. هي الدولة حصراً.

انتهاك خصوصية الأسرة
تحت عنوان “انتهاك خصوصية الأسرة وجعلها عرضة للاستغلال والانكشاف”، يرى الكاتب أن التبليغ عن العنف يُفضي إلى تدخّل “ينتهك احترام الفرد واحترام خصوصيته” وبأن ذلك الانتهاك “يتنافى مع مبادئ التربية وحقوق الإنسان وحقوق الطفل”.

الكلام عن “الإبلاغ” يأتي في هذه الملاحظة منفرداً ، فلا “يبلّغ” القارئ عن موضوع ذلك الإبلاغ. لا يخفى على القارئ النبيه إن إغفال ذكر موضوع الإبلاغ هدفه إزاحة المسألة عن بؤرتها الفعلية إلى موقع على هامشها، في محاولة لتجنّب التصدّي لها. فالمسألة ليست في الإبلاغ. المسألة هي في أن نرى إلى العنف المتمادي الممارس على المرأة داخل الأسرة هو إساءة بحق مواطِنة، أم لا والإقرار، تبعاً لذلك، بضرورة الإبلاغ عن إساءة حاصلة، أم عدم جواز الإبلاغ عنها .التبليغ هو نتيجة لتلك الإساءة، ولولا تلك الإساءة لما كان هناك إبلاغ، فلا يجوز الكلام عنه وكأنه هدفٌ وُضع لذاته وإغفال ما تسبّب به .هكذا، فإن المسؤول عن انتهاك خصوصية أفراد الأسرة ليست ضحية العنف التي بلّغت، إنما من مارس العنف المبلّغ عنه.

من جهة ثانية، إذا كان الإبلاغ عن العنف الممارس على المرأة هوانتهاك لخصوصية الأسرة … فإن الحال سيكون كذلك، بمعزل عن الجهة المبلّغ إليها: أكانت مؤسسات الدولة المعنية، أم منظّمات غير حكومية، أم المحاكم الشرعية – كما يقترح “تجمع اللجان والجمعيات…”، في توصياته التي ذيّلت هذه الملاحظات. الفرق أنه لدى الدولة مؤسسات أمنية وضوابط قانونية تعاقب المعتدي وتردعه، أم أن “التجمّع” المذكور يقترح أن يصبح لدينا ثمانية عشر جهازاً أمنياً – متناسباً مع عدد ا لطوائف اللبنانية- لاستقبال المعنّفة وتلقّي الإبلاغ ؟

إلى ذلك، فإن وجود قانون صريح، مبنيّةٌ مبرّراتُه على أسس واقعية، ومحدّدة ضوابطه وشروط اللجوء إليه، يدفع بالمبلّغة لأن تكون مسؤولة في فعل اللجوء إلى التبليغ ، ومسلّحة بحجج ملموسة وغير مختلقة، على تعنيفها. إن القانون لا يحمي المرأة، فحسب، إنما المعنّف ايضاً من الاعتباطية و”الكيدية” المُحتملة ضدّه، والتي يفترض الكاتب أن المرأة ستلجأ إليها من أجل ابتزاز الرجل.

في هذه الملاحظة، ينحاز “التجمّع” إلى الحفاظ على خصوصية الأسرة من الانتهاك. لكن المرأة فرد من هذه الأسرة، ومن بعض وظائفها، وفق الكاتب، استواؤها مصدراً لـ”الحب والأمان والرعاية لأفرادها”. فلماذا يفتر ض الكاتب أنه يتعيّن على المرأة أن تستثني نفسها من الحصول على “الحب والأمان والرعاية”، فتُحجم عن الإبلاغ عن عنفٍ لا ينتهك أمنها وسلامتها فحسب، بل ينتهك أيضاً، وظيفة الأسرة الضامنة لـ” الحب والأمن والرعاية”؟ أليس السكوت عن العنف، خوفاً على خصوصية الأسرة، تعبيراً عن ذلك الاستثناء؟ أليس هذا الاستثناء تمييزاً، فيما “التجمّع” يعلن حرصه – في الملاحظة الأولى- على ألا يكون هناك تمييز وعنصرية ضدّ أيّ من الجنسين؟

إذا كانت بعض الأسر قد أخفقت في مهمّة الحفاظ على كرامة المرأة وأمانها، كما ينبغي لها أن تفعل، فإن القانون قد وضع للقيام بهذه المهمّة، تحديداً.

التدخّل والمرجعية
تحت عنوان “خلل في صورة المرجعية الوالدية للطفل”، يرى الكاتب أن “التدخّل بالقوّة لحلّ الخلافات الأسرية يُحدث خللاً في الأدوار والقيم والمفاهيم الأسرية من جهة، وخللاً في عملية التنشئة الأسرية من جهة أخرى”. ويقوم الكاتب بتفسير هذه الفكرة فيُحيل حاجة الطفل إلى الشعور بالأمان وبالانتماء إلى وجود “مرجعية والدية حازمة، ورقابة” داخل- أسرية. هكذا، فإن التدخل من الخارج- وبحسب الكاتب دائماً- “يؤثّر على تكوين شخصيته، مما ينتج لدينا أفراداً لديهم ضعف ثقة بالنفس وبالآخرين، متمرّدين على السلطة وعلى القانون”، ومنتجاً، إذاَ، مجرمين بسبب سجن الأب أو عزله، الأمر الذي يُفضي بالطفل لأن يعيش في اسرة ” لا سلطة ولا سقف من القيم والروادع فيها”… بعد انهيار رمز تلك السلطة.

مرّة أخرى، تُغفل هذه الملاحظة أن الشخص المعني بالعقاب، وِفق قانون حماية المرأة من العنف الأسري، هو معنِّف (أو معنِّفة)؛ وهو ليس مجرّد أب – دون صفة. هو أبٌ معنِّفٌ، حتى لو جنّب الأولاد القاصرين عنفَهُ. وإذ يؤكّد الكاتب في مقدّمة ملاحظاته أن الفرد إنما هو نتاج الديناميات التي تحكم الأسرة، فهو لا يلبث أن يُهمل واقعة أن العنف ضدّ المرأة في إطار هذه الأسرة من بعض تعبيرات هذه الدينامية، وبأنه ( اي العنف)، وتبعاً لذلك، ذو أثر سلبي على التنشئة الاجتماعية لأفرادها.

وفي حين تقوم الأسرة السويّة بحلّ خلافاتها في إطار الأسرة سلمياً ودون عنف، فإن العنف ضدّ المرأة يمثّل عارضاً من عوارض الأسرة غير السوّية، وبيّنة على خلل في أسرة تفتقد التعبيرات الملموسة عن مشاعر “المودّة والرحمة” التي ينبغي أن تصف علاقات بعض افرادها بالبعض الآخر، بحسب منطلقات كاتب الملاحظات.

لا بأس من التذكير، في هذا المقام، بواقعة بديهية: إن القانون لا يسوّغ للتدخّل بالقوّة لحلّ الخلافات الأسرية في أسَرٍ سويّة تعالج خلافاتها دون اللجوء إلى تعنيف بعض افرادها، المرأة خاصّة؛ فالخلافات ليست سبباً للتدخّل. يتم ّ التدخّل، استناداً إلى القانون، لـمنع العنف والإساءة عن المرأة داخل الأسرة، في حال اللجوء إلى ذلك العنف كوسيلة لحلّ النزاعات، أو غير ذلك من الأسباب.

التدخّل لا يُحدث خللاً في عملية التنشئة الأسرية التي يمارس أحد أفرادها عنفاً على الآخرين: فالخلل حاصلٌ، بالضرورة، والعنف من بعض علائمه ومسبّباته.

صوغ سياسة “الوالدَين” التربوية
وفق المقدمة النفس – اجتماعية لهذه الملاحظات، يحتاج الطفل إلى الشعور بالانتماء والأمان، وحيث أن المرجعية الوالدية هي مصدر رئيسي لهما من خلال “السياسة التربوية والرقابية التي يضعها الوالدان داخل الأسرة”. ماذا إذا كانت هذه “السياسة التربوية والرقابية” قائمة على التعنيف المتمادي والمؤذي للأطفال؟ يبدو لنا أن الكاتب يجعل الأب، لكونه اباً بيولوجياً هو، بالضرورة ( أو بالغريزة؟) قادرٌ على لعب دور المربي ّ المنتهج لـ”سياسة تربوية ورقابية” سويّة.

الملفت أن بعض الجمعيات المنضوية في إطار “تجمّع اللجان النسائية للدفاع عن الأسرة” تنتمي إلى تحالف باسم “التجمّع من أجل المرأة والطفل”، والذي من بعض نشاطاته المشاركة في أعمال “مكتب إصلاح ذات البيْن ” في المحكمة الشرعية السنّية. هؤلاء على تماسٍ مباشر مع الأسر التي تشهد عنفاً متمادياً في العلاقات بين أفرادها؛ وهي، إذاً، الأكثر صلاحية على إطلاق حكم على عدم أهلية هؤلاء الوالدَين لصوغ “سياسة تربوية ورقابية” سويّة!

نعود إلى المرأة المعنية بالقانون قيد النقاش لنتساءل: هل إن المرأة الراشدة، أزوجة كانت أم ابنة أم أماً أم قريبة من أية درجة، مشمولة بهذه “السياسة التربوية والرقابية”؟( والتي قد تشتمل على التعنيف بكلّ أشكاله)؛ فإذا كانت الزوجة، مثلاً، قد وضعت هذه السياسة ( الكاتب يتكلّم عن الوالدَين واضعَي السياسة)، فهل يعقل أن تكون قد شملت نفسها بهذه ” السياسة” التي قد تستهدف أمنها وسلامتها؟ وإذا لم تشترك في وضع هذه السياسة العنيفة ضدها، ألا تحتاج إلى دعم القانون كي يدعمها بمواجهة سياسة تربوية ورقابية جائرة بحقها؟

التماهي مع السلطة
يرى الكاتب أن وجود مرجعية أبوية يفضي إلى “الشعور بالانتماء والأمان”، ويؤسس لتماهٍ سويّ. هكذا، فإن قانوناً يمسّ هذه المرجعية عبر جعله المجتمع، ممثّلاً بالدولة، رقيباً على المعنّف داخل الأسرة يضرّ بعملية تماهي الطفل بالسلطة الوالدية. فيما عدم الإبلاغ عن العنف وعدم تدخّل الدولة يُفضي إلى تكوين “شخصية سليمة وإلى ثقة بالذات وبالآخرين وغير متمرّدة على السلطة والقانون” .

كيف يكون القبول بالعنف الممارس على النساء والسكوت عنه سبيلاً إلى منع التمرّد على السلطة المجتمعية، فيما يصبح التدخّل لمنع العنف باعثاً على التمرّد عليها؟

الإجابة، وفق الملاحظات متضمنة في ما يلي: “إذا تمّ “حبس” الأب/ الزوج المعنّف أو عزله ( كما هو مُقترح في مشروع القانون في بعض الحالات التي تكون فيها حياة المرأة والأطفال مهددة)، فإن الطفل يرى في “حبس” الأب غياباً للسلطة، وغياباً للأمن والأمان… وانهياراً لرموزها ما يفضي إلى تحوّله إلى مجرم إلخ.”

والفكرة المتضمّنة في هذه النتيجة هي أن سلطة الأب، حتى إذا تمثّلت بعنفٍ متمادٍ داخل الأسرة، يسعها أن تكون ضامنة لمشاعر “الأمان والانتماء” المفضية إلى “نمو سليم” للطفل.

والحال، أن الدراسات النفس اجتماعية تبيّن أن السلطة الوالدية لا يسعها أن تكون “مرجعية حازمة” إذا كانت عنيفة عل نحو متمادٍ. إن العنف المتمادي يسعه أن يكون سلطة رادعة طالما كان وكيلها/ المعنّف حاضراً “جسدياً”، ويتم التمرّد على قواعد تلك السلطة، فور غياب المعنّف/ وكيلها. أي أن قواعد هذه السلطة لا تُستدخل في نفسية الطفل، فتفقد، إذاً، سلطتها الرقابية الذاتية. إن استدخال القواعد المجتمعية الحميدة تفترض سلطة حميدة وحامية، فيما تنتج السلطة الوالدية العنيفة شخصية، توافَقَ علماء النفس الاجتماعيون على دعوتها بالشخصية التسلطية [22]authoritarian personality. هذه الشخصية تتصف بأنها خاضعة وخانعة ومطيعة للمعنّفين، لكنها متمرّدة وعنيفة على الناس الأضعف الذين يسعها تعنيفهم .أي أن هذه الشخصية “تتماهى بالمعتدي” وتعيد إنتاج العنف، الذي تعرّضت له، حين يُتاح لها “كبش فداء” ( المرأة غير المحميّة من العنف) يسمح لها بذلك.

وعلى العكس من ادّعاء الكاتب، نحن نزعم بأن مشروع القانون مرشّح لأن يتيح لهؤلاء المعنّفين (من الأطفال) نموذجاً لسلطة حميدة، غير عنفية وحامية من تعسّف المعنّفين داخل الأسرة، فيُسهم في منع “توارث” العنف في أجيال الأسرة بوصفه وسيلة لحلّ الخلافات وأسلوباً لتنشئة الأطفال الاجتماعية فيها.

منظومة الحقوق والواجبات
تقول الملاحظات: يمثّل القانون “تدخّل خارجي بـالقوة( التشديد لنا) لوضع حدّ بين علاقات الدم الأسرية” (التشديد هنا هو أيضاً لنا). وكما هي الحال في بعض ما سبق، لا يقدّم الكاتب صفة للقوّة التي يتكلّم عنها، لتبدو وكأنها القوة المذكورة ذات صفة عنفية. كما أنه يقدّم ذلك التدخّل دون تعيين الظروف التي تسمح له بذلك التدخّل، فيما القوة هي قوة القانون الرادعة والمعاقِبة. أليست هذه من بعض وظائف القانون؟ والقانون، كما هو واقع الحال، لا يتدخّل “لوضع حدّ” للعلاقات السليمة بين أفراد تربطهم علاقات الدم الأسرية، إنما لحماية طرف يُمارَس عليه عنف، أي “لوضع حدّ” لعلاقات غير سليمة في إطار الأسرة، وبين أشخاص تربط بعضهم بالبعض الآخر “روابط الدم”، إياها.

وتماماً كما يفترض الكاتب أن الأب – مُطلَق أب- هو حامٍ ومصدر سلطة ذات نفوذ تربوي حميد، فإن كلامه ينطوي على افتراض أن روابط الدم ضامنة أكيدة لحسن العلاقات وسلامتها؛ وكأن ممارسة العنف بين الأشخاص ذوي الصلة بالدم ليس دليلاً كافياً على وجود خلل يعتري تلك العلاقات، وكأن العنف ليس تعبيراً عن “عدم الاحترام للحقوق والواجبات ومظهر اساسي من عدم احترام أفراد الأسرة بعضهم للبعض الآخر”…. إلخ من السمات المذكورة في التقديم على أنها من سمات الأسرة السليمة.

هكذا، ترفع “روابط الدم” حجّة في وجه الإحجام عن التدخّل من خارج هذه الأسر من أجل رفع الأذى عن الأشخاص المتضرّرين فيها. إن هذا الكلام يستفظع أن تكون العلاقات بين الناس الذين تربطهم “روابط الدم” موضوعاً للتدخّل. وذلك تبعاً لتصوّرات لما ينبغي لهذه العلاقات أن تكون.

لكن ما يفوت الكاتب أن الواقع- الواقع الذي دوّنت مجرياته دراسات ميدانية ومشاهدات وشهادات إلخ.- والتي تكشف جميعها ممارسة العنف داخل الأسرة وبين أشخاص تربطهم روابط الدم- لا يتناسب مع هذه التصوّرات. فهل نجعل “روابط الدم” سبباً لإعفاء الناس من المحاسبة والعقاب لأن تصوّراتنا لـ”روابط الدم” تجعل العلاقات بين أشخاصها مثالية، وبالضرورة، غير عنفية؟

المجتمع اللبناني قال كلمته في هذا المجال: أن قاتل قريبته بالدم لا يُعفى من العقاب[23]. إن عدم إفلات قاتل قريبته بالدم من العقاب يوفّر نموذجاً للاتجاهات حيال معنّف امرأة تصله بها “روابط الدم”. الفرق بين الاثنين هو كمّي وليس نوعياً. الإثنان، إذاً، وجب أن ينالا العقاب المُستحق.

الأمن الأسري
يزعم “تجمّع اللجان والجمعيات النسائية… “، بلسان كاتب الملاحظات من منظور نفس- اجتماعي، أن تدخّل السلطة اللبنانية (بموجب أحكام القانون قيد النقاش)، وسجنها للرجل ( أو إبعاده) “سوف يُنتج… خللاً في الأمن الأسري .. وخللاً في أمن الأسرة المعيشي” وذلك، لأن الزوج هو مُعيل هذه الأسرة. يُسقط النصّ صفة هذا الزوج الذي سوف”يُحبس” ، أي كونه مذنباً / معنّفاً، ليبدو للقار ئ وكأن القانون سيسوّغ لـ”حبس” كلّ الأزواج!

لكن ما يقوله الكاتب صحيح؛ فالأسرة، ولدى سجن مُعيلها المعنّف أو إبعاده، سوف تعاني من اضطراب في أمنها الاقتصادي. في هذا السياق، يتعيّن على مجتمعنا اللبناني أن يختار بين أمرَين:

فهو إن اختار حماية المرأة من العنف المُمارَس عليها داخل الأسرة، وحين يكلّف ذلك حرمان الأسرة من معيلها المعنِّف، عليه أن يؤمّن دعماً مالياً للأسرة/ المرأة. وذلك بمصادرة أموال المعنّف نفسه، إذا كان مقتدراً مالياً. أما إذا كان غير مقتدر مالياً، فإن مهمّة إعالة أسرة الزوج المعنّف ، تُزاح في حال سجنه أو إبعاده عن الأسرة، إلى المجتمع ومؤسسات الدولة المعنية – وزارة الشؤون الاجتماعية، وزارة العدل، المنظمات والجمعيات الأهلية المعنية، إلخ.

أما إذا اختار عدم معاقبة المعنّف بسبب كونه المُعيل الحصري للأسرة، فهو يرسل إلى المعنّفين وإلى المعنَّفات رسالة مفادها: إن ضرورات البقاء، أي تحصيل المأكل والمسكن والملبس والطبابة والتعليم للأسرة وللمرأة ثمنه سكوت المرأة عن العنف الممارس عليها، وتحمّل تَبِعات ذلك من تشجيع للمعنّف على المضيّ قُدُماً في تعنيفه.

الطفل وحقوقه
في سعيه لإبراز تناقض بنود قانون حماية المرأة من العنف الأسري، يُبرز الكاتب مواداً من اتفاقية حقوق الطفل يراها مخالفة لأحكام قانون حماية المرأة من العنف الأسري؛ وهذه تتمحور حول فكرتَين أساسيتَين: (1) إعلاء مصالح الطفل[24] على مصالح الآخرين (2) السعي لعدم فصل الولد عن والدَيه وتوفير شروط اشتراكهما معاً في تربيته.

ثم يتبع استعراض هذه المواد السؤال التالي: “أين هي معايير مصلحة الطفل الفُضلى حين يجنح أحد الطرفَين ( يقصد المرأة/ الأم) بـتغيير شكل الأسرة والانتقام من الآخر باستخدام الطفل كوسائل وأسلحة للنزاع؟”.

المُغفل في هذا السؤال هو أن مشروع حماية المرأة من العنف الأسري معنيّ بمصلحة الأسرة التي تعنّف فيها المرأة، وبأنه غير معنيّ بأسرة خالية من العنف المتمادي على المرأة. فالدراسات في موضوع العنف ضدّ المرأة في الدائرة الأسرية، تبيّن أن العنف يطال، في أغلب الأحيان، الأطفال من المعنّف نفسه[25]. هكذا، فإن القانون لا يحمي المرأة فحسب، إنما يحمي الأطفال ايضاً، وغايته توفير بيئة خالية من العنف تحفظ المصالح الفضلى للجميع، والأطفال ضمناً.

وينطوي السؤال في هذه الملاحظة على كون الوالد مؤهّلاً، برغم كونه معنّفاً لزوجته، لتحمّل مسؤولية المشاركة في تربية الأطفال. إن القاعدة النفس- اجتماعية الحاملة لهذا الافتراض تنطلق من مسلّمة أن الأب هو دائماً (بحكم أبوّته البيولوجية؟) صالح للتربية. لكن الدراسات النفس- اجتماعية[26] تشير إلى أن الأفراد المعنّفين قد تمّت تنشئتهم في أسرٍ كان العنف فيها وسيلة مقبولة لحلّ الخلافات بين افرادها، وبين الزوج وزوجته ضمناً. إن الوالد العنيف يقدّم لأولاده مثالاً يُحتذى، فيصبح العنف بالنسبة لهؤلاء وسيلة مقبولة لحلّ النزاعات، ما يسمح بتوارث العنف لدى الأجيال المتعاقبة وتطبيعه لديهم؛ هذا التوارث لن يتوقّف إذا لم يتدخّل المجتمع بتدبيرٍ صاعقٍ لوقفه. القانون المقترح هو ذلك “التدبير”.

يتضمّن السؤال المذكور، أيضاً، فكرة تُفترض بداهة صحتها، ومفادها أن القضاء يسمح باستخدام الأطفال وسيلة / سلاحاً انتقامياً للنزاع ( بين الزوجة وزوجها المعنّف). قد تكون الفكرة استخدام الأطفال فرضية مقبولة منطقياً، وقد تقدّم لتبرير صحّتها أقصوصات واقعية. لكن، هل يتصوّر كاتب الملاحظات التي تقدّم بها “تجمّع اللجان…” أن المشرّع أو المنفّذ للقانون غافلٌ عن هذه الإمكانية؟ إذا كانت مهمّة المؤسسة القانونية إحقاق العدالة بين الناس، نساء ورجالاً، فهل سيعصى على الأشخاص المؤتمنين على هذه المؤسسة استحداث ضوابط قانونية تواجه احتمال لجوء المرأة إلى ذلك “الاستخدام” الانتقامي ( ضدّ الأب) والتدميري ( للأسرة)؟

وفي السؤال نفسه، ولمرّة إضافية، تلوَّم الضحية بحجّة أن شكواها سبّبت تغيير شكل الأسرة، وتغفل، في الوقت نفسه، مسؤولية الجلاد الذي خرّب مضمون وظائف الأسرة ( الموقع الذي يختبر فيه المرء “الأمان والحماية والمودة والرحمة”) مسبّباً، بذلك التخريب، تغيير شكلها. النتيجة ( الشكوى)، بحسب الكاتب، تتقدّم في مسؤوليتها عن السبب الذي سوّغ لها ( التعنيف).

إن قانوناً شاملاً يحمي المرأة من العنف الأسري ، والذي يأخذ تنفيذه منحىً وقائياً وداعماً وتأهيلياً إلخ… لا عقابياً فقط، متضافراً مع التضمينات القانونية والأمنية والاجتماعية لاتفاقية حقوق الطفل، كفيلاً بتقديم المساعدة للوالدَين من أجل الحفاظ على تماسك الأسرة، وتوفير الشروط التي تسمح بأفضلية إيلاء مسؤولية الأطفال إلى الوالدَين.

فصل الأطفال عن ذويهم
تحت عنوان “التناقض مع مطالب وملاحظات اللجنة الدولية لاتفاقية حقوق الطفل الخاصّة” -الأمم المتحدة (المؤتمنة على مواكبة سير تطبيق الاتفاقية في البلدان الموقِّعة على هذه الاتفاقية) ، وجميعها يعبّر عن “قلق” اللجنة لإيداع أطفال لبنانيين في أعداد كبيرة في مؤسسات رعائية وإبعادهم عن والدَيهم لأسباب تتعلّق بمشاكل اقتصادية واجتماعية يعاني منها هؤلاء. هذه الملاحظات تدعو السلطات اللبنانية لاتخاذ تدابير فعّالة من أجل الحدّ من تلك الظاهرة ومن أجل تجنيب الأطفال فصلهم عن ذويهم؛ وذلك عبر توفير الدعم للأهل في المجالات المختلفة والعمل على معالجة الأسباب المُفضية إلى هذاالفصل.

في هذه النقطة محاولة لرصد “التناقض” الحاصل بين مشروع القانون وبين ملاحظات اللجنة االمذكورة لدى نقاش تقرير الاتفاقية، الذي يظهر، برأي “التجمع” في هذه الجملة: ” ضمان عدم فصل الطفل عن أبويه غصباً عنه، … إلا إذا كان هذا الفصل ضرورياً “.

السؤال المطروح: هل إن مشروع القانون يسمح بـ”فصل الطفل عن أبويه” تعسّفاً، أم أن الفصل يأتي متناسباً مع “مصلحة الطفل”، لامصلحة المرأة المعنّفة حصراً؟ ألا تشتمل أدوار القضاء معاينة الموضوع المطروح عليه بشمولية تسمح لأحكامه بأن تُنصف المرأة وأن تؤمّن المصلحة الفضلى للأطفال، في الوقت نفسه؟

“السمعة” الأثيرة
يزعم الكاتب أن “في هذا القانون يصبح الفرد بسمعته ومعرّضاً للفضيحة” وموضوعاً لتداول الأخبار الشخصية عنه .. الأمر الذي يطال حياته الشخصية والمهنية إلخ.

لا يخفى على أحد أن الخوف على السمعة العائلية والفردية هو العائق الرئيسي أمام لجوء المرأة المعنّفة إلى التبليغ عنه. ويقدّر الباحثون في موضوع العنف ضدّ المرأة أن التبليغ عن وقوع العنف ضمن الأسرة هو أقلّ بكثير من تواتر حدوثه. لكن ما تغفله هذه الملاحظة هو تضمينات هذا القانون على المعنّف نفسه: إن وجود القانون يجعل الخوف على السمعة العائلية والفردية المذكورَين يشمل المعنِّف أيضاً ويُفضي، بالضرورة، إلى ردْعه.

فمشروع القانون في هذه الحالة، كما هي حال كلّ قانون، يقوم مقام ردع المعنِّف لأنه يضاعف من درجة احتمال التبليغ، ويقلل من احتمال تفادي العقاب المستحق. أي، أن القانون مرشّح لأن يلعب، في هذه الحالة، دوراً “تربوياً” عبر دفع المعنّف، تحت وطأة الخوف من الفضيحة، للكفّ عن استخدام العنف استراتيجية حلّ للمشاكل العالقة بينه وبين المرأة المعنّفة . والقانون يحثّ المعنَّف، من حيث المبدأ، على البحث عن سُبُل بديلة لحلّ تلك المشاكل، لا تهدد سمعته “الأثيرة “؛ وذلك في مجتمعنا العربي- حيث أن “سمعة الشخص مِن كرامته واحترامه ومكانته الاجتماعية”، كما جاء في الملاحظات.

في هذا السياق نطرح على الكاتب، وعلى كلّ الذين يتبنّون موقعه، السؤال التالي: هل يتعيّن على مجتمعنا اللبناني مساعدة المعنّف على اكتساب سمعة ناصعة لا يستحقها؟ أليس أجدى بنا، وأكثر انسجاماً مع المعايير الأخلاقية التي نتغنّى بها، أن يتمّ ردع المعنِّف عبر تهديده بسمعته وعبر تسهيل التبليغ عن عنفه التي يضمنها مشروع القانون؟

إن التهديد بالتشهير بالمعنِّف سيكون، على الأرجح، وانسجاماً مع الخوف على السمعة ذات القيمة الكبيرة في مجتمعنا، حاثاً فعالاً على تعديل سلوكه العنفي.

العنف في إطار الأسرة…وإلا!
وفق منطق الكاتب المزدوج القطب، فإن تجريم العنف داخل الأسرة يعني، بالضرورة، أن العنف خارجه مسموح! فيكون الاستنتاج الأوّل هو التالي: إن قانوناً يحمي المرأة من العنف الأسري من شأنه تشجيع الرجل “على استهوان العلاقات غير الشرعية لعدم وجود ضوابط ومحاسبة”. أما الاستنتاج المبني على هذا الاستنتاج فهو التالي: ” التفلّت من أي قيْد في الارتباط يعرّض الطرفَين للمساءلة” …أي، وكما جاء في عنوان الملاحظة “تشجيع العلاقات غير الشرعية”.

تتضمّن هذه الفقرة فكرة مفادها أن الرجل “محتاج” للتعنيف؛ لذا، فإن وجودَ قانونٍ لحماية المرأة من العنف الأسري يجعل الرجال عازفين عن الارتباط ( بالزواج)؛ وذلك لأن وجودهم في إطار الزواج الشرعي/ الأسرة، بحسب ملاحظات “التجمّع”، يمنع عنهم هذه الممارسة ( التي لا يسع الرجل الاستغناء عنها؟). ينطوي منطق الكاتب على افتراض عدوانية ملازمة لجنس الذكور، فيكون حرمانهم من ممارستها في إطار الأسرة رادعاً عن الزواج/ الارتباط الشرعي. لذا فهم سوف يلجؤون- تقول الملاحظات- إلى إقامة علاقات غير شرعية تسمح لهم بممارسة عنفهم دون عقاب.

لعلّ “التجمّع” يطالب بأن يجرّم القانون الرجال المعنّفين للنساء خارج رباط الزوجية، أي في إطار المساكنة والمصاحبة، وربما أيضاً النساء بائعات الجنس، فلا يشعر الرجل أن بقاءه خارج رباط الزوجية الشرعية امتيازٌ يسمح له بممارسة العنف دون عقاب. وهو مطلب متحقّق، واقعاً، لأن عقاب الأشخاص ( رجالاً أو نساء) الذين يمارسون عنفاً خارج أسرهم مكفولٌ في قانون العقوبات اللبناني.

لا ضرورة للقول إن هذه الملاحظة هي تمييزية ضدّالرجل؛ فهي تصوّره وكأنه عنيف “بالفطرة”، ومحتاج للبحث عن مجال يتيح له تفعيل عنفه، فإن حُرِم من تفعيل هذا العنف في إطار أسرته الشرعية، فهو مضطر لتفعيله في مجال آخر “غير شرعي”.

الزواج والعزوبة والقضية السكانية
يخشى الكاتب من أن تداعيات هذا القانون ستكون تأخّر في سن الزواج وارتفاع نسبة العزوبة المؤديَين إلى تغير في حجم وهرم الأعمار . هذه الملاحظة تحيل ظاهرة واقعية إلى مفاعيل قانون لم يصدر بعد:

إن الظواهر التي جرى تعدادها في هذه الفقرة من الحجج المرفوعة في وجه مشروع قانون حماية المرأة من العنف الأسري- وهي اعتكاف الشباب عن الزواج، ارتفاع نسبة العزوبة، انخفاض نسبة المواليد، تغيّر حجم السكان وطبيعة هرم الأعمار- كل هذه الظواهر صحيحة وتميّز المجتمعات المعاصرة، ولبنان من بينها. فالإحصاءات المتعاقبة والصادرة عن “المديرية العامة للإحصاء المركزي” تشير، فعلاً، إلى مسار في الاتجاهات المذكورة في موضوع السكان. لكن “التجمّع” يحيل إلى قانون ( لم يصدر بعد) قوّة عظيمة تفوق قدرتها على التأثير في هرم الأعمار التطوّر الحاصل في المجتمعات المعاصرة، والذي أحدثته جملة متشابكة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية إلخ المتراكمة عبر العقود، بل ربما القرون، الماضية.

إن الخلل المنطقي الكبير الذي يعتور هذه الملاحظة تجعل نقاشها نافلاً. إذ، ماذا يمكن قوله لكاتب يطمح بإقناع القارئ بحجّة قوامها أن مسبّّبات ظاهرة معيّنة هي، واقعاً، لاحقة لما بعد شيوع تلك الظاهرة ؟

مواجهة القانون والحجج البائسة
في نظرة إجمالية على الحيثيات التي تحمل ” أبرز الملاحظات النفسية- الاجتماعية حول اقتراح “قانون (حماية المرأة من) العنف الأسري”، ولدى التأمّل في الأسلوب الذي توسّله كاتبها بالنيابة عن “تجمع اللجان والجمعيات النسائية للدفاع عن الأسرة”، تواجِهُ القارئ مسائل ذات صلة بـالمنطق الحامل للحجج التي يسوقها هذا الكاتب بمواجهة القانون. هذه المسائل التي برزت في تفاصيل قراءتنا نعود فنلخّصها في ما يلي:

– الإغفال التامّ لذكر صفة المعنيين بالقانون. نقصد المعنِّفين من الرجال ( ومن النساء أيضاً) في إطار الأسرة. لقد تمّ تناول بنود القانون وكأن كلّ الناس وكلّ الأسر معنيّة بأحكامه، لا المعنّفين منهم فقط، ليبدو القانون وكأنه مشروع تعدٍّ على الأسرة وعلى أفرادها من قِبَلِ مناصرين للنساء “مُغرضين”، ولتبدو معه حماية النساء من عنفٍ مُحتملٍ عليهم في الأسرة وكأنه تعدٍّ على وظيفتها. وينتج عن ذلك الميل لإغفال عنف الرجل المسبّب لردود فعل المرأة، (الشكوى، مثلاً) وإبراز ردود فعل المرأة عليه، لتبدو وكأنها هي المسبِّبة لتداعيات العنف على الأسرة.

– تغليب التصوّر الذي يحمله الكاتب ( و”تجمّع اللجان…” المتبنّي لحججه) لما ينبغي للأسرة أن تكون وفق توصيف مثالي لوظيفتها على واقع الأسرة المعاصرة. إن هذا التغليب يعمى تماماً عمّا تبيّنه الدراسات الميدانية، وعن الاختبارات الثمينة للمنمظمات غير الحكومية التي تستقبل النساء المعنّفات داخل أسرهن، وعمّا يرشح في الإعلام لواقع لبعض الأسر اللبنانية، وعن الأقصوصات والروايات التي شهدناها جميعاً في دراسات الحالات الشخصية- المكتوبة[27] والمرويّة[28] والمصوّرة [29]- التي تبرّعت نساء شجاعات بالتبليغ عنها. بل جاءت حججه مبنيّة على تصوّرات وعلى مسلّمات ومبادئ عامّة، فلا نقع فيها على ما يشير إلى أنه يتوسّل في صياغتها وقائعَ ملموسة؛ وذلك، برغم معاينته لذلك الواقع ، كما تبيّن الاقتراحات التي كُتبت في آخر النصّ، والاعتراف بالخلل الحاصل في بعض هذه الأسر .

– ميل صريح لإعلاء مصلحة الطفل والرجل وإهمال مصلحة المرأة، بالرغم من الادعاء بضرورة عدم التمييز ضدّ أيٍ من أفراد الأسرة. بل نجد أحياناً سوءَ ظنٍّ بنوايا المرأة[30]، فيُعزى إليها ميلٌ لاستخدام أحكام القانون

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *