طريقة استعمار النيوليبرالية للنسوية، وسبل المواجهة

نشر في‫:‬الثلثاء, ايار 29, 2018 - 21:57
مسيرة SlutWalk في لوس أنجلوس- كاليفورنيا (Mike Nelson/EPA)
الكاتب/ة: كاثرين روتنبرغ.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ مصطفى شلش      
المصدر‫:‬      

فجأة، يريد الجميع إدعاء النسوية. من مديرة عمليات شركة فيسبوك شيريل ساندبرج إلى إيفانكا ترامب، هناك عدد غير مسبوق من النساء البارزات بالشركات اللواتي يعلنّ بصورة واضحة أنهن نسويات. على ما يبدو، استعمر السوق الموضوعات النسوية.

في الواقع، لم يعد اللقب -الهوية- كنسوية مصدراً للفخر فحسب، بل أصبح أيضاً بمثابة رأس مال ثقافي لنجوم هوليوود والمشاهير من الموسيقيين على حد السواء، لدرجة أن كلمة "فيمنست ـ نسوية" الجديدة قد أغرقت وسائل الإعلام السائدة والاجتماعية. ميجان ماركل، الأميرة النسوية الجديدة في المملكة المتحدة، هي أحدث مثال على ذلك في قائمة طويلة للغاية. وليس بالغريب أن يقع اختيار قاموس مريام ويبستر على كلمة "نسوية" لتكون الكلمة الرسمية لعام ٢٠١٧.

ومن ثم، فإن الحركة من أجل المساواة بين الجنسين تتشابك بشكل متزايد مع النيوليبرالية، فالنيوليبرالية هي التي حشدت للنسوية لدفع الأهداف السياسية وتعزيز القيمة السوقية. ومع ذلك، في الوقت نفسه، اكتسبت النسوية طابعا شعبيا مختلفا بشكل غير متوقع. ففي أعقاب انتخاب ترامب وعودة التمييز الجنسي الوقح في المجال العام، ظهرت موجة جديدة من الراديكالية النسوية الشاملة في المشهد السياسي، وهو مشهد يحاول تجاوز التعريف البسيط لتسهيل التغيير الاجتماعي.

إن عودة الاحتجاج والتعبئة النسوية على نطاق واسع، مثل مسيرة النساء -حراك نسوي كبير حدث في العام 2017- وحركة #MeToo، بمثابة رد مهم من أجل صعود أفكار مُتحررة غير مُعادية للنسوية.

النسوية النيوليبرالية 

إذا كيف يمكن أن نفهم الصحوة النسوية المعاصرة بمظاهرها المختلفة والمتضاربة؟

من بداية نصف العقد الماضي، شهدنا ظهور نوع غريب من النسوية، لا سيما في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وهي البديل الذي لم يحد عن المُثل الاجتماعية مثل المساواة والحقوق والعدالة. أُسمي هذه الحركة بالنسوية النيوليبرالية، أنها تعترف بعدم المساواة بين الجنسين (تميّز نفسها عن حركات ما بعد النسوية، التي تُركز على تمكين النساء واختيارهن الفردي، ومع ذلك ترفض الحركة النسوية) بينما تنكر في الوقت نفسه أن البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تشكل حياتنا.

هذا هو بالضبط نوع النسوية الذي يُعْلَم مستندًا إلى بيانات الأكثر مبيعًا، مثل كتاب "لين إن" لـ شيريل ساندبرج، حيث تُفسَّر النساء على أنهن متقلبات المزاج تمامًا، ومُنضبطات ذاتيًا، ورائدات أعمال.

نعم، قد تقر الحركة النسوية النيوليبرالية بفجوة الأجور بين الجنسين والتحرش الجنسي كدليل على استمرار عدم المساواة. لكن الحلول التي تقترحها تستبعد إلى الافقار البنيوي والاقتصادي من هذه الظواهر. إن الطرح النسوي النيوليبرالي يحث النساء على قبول المسؤولية الكاملة عن رفاهيتهن ورعاية أنفسهم بشكل ذاتي. في نهاية المطاف، توجه- النسوية النيوليبرالية- خطابها إلى الشرائح العليا والمتوسطة من الطبقة الوسطى، مما يؤدي إلى استبعاد الغالبية العظمى من النساء من وجهة النظر هذه. ولأنه يتم إعلانها ضمن حسابات السوق، فإن -النسوية النيوليبرالية غير مهتمة بالعدالة الاجتماعية أو التعبئة الجماهيرية.

ومع صعود النسوية النيوليبرالية، التي تشجع النساء على التركيز بشكل فردي على أنفسهن وتطلعاتهن، يمكن بسهولة أن يتم نشر النسوية وتعميمها وبيعها في السوق. هذا لأنها تتواءم ، بسلاسة تامة مع الرأسمالية النيوليبرالية. هذه النسوية هي أيضًا إقصائية بلا خجل، حيث يشمل عنوانها فقط ما يُسمى بالنساء الطموحات. وبفعلها هذا، فإنها تحقق امتيازات البيض وعلى أساس طبقي والمعياريين على أساس الغيرية الجنسية، فهي لا تخدم فقط الأجندات النيوليبرالية ولكن أيضا المحافظين الجدد.

لا يوجد شيء جدير بالاهتمام بهذه النسوية التي لا تهدد القوى المهيمنة.

تهديد النسوية

ومع ذلك، فإن أي رد فعل غير متوقع قد يشكل تهديدًا. ولأن الحركة النسوية النيوليبرالية قد سهلت على نطاق واسع الرؤية الواضحة وتبني مفهوم "النسوية"، فقد مهدت في الوقت نفسه الطريق لحركة نسوية مناضلة. تُشجع هذه الحركة على التعبئة الجماهيرية من أجل تحدي ليس فقط السياسات التميزية التي ينتهجها ترامب، بل أيضاً الأجندة النيوليبرالية المهيمنة بشكل متزايد، والتي تضع الأرباح فوق الإنسان.

ومن الواضح أن بعض البنى التحتية للدعوات النسوية المعارضة الأخيرة موجودة بالفعل. دعونا لا ننسى أن #MeToo برزت في البداية كحركة شعبية قادتها الناشطة الأمريكية من أصل أفريقي تارانا بورك منذ عقد من الزمن وأنها تأتي في أعقاب تحركات أخرى ، مثل SlutWalk، الحركة العابرة للحدود والتي نظمت احتجاجات في جميع أنحاء العالم ضد الاغتصاب وما يصاحبه من ثقافة إلقاء اللوم على الضحية.

ومع ذلك، استطاعت #MeToo أن تحظى بمثل هذا الزخم على نطاق واسع في هذه اللحظة بالذات من التاريخ - حيث كان انتخاب ترامب وسياساته بمثابة أحد المحفزات الرئيسية - وأصبحت الحركة النسوية بالفعل مرغوبة ومفضلة لدى ساندبرج وبيونسيه وإيما واتسون، على سبيل المثال لا الحصر.

السؤال المُلح الآن هو كيف يمكننا المحافظة على الصحوة النسوية الجماعية وتوسيعها كمقاومة، بينما نرفض منطق النسوية النيوليبرالية. كيف يمكننا الحفاظ على النسوية كتهديد للقوى العديدة التي تستمر في قمع واستبعاد وحظر فئات كاملة من المجتمع؟

#MeToo قامت بعمل تثقيفي مهم. ففي أحسن الأحوال، كشفت كيف أن فكرة الحق الذكوري متشعبة في ثقافتنا. في نهاية المطاف، على الرغم من هذا، لن يكفي ذلك. حيث لا يُعتبر الفضح كافيًا لضمان تغيير منظم.

لكن هناك حركات نسوية أخرى ظهرت في السنوات القليلة الماضية. مثل feminism for the 99%. التي ساعدت في تنظيم إضراب النساء الدولي، وهي ليست سوى مثلا واحدا.

تُوسع هذه الحركات إطار المفاهيم الجندرية الفردية بشكل كبير، وتوضح وتعترض على مجموعة كبيرة من أوجه عدم المساواة التي تواجها النساء والأقليات والسكان ذي الأوضاع الهشة بشكل عام.

تُطالب الحركات النسوية بتحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية أساسية -جذرية- ، وبالتالي تخلق رؤى بديلة وكذلك أملا للمستقبل. وبالنظر إلى المستقبل القاتم حاليًا الذي ينتظره عدد متزايد من الناس في جميع أنحاء العالم، فإن هذا هو بالضبط نوع النسوية المهدِدة التي نحتاجها.

--

* نشر النص باللغة الانكليزية في موقع the conversation بتاريخ 23 أيار/مايو 2018