هيمنة النيوليبرالية

نشر في‫:‬الأحد, ايار 13, 2018 - 10:11
تصوير ألفارو هيريرا
الكاتب/ة: سهى عودة.

وأنا أقرأ كتابا للكاتبة الأمريكية من أصل صيني، ييون لي، امتلأت شاشات التلفزة بجلسة استجواب مؤسس موقع التواصل الاجتماعي الشهير "فيس بوك" مارك زكربرغ في الكونغرس الأمريكي. سأل أحد أعضاء الكونغرس زكربرغ عن صحة قيام الموقع بتزويد حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ببيانات المستخدمين بناء على طلب مسبق منها وهو السؤال الذي تقف عنده نزاهة الشركة من عدمها. أجاب حينها زكربرغ بكل خبث بأن الشركة تقوم بتزويد البيانات طالما يشارك بها المستخدمين، وعلى المستخدمين عدم إرسال المشاركات إذا لم يرغبوا بذلك!

تروي الكاتبة عن تجربتها مع الاكتئاب ومحاولاتها المتكررة للانتحار بكل صدق وشفافية. تقتبس الكاتبة من روايات وبيوغرافيا كُتّاب لهم ذات التجارب وتشارك القُراء بعض الذكريات خصوصا تلك التي حدثت في الصين. تستطرد الكاتبة في الحديث عن أهم الأحداث التي مرت بها أثناء إقامتها في الصين؛ كالعيش في المجمعات السكنية النموذجية في الصين الشيوعية، فضلا عن قسوة النظام الضريبي إذ كانوا ومن شدة تدني الدخل الفردي يضطر سكان الحي جمع الأموال لكي يتمكن أحدهم من شراء جوارب جديدة، كذلك اضطرارها لاستخدام الهاتف الخاص بالمجمع السكني وبذلك تصبح عرضة لتنصت مديرة السكن عليها، وصولا إلى انضمامها للخدمة العسكرية الالزامية في سن الثامنة عشرة حيث كان يتم تخييرها بين كتابة خطابات لرئيسة الشعبة التي تتبعها أو أن تنظف مراعي الخنازير.

تتحدث الكاتبة أيضا عن احتجاجات ميدان تيانانمن والتي خرج فيها الآلاف من طلبة الجامعات مطالبين بالديمقراطية وحرية الصحافة وإسقاط الشيوعية، حينها سقط العديد من الضحايا جراء قمع الجيش الشعبي الصيني واستخدامهم للسلاح الحي.

تزخر المكتبات بالمصنفات الأدبية التي تختصر أشخاص وتجارب في أحداث سياسية ويتم استغلالها من قبل المؤسسة للتأثير على الرأي العام ورسم صور نمطية في الأذهان عن أنظمة منها الشيوعية. بيوغرافيا ييون لي ليست سوى واحدة من آلاف المصنفات التي لولا أنها تضمنت أحداثا عن الشيوعية من منظور سلبي أو كانت تخدم أجندة حكومة الولايات المتحدة بشكل أو بآخر لما رأت النور. لعل لي تعي ذلك خاصة أنها تحدثت عن حفل عشاء حيث أصر القائمون عليه أن تقرأ فيه مقتبسات من كتابها اللاسياسي بالصينية.  

تتفاخر النيوليبرالية بأنها نصيرة الجماعات المضطهدة وترفع شعار المساواة وتكافؤ الفرص وأن العمل الجاد والمثابرة هو أساس النجاح وليس التفاوت في الدخل بسبب جشع أصحاب العمل، الميراث، التمييز المؤسساتي ضد الفئات على أساس اللون كالعبودية والجندر والأصل، بحسب أبحاث أجرتها وزارة العمل الأمريكية. تتجاهل النيوليبرالية الأسباب الحقيقية للمشاكل التي تعاني منها الجماعات المضطهدة، فالسبب في انتشار الفقر بين الجماعات المضطهدة السود واللاتينيين، مثلا هو عدم العمل بجد وليس العنصرية ومضاعفاتها! لكنها، في الوقت عينه، تظهر بمظهر تقدمي يقدس الحريات الفردية. توهم النيوليبرالية الجماهير بأن العنصرية والكراهية هي حكر على الأحزاب اليمينية المحافظة بينما تعمل جاهدة على محو أي ارتباط بين الرأسمالية والعنصرية والتمييز على أساس الجندر والدين. 

تنكر النيوليبرالية أي اتهام بالعنصرية خارج حدود الأقاليم حيث تسيطر، بالرغم من كونها المحرك الأساسي للحروب وما ينتج عنها من سقوط الملايين من القتلى والجرحى وتطهير عرقي وثقافي وتدمير مقدرات شعوب وبنى تحتية. كما تنكر النيوليبرالية الدور الذي تلعبه في انتشار الفقر بأنها تحرم العمال من الأجور العادلة التي تغطي الحاجات الأساسية ولا توفر لهم الضمان صحي. وتنكر النيوليبرالية أنها المسؤولة الأولى والأخيرة عن التلوث البيئي والاحتباس الحراري. كذلك تنكر أنها تشجع الحكومات القمعية الحليفة بينما تبرم معها صفقات أسلحة وحماية بأرقام خيالية. 

بروباغندا النيوليبرالية ليست أقل خطورة من أي بروباغندا لنظام قمعي، ذلك أنها تتسلل إلى أي حيز كرواية رومانسية بسيطة يُخيّل للقارئ أنها أبعد ما تكون عن السياسة أو إلى إعلان تجاري لشركة تمويل في بلد أفريقي يظهر فيه طفل دون سن العاشرة يتحدث عن مشروعه الخاص لإعارة الدراجات وتلي المقابلة معه شعارا عنصريا مقيتا يستخدم دائما ضد ذوي البشرة السوداء وينعتهم بالكسل كـ "نجعل الاعتماد على الغير اعتمادا على النفس". 

النيوليبرالية تتبع الرأسمالية وليس مبادئ المساواة وحقوق الانسان والديمقراطية. التنوع الثقافي والمساواة بين الجنسين وأمور أخرى كثيرة يتم دراسة جدواها قبل القبول بها من باب سياسة تكافؤ الفرص والمساواة. بحيث لا يتم تعيين أي شخص ينتمي لأقلية إثنية أو عرقية أو لمجموعة تعاني الاضطهاد إلا إذا كانت هناك جدوى سياسية أو اقتصادية.

النيوليبرالية ليست حرية مطلقة، كما يزعم الليبراليون، والجمهوريون وإلا فما امتلأت السجون بالمدينين للبنوك وشركات التمويل ومصادرة المساكن الوحيدة التي تأويهم. النيوليبرالية ليست ممارسة أي نشاط تجاري بلا قيود وإلا ما قدمت حكومات على شراء بيانات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي وخرق الحق في السرية والحق في الأمان والحق في التعبير والحق في تبني رأي سياسي. النيوليبرالية ومنتجاتها ليست حرية.