قصة كاوه الحداد والنوروز

نشر في‫:‬الثلثاء, اذار 20, 2018 - 20:37
قصيدة النوروز | ku.wikipedia.org/wiki/Newroz
الكاتب/ة: مارك كامبل.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

منذ زمن بعيد، بين نهري الفرات ودجلة التي تسمى بلاد ما بين النهرين. في أعلى بلدة صغيرة ممتدة إلى جانب جبال زاغروس، كان هناك قلعة صخرية ضخمة ذات أبراج عالية وجدران داكنة مرتفعة.

بنيت القلعة بين صخور الجبال. وصنعت بوابات القلعة من خشب شجر الأرز، نحت عليها أشكال المحاربين المجنّحين. عاش داخل القلعة ملكا آشوريا قاسيا اسمه ضحاك. روّع جنوده كل سكان الأرض الذين كانوا يعيشون بسلام قبل أن يحكم ضحاك بلاد ما بين النهرين.

كان الملوك السابقون جيدين ولطفاء، شجعوا الناس على ري الأراضي والحفاظ على خصوبة حقولهم. أكلوا طعاما يتكون فقط من الخبز والأعشاب والفواكه والمكسرات. في عهد الملك جمشيد، بدأت تسوء الأحوال. إذ ظن أنه أعلى من آلهة الشمس، وبدأ يسيء إلى شعبه. وقد استغلت الفرصة روح تدعى أهريمان الشرير للسيطرة.

وقد اختار أهريمان ضحاك لتولي العرش، الذي قتل بعد ذلك جمشيد وقطعه إلى قسمين. الروح الشريرة، التي تنكرت بهيئة طباخ، كانت تغذي ضحاك بالدماء ولحوم الحيوانات، وفي أحد الأيام أشاد ضحاك بأطباق اللحم، فشكره وطلب منه تقبيل كتفي الملك. وعندما فعل ذلك لمع ضوء قوي وظهر ثعبانان أسودان من كتفيه. فارتعب ضحاك وحاول بكل قوته التخلص منه. فأخفى أهريمان الشرير نفسه مرة أخرى، هذه المرة بهيئة طبيب الذي أخبر ضحاك أنه لن يتمكن أبدا من تخليص نفسه من الثعبانين، وأنهما عندما يجوعان سيشعر ضحاك بألم فظيع، الذي لن يخف إلا عندما يتغذيان من أدمغة الأطفال والفتيات. لذلك، وبدءا من ذلك اليوم المشؤوم، يتم اختيار طفلين من المدن والقرى التي تقع تحت القلعة. فيقتلان ويؤخذ دماغهما إلى بوابات القلعة ويتم وضعهما في دلو خشبي كبير مصنوع من خشب الجوز مثبت بثلاثة أشرطة رفيعة من الذهب. فيرفع الدلو من حارسين قويين اللذين يأخذان الأدمغة إلى ضحاك الشرير لتغذية الثعبانين الجائعين.

منذ بدأ الملك الأفعى حكمه على المملكة، توقفت الشمس عن السطوع. فذبلت محاصيل المزارعين وأشجارهم وزهورهم. وماتت نبتة البطيخ العملاقة التي زرعت هناك لعدة قرون مضت. وقد غادرت طيور الطاووس والحجل التي كانت تتبختر حول أشجار الرمان العملاقة. كما هاجرت النسور التي كانت ترتطم بالرياح الجبلية. وغرقت البلاد بالظلمة والبرد والكآبة. وشعر الناس في جميع أنحاء الأرض بحزن شديد. وبات الجميع خائفا من ضحاك. فغنوا أغنيات حزينة ومؤلمة تعبر عن آلامهم ومحنتهم. كان يمكن سماع صوت المزمار الخشبي الطويل دائما في كل أنحاء الأودية. وقد عاش تحت قلعة الملك حداد يصنع حدوات الأحصنة البرية الشهيرة في بلاد ما بين النهرين بالإضافة إلى الأواني والمقالي لأهل المدينة. كان اسمه كاوه. وقد أضعفه وزوجته الحزن والكراهية لأن ضحاك أخذ 16 ولدا من أصل 17.

في كل يوم، كان كاوه يشعر بحماوة الفرن، فيضرب بمطرقته على السندان ويحلم بالتخلص من الملك الشرير. وبينما كان يضرب المعدن الأحمر الملتهب، بقوة متزايدة أكثر فأكثر، تتطاير الشرارات الحمراء والصفراء في السماء كالألعاب النارية التي كان يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة. في أحد الأيام، جاء أمر من القلعة يقضي بقتل ابنة كاوه الأخيرة وبالتالي سيأخذون دماغها إلى بوابة القلعة في اليوم التالي. فجلس كاوه طوال الليل على سطح منزله تحت النجوم والأشعة الساطعة للقمر الساطع البراق يفكر بكيفية إنقاذ ابنته الأخيرة من ثعباني ضحاك. فجأة لمعت في رأسه فكرة كشهب في السماء. في صباح اليوم التالي، امتطى حصانه، وسحب عربة الحديد الثقيلة ببطء مع دلاءين معدنيين عليها. وصعد بالعربة فوق الطريق المرصوف بالحصى والشديدة الانحدار، فوصل إلى القلعة. وأفرغ بعصبية محتويات الدلاءين في الدلو الخشبي الكبير عند بوابات القلعة الضخمة. وبينما كان يهم بالرحيل، سمع أن البوابات تُفتَح، ترتج وتصرّ.

فنظر خلفه مرة أخيرة وأسرع بالرحيل. رفع الحارسان الدلو ببطء وحملاه إلى القلعة. وأخذا الأدمغة ليأكلها الثعبانان اللذان نميا على كتفي ضحاك. عندما وصل كاوه إلى منزله وجد زوجته راكعة أمام حطب مشتعل. فركع ورفع برفق عباءة مخملية كبيرة. كانت ابنتهم تحت العباءة. أزاح شعرها الأسود الكثيف والطويل بيديه عن وجهها وقبّل خدها الدافئ. بدلا من التضحية بابنته، ضحى كاوه بخروف وضع دماغه في الدلو الخشبي. لم يلاحظ أحد. سرعان ما عرف كل سكان القرية بذلك. فعندما طلب منهم ضحاك التضحية بأطفالهم، فعلوا كلهم نفس الشيء. وبذلك، تم إنقاذ مئات الأطفال. ثم ذهب جميع الأطفال الناجين، تحت جناح الظلام، إلى أقصى وأبعد الجبال، حيث لا يجدهم أحد. هناك، في أمان جبال زاغروس العالية، كبر الأطفال بكل حرية.

تعلموا البقاء على قيد الحياة بأنفسهم، تعلموا ركوب الخيول البرية والصيد والغناء والرقص. وتعلموا من كاوه القتال. في يوم قريب، سيعودون إلى وطنهم وينقذون شعبهم من الملك المستبد. مر الوقت وبات جيش كاوه على استعداد لبدء هجومه على القلعة. على الطريق مروا بالبلدات والقرى. كانت كلاب القرى تبنح فيخرج أهلها من منازلهم للهتاف ومنحهم الخبز والماء واللبن والزيتون. وعندما اقترب كاوه وأطفاله من قلعة ضحاك، ترك الرجال والنساء حقولهم وانضموا إليهم. وعند اقترابهم أكثر من القلعة تزايد جيش كاوه، فوصل عددهم إلى آلاف. عندما وصلوا إلى خارج القلعة استداروا صوب كاوه. كان كاوه واقفا على صخرة. كان يرتدي درعا حديديا من صنعه ومطرقة في يده. التفت وواجه القلعة ورفع مطرقته نحو بواباتها. لحقه الحشد الكبير وحطموا بوابات القلعة التي تشبه المحاربين المجنحين وبسرعة تغلبوا على رجال ضحاك.

اتجه كاوه مباشرة صوب غرف ضحاك، الواقعة عند أسفل الدرج الحجري المتعرج، وبمطرقته قتل الملك وقطع رأسه. فتلاشى الثعبانان. ثم صعد إلى قمة الجبل فوق القلعة وأشعل نارا ضخمة ليخبر جميع سكان بلاد ما بين النهرين أنهم باتوا أحرارا. وسرعان ما اشتعلت مئات الحرائق في جميع أنحاء الأرض لنشر الرسالة، فاقتربت النيران العالية من السماء المظلمة، وأضاءتها وطهرت الهواء من رائحة ضحاك وأفعاله الشريرة. فهلك الظلام. ومع انبلاج ضوء الفجر، أطلت الشمس من خلف الغيوم الداكنة وأدفأت الأرض الجبلية من جديد. بدأت الأزهار تتفتح ببطء ونبتت براعم أشجار التين.

بدأ البطيخ بالنمو، كما كان لقرون خلت. عادت النسور تطير فوق الرياح الدافئة بين القمم الجبلية. ونفخت الطواويس ريشها الجميل الملتمع تحت أشعة شمس الربيع الحارة. وجالت الخيول البرية بأعرافها السوداء الطويلة في السهول الترابية المسطحة. وحط الحجل فوق فروع أشجار الإجاص وزقزق. وأكل الأطفال التين المحشو بالجوز وفاحت رائحة الخبز الطازج الخارجة من الأفران الحجرية، أوصلها نسيم لطيف إلى أنوفهم. واضطرمت النار أكثر فأكثر، وغنى الناس ورقصوا مشكّلين دوائرا، فأمسكوا بأكتاف بعضهم البعض ورقصوا على إيقاع المزمار والطبل.

وغنت النساء اللواتي ارتدين الأثواب الزاهية والملونة أغاني الحب، ورد عليهن الرجال في وقت كانوا يرقصون حول اللهب كتلة واحدة. كان بعض الشباب يدورون حول المزمار، ينتشون من صوت الموسيقى، تمتد أذرعهم كأجنحة النسور المرتفعة في السماء. إلى يومنا هذا، وفي بداية فصل الربيع، 21 آذار/مارس يحتفل الكورد والفرس والأفغان وغيرهم من أبناء الشرق الأوسط بالقفز عبر النيران وتذكر كيف حرر كاوه شعبه من الاستبداد والظلم ويرحبون بالسنة الجديدة. يدعى هذا اليوم نوروز أو اليوم الجديد. وهو واحد من الاحتفالات الشعبية التي نجت من الاحتفالات الدينية المهيمنة. على الرغم من احتفال العديد من الشعوب به، إلا أن العيد له رمزيته الخاصة عند الكورد لأنه يشكل بداية التقويم الكوردي، ولأنهم يحتفلون خلاله بنضالهم الطويل من أجل الحرية.

* نشر النص باللغة الانكليزية بتاريخ 20 آذار/مارس عام 2016 في موقع ROAR الالكتروني.