أصولية الفكر النيوليبرالي

نشر في‫:‬الأحد, اذار 18, 2018 - 19:16
الملصق من هنا: flickr.com/people/manybits/
الكاتب/ة: مصطفى شلش.

النيوليبرالية لا يمكن حصرها في تعريف لكن يمكننا الإشارة إليها باعتبارها نظرية في ممارسات الإقتصاد السياسي تفترض أن أفضل وسيلة لتعزيز سعادة الإنسان ورخائه تكمن في إطلاق حريات الفرد من حيث القيام بمشاريعه الخاصة ضمن إطار مؤسساتي يضمن حرية الملكية وحرية السوق ويسمح بالتجارة الحرة. وبدأت هذه النظرية تدخل حيز التنفيذ الفعلي كسياسة نقدية في العام 1979 بتولي "بول فولكر" كرسي الإحتياط الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي)، وصعدت في العام نفسه مارجريت تاتشر في بريطانيا لسدة الحكم وعلى جدول أعمالها تقليص دور النقابات العمالية ومحاربة التضخم، وفي العام 1980 وصل رونالد ريغان لرئاسة البيت الأبيض متفقًا مع نفس أهداف تاتشر فيما يخص تقليل التضخم دون النظر لنتائج المترتبة عليه كزيادة البطالة. وبدأت هذه السياسات بالانتشار والتوسع الإقتصادي معتمدة على إنتاج المعلومات وتحرير الأسواق بكل الطرق الممكنة خصوصًا لتطويق الأنظمة الشيوعية التي قد بدأت في مراحل الإنهيار.

على كل حال، تستخدم النيوليبرالية كتوصيف للحقبة الحالية التي يعيشها العالم، وهي مصطلح إشكالي يحمل في طياته دلالة سلبية عن إيديولوجية تنمو الآن في الشرق الأوسط، فالظروف السياسية لمرحلة "ما بعد الربيع العربي" ارتأت أن تدعم هذا الفكر، وتعتمد عليه الأنظمة في المنطقة العربية بسبب تعدد أوجهه في الهيمنة والتشعب في الخطاب الاجتماعي والسياسي والديني، وهذا يساعد على إقصاء العديد من التيارات - تحديدًا تيارات الاسلام السياسي-  التي شكلت خطرا على الأنظمة الحاكمة وخصوصًا في الخليج العربي. 

لذا صار من اللازم الاعتماد على خطاب "أصولي" جديد يقدم الفردانية والشوفينية القومية في ثوب جديد مدجج بالتقدم التكنولوجي والرفاه الوهمي. مستفيدًا من تعثر الثورات واستنفاد آليات الخطاب الديني الأصولي وفشله في تقديم أي بدائل منطقية للحكم، وصعود نجم اليمين واليمين المتطرف في مراكز صنع القرار الدولي في كل من أوروبا وأمريكا.

وهذا ما اقتضى إعادة قراءة نقدية لنيوليبرالية من زاوية فكرية بوصفها "أصولية" جديدة في الشرق تعتمد على الشق الإقتصادي لما تحدثه من تفكيك لهوية المواطن العربي وإعادة إنتاجها بشكل سائل على حد وصف عالم الاجتماع زيجمونت باومان، عبر إقصاء قضايا الإنسان العربي المهمة مثل القضية الفلسطينية، وإطلاق العنان للخوف من التغيير واستبدال المصطلحات والخلط بينها مثل الحرية والفوضى، العدالة والإرهاب، الثورة والحرب الأهلية. ليفقد الإنسان مركزيته حول مبادئه الشخصية، سواء المكتسبة من الدين أو من الطبيعة لينتقل متمركزًا حول آليات الربح والاستكبار وثنائية القوى والضعف.

أصولية النيوليبرالية

لكي يمكن وصف أي فكر بأنه أصولي يجب أن يحتوي هذا الفكر على عاملين رئيسيين هما: الإطلاق، وإستراتيجية الهيمنة. 

يتطرق العامل الأول إلى تنزيه الفكر المتبع لتنفيذ هذه السياسات وإعادة أي خطأ متبع لطريقة التنفيذ لا إلى النظرية نفسها. وكمثال، إذا فشلت دولة كالأرجنتين وأفقر شعبها بسبب قوانين صندوق النقد، أحد أهم المؤسسات التي تعبر عن السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، سيكون التبرير أن الشعب الأرجنتيني هو المخطئ في تنفيذ الإجراءات وليس إجحاف القرارات الاقتصادية لصندوق النقد.

بينما العامل الثاني - الهيمنة وهي المسؤولة عن قراءة الأزمات المجتمعية ووضع تصور لحلها، عبر تتبع الفرص الإصلاحية المفترضة أمام المتحكمين في هذا المجتمع.

وفي حالة النيوليبرالية يتوفر الشرطين لاعتبارها أصولية جديدة تواجهنا في الشرق الأوسط حاليًا عبر فرض ما أسماه "هاينريش شيفر" إعادة التسييس الجوهري للمجتمع بطريقة مموهة، حيث يعلن الساسة العرب الجدد عن إعادة تحديث المجتمعات العربية، وذلك عبر العصف بقضايا المواطن العربي التي شكلت وجدانه والتي بقت بدون حل منذ بداية حركة الاستقلال من الاستعمار إلى الآن.

ويقسم بيتر إيفانز ووليام سويل النيوليبرالية إلى أربعة أوجه تنقسم كالتالي: النيوليبرالية كنظرية اقتصادية، النيوليبرالية كأيديولوجية سياسية، النيوليبرالية كبارادايم للسياسات، والنيوليبرالية كمخيلة اجتماعية.

وهذه الأوجه المتعددة التي سنشرحها تباعًا تجعلنا نحكم بأصولية الفكر النيوليبرالي فهي تمنح الفكرة القدرة على التمدد والسيطرة وإعادة تكوين هوية الفرد العربي عبر دخولها في جميع مناحي حياته.

ولكن وإن كان كل من الأصولية الدينية والأصولية النيوليبرالية متعادلين من حيث الأسس والأهداف ولكنهما مختلفين من حيث رؤية العالم، فوفق منهج ماكس فيبر يجب التفريق بين الأصولية الدينية التي تنحى للهروب من العالم بتخيل عالم الآخرة، في حين تنحى الأصولية النيوليبرالية للسيطرة على هذا العالم منذ سقوط الإتحاد السوفياتي وإقصاء جميع الأفكار الأخرى وجعلها مجرد نقد وحواشي فكرية لتحليل الظاهرة النيوليبرالية.

أصولية المثقف النيوليبرالي

سنصل لآليات عمل الفكر النيوليبرالي على هوية الفرد من خلال ملاحظة التغييرات التي تطرأ على المثقف العربي المنتهج لهذا الفكر. فنجد أن المثقف العربي النيوليبرالي يقدم فكرته باعتبارها "مطلقا ثقافيا" لا بديل له وليس باعتبارها مذهبا أو معتقدا فكريا ضمن العديد من المذاهب والأفكار. وهذا ما يجعله يتشابه مع الأصولي الديني وفكرة الفرقة الناجية دون أن يشعر، وخصوصًا أن دلالات خطابه النيوليبرالي هي بالضرورة تريد إخراج الدين من مناحي الحياة المختلفة. فكمثال نجد النيوليبرالي "سيار الجميل" في مقالة له بعنوان "الليبرالية القديمة والليبرالية الجديدة" يصف "الليبرالية كحصيلة نهائية لكل ما تعلمه الإنسان عبر قرون". ولا ينسى سيار الجميل الدفاع عن أفكاره بلغة استعلائية حيث يعتبر سيار أن جهل أي عربي وكرهه الأعمى للولايات المتحدة هو ما يجعله يوجه أي نقد للنيوليبرالية، وهذا لأن النيوليبرالية في نظره هي نتاج الفكر الأمريكي وممارساته. ولا يهتم كاتبنا على حد تعبير الطيب بوعزة إن كان نشر هذا الفكر يتم عبر قوى غاشمة تركب على ظهور الدبابات والطائرات بدون طيار.

وليس سيار الجميل مثالا وحيدا، ولكن أيضًا حصر الكاتب أحمد البغدادي الديمقراطية في صفوف الليبراليين وحدهم. ففي مقالة حملت هذا العنوان "نعم الليبراليون وحدهم الديمقراطيون"، ولا غيرهم في الوطن العربي ولا في العالم كله، حيث لا ديمقراطي غير ليبرالي، متناسيًا كاتبنا أن الديمقراطية نشأت في العهد اليوناني القديم أي قبل مولد مارجريت تاتشر وريغن بآلاف السنين وهذا يعني قبل أن تنشأ النيوليبرالية.

ويرتكن الفكر النيوليبرالي العربي للكثير من الكتاب المنبهرين بالتجربة الغربية والمحاولين نقلها دون أي استقراء لمجتمعهم ولمشكلاته. حيث وجدنا في الواقع المصري مثقفين نيوليبراليين ساندوا الجيش في الإطاحة بحكم مدني منتخب لمجرد أنه من معسكر فكري مخالف تابع للإسلاميين. ومؤخرًا، شن مثقفون نيوليبراليون في منطقة الخليج تحديدًا هجوما شبه ممنهج على القضية الفلسطينية مطالبين بإخراجها من جدول أعمال الساسة في الخليج والإهتمام بقضاياهم مثل الأمن والإرهاب وزيادة مواردهم المالية التي اهتزت مع هبوط أسعار النفط، رافعين شعارات شوفينية مثل طرد اللاجئين أو العمال من البلدان الفقيرة وإجراء عملية تطبيع مع العدو الصهيوني طالما أن ذلك سيجلب منفعة إقتصادية على منطقة الخليج.

يمكننا هنا قراءة الفردية في خطاب النيوليبرالية حيث أنها كنظرية وأيدولوجيا وسياسات ذات تأثير متباين لكنه قوي على المخيلة الاجتماعية العربية. وبهذا يتم تغيير خطاب الوعي للمجتمع العربي من قبل مثقفين مصابين بما أسماه سلافوي جيجك "العمى الإيديولوجي" والانتقال من مرحلة  "الحرية والإخاء والمساواة" إلى "النفعية والتطبيع والكراهية".

تأليه في الغرب وعبادة في الشرق 

على المستوى العالمي، يقدم بحث إيفنز وسويل هذه الحقيقة وهي فشل النيوليبرالية في إنعاش النمو الاقتصادي في أوروبا والولايات المتحدة بشكل واضح خاصة وقت حلول الأزمة المالية في 2008، فإن الأزمة أثبتت انعدام الصلة بين السياسات النيوليبرالية والنمو الاقتصادي. فقد كان أداء الاقتصاد الأمريكي أسوأ بكثير من معدلات النمو في السبعينات التي تم استخدامها لتبرير التحول للسياسات النيوليبرالية.

كانت الدول الأقل تأثراً بالأزمة هي تلك التي قاومت النيوليبرالية الكاملة كالسويد وفنلندا في الشمال والصين والبرازيل والهند في الجنوب. ويضيفا أنه بنهاية التسعينات أصبح "إجماع واشنطن" - الذي مثلت قراراته النيوليبرالية كباراديم للسياسات مثل زيادة دور السوق في تنظيم الحياة الاقتصادية، وخصخصة المنشآت العامة، وتخفيف القيود على حركة رأس المال، والعلاج بالصدمة، واتفاقيات التجارة الحرة العالمية وتمتد إلى إلغاء القيود على أسواق التمويل والعمل، واشتراطات صندوق النقد الدولي، والأنظمة الجديدة للملكية الفكرية-" يطلق عليه “ارتباك واشنطن”.

واستخدم اقتصاديون بارزون مثل جوزيف ستالغيز الأزمة المالية في شرق آسيا وفوضى تحرير الاقتصاد في روسيا لنقد باراديم السياسات المستخدم من قبل صندوق النقد والبنك الدولي. في الوقت ذاته، رصدا أن الدعم الشعبي للمبادئ النيوليبرالية في انحسار. حيث تظهر البيانات التي أعتمد عليها الباحثان أنه خلال عقد التسعينات، كان هناك انخفاض في نسبة الأفراد الذين يعتقدون أن نفع المنافسة الاقتصادية أكثر من ضررها، أو أن الحكومات ينبغي أن تتحمل مسؤولية أقل في رعاية الناس.

ورغم هذا يتم التعامل مع أي أزمة إقتصادية تواجه هذا النظام المالي على أنها أمر عارض وسوف "يصلح ذاته بذاته" كما لو أنه ظاهرة طبيعية. دون الالتفات لسياسات الاستغلال والاحتكار والنهب والمضاربات. ويتم تفسير الأمر بطريقة أخلاقية، أو كما يصفها سلافوي جيجك: يتم تفسير الأمر على طريقة الكنيسة الكاثوليكية بأن "القناعة" هي درب الإصلاح الإقتصادي. ويضيف جيجك أن النيوليبرالية تقوم بتبرير مشكلاتها بشكل "قدري" متلاعبة بالوعي الاجتماعي.

يدعم هذا الرأي تخلي الفكر النيوليبرالي عن أفكار التنوير من حيث النقد والاحتكام للعقل، واللجوء لسياسات رجعية كتنصيب نفسها كحقيقة علمية لا تقبل الجدل، منشئة فراغا فكريا شغلته العلوم المزيفة. وهذا ما فتح الباب مرة أخرى لصعود تيارات اليمين المتطرف التي تعيد كل الأخطاء الاقتصادية للذنوب والخطايا البشرية، لا إلى خطأ في النظام الفكري والإقتصادي المتبع. وعليه يرى جيجك أن كل أصولية بالضرورة تلازم نمط الإنتاج الرأسمالي. فحتى الأصولية الإسلامية أو غيرها في الشرق ناتجة عن الدمار الهائل الذي خلفته النيوليبرالية في المجال الفكري والإقتصادي. 

وفي نطاق تسييس المجتمع الجوهري، عبر ما أشرنا إليه بالتحديث المموه، تشهد البلدان العربية تخمة من المشروعات العملاقة، فعلى سبيل المثال اختارت مصر النيوليبرالية وفتحت الطريق أمام قروض صندوق النقد الدولي وقامت بتنفيذ عدة مشروعات عملاقة في ظل أزمة اقتصادية أدت لإنهيار العملة المحلية وزيادة الاسعار والتضخم وارتفاع الدين الداخلي. كما تحرك ولي العهد السعودي الشاب بإطلاق رؤية 2030 النيوليبرالية التي تقوم على مدن سياحية والمباني العملاقة التي تقدم الرفاه باعتبارها إحدى ضروريات الحياة، مع تغييرات واسعة في البنية الاقتصادية السعودية مثل فرض الضرائب، وأيضًا تغييرات في المناخ السياسي، حيث شهدت البلاد اعتقالات وصراعا في دوائر الحكم. وإلى الآن، بالاستناد للأرقام يمر البلدان بتعثر سياسي واقتصادي.

إن النيوليبرالية منذ الأزمة المالية العالمية في العام 2008 تثبت أنه لا يمكنها أن تكون سياسة اقتصادية ناجحة بقدر ما هي سياسة طبقية ناجحة تفيد الأغنياء على حساب بقية الطبقات حيث فشلت مسكنات صناديق الرعاية والبرامج التنموية من إيقاف التفاوت الطبقي بين الإنسان المالك والإنسان العامل. كما تثبت النيوليبرالية الآن صحة نظرية فالتر بنيامين "وراء كل أصولية ثورة فاشلة" من حيث أنها تفيد أنظمة الحكم العربية في مرحلة "ما بعد الربيع العربي" لمحاربة الأفكار الأخرى عبر تشويش أفكار المواطن بموجة من السلع والرفاهيات التي تحل محل حرية الإنسان.

خاتمة 

كان لا بد من نقد الفكر النيوليبرالي الذي ينمو بسرعة في البيئة العربية لا من وجهة نظر اقتصادية فقط، بل بإعتبار النيوليبرالية كفكر أصولي يعصف بقضايا الحرية والعدالة المجتمعية، وينحي خطاب الديمقراطية لصالح خطاب المصالح والشوفينية والاصطفاف الوطني ويستتر خلف ستار وهمي من المنجزات التكنولوجية ومجتمع الرفاه المدعوم بأسعار النفط، فيتم تمجيد ريادة الأعمال، والاعتماد على الذات والفردية الصارمة، والسعي غير المقيد وراء المنفعة الذاتية ورضا المستهلك، وتمجيد الثروة الخاصة، بالإضافة إلى إعادة تعريف العلاقات بين البشر من خلال المنافسة، واستبدال تعريف المواطنين كمستهلكين، حيث يمارسون خياراتهم الديمقراطية عن طريق الشراء والبيع.

ومثل أي فكر أصولي صنعت النيوليبرالية من "السوق" مُطلقا يتم عبادته لأنه قادر على تلبية كل احتياجات البشر، فأنتجت نظاما اقتصاديا طوباويا يقوم بافتراض أن السوق ذاتي التنظيم وأن العدالة فيه تأتي مع زيادة العمل والإنتاج. وعرّضت النيوليبرالية العائلات والمجتمعات لتقلبات إقتصادية وإجتماعية بسبب "لاعقلانية السوق"، بل مكّنت الأثرياء من استخدام السياسات العامة لتحويل الموارد لصالحهم.

كما ابتلعت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية الفقراء في أمريكا وأوروبا وآسيا في حقبة تاتشر - ريغان، كما ها هي تعصف الآن بالشرق الأوسط مُغيرة البنى المؤسساتية للدول، وقاتلة لفرص التغيير الديمقراطي. حيث جعلت من الأنظمة الديكتاتورية أكثر مرونة ومنحتها قضايا حقوقية وهمية للاستهلاك الإعلامي على الصعيد الداخلي بتغيير أولويات الشعب بإرضاء الحلفاء من اليمين واليمين المتطرف في كل من أمريكا وأوروبا. وحين كانت البروباجاندا في الدول الشيوعية تتهم بالتضليل وإخفاء الحقيقة، ها نحن اليوم أمام نموذج أكثر وحشية يريد عرض حقيقة ولكن مع تسويغها في ذهن الشعوب بأن القتل والقهر والفقر أمور عادية وطبيعية. 

ويبقى خطر النيوليبرالية يكمن في إنها تقدم نفسها كبديهية أصولية لا يمكن تغييرها ولا إيجاد بديل لها. 

--

تنويه:

‫المنشور يرحب بمساهمات من قرائه للمشاركة في النقاش والجدل والرد على مقالات نشرت أو أسئلة طرحت داخله. الآراء المعروضة في هذه المشاركات لا تعبر بالضرورة عن رأي المنتدى الاشتراكي.