تم تحديد العدو وجاري اطلاق النار عليه

نشر في‫:‬الجمعة, كانون الثاني 5, 2018 - 19:21
Team Of Horses | Arthur Dove
الكاتب/ة: أحمد موسى الجمال.

بداية، هل تصدق أن الثورة الشعبية هي مرحلة زمنية ومكانية لأي شعب من الشعوب يمكن تلاشيها أو نسيانها من الأساس مع تسلسل الأحداث والمواقف المشابهة أو صهرها في قالب الماضي الذي يؤلم القلب أكثر من العقل؟ دعني أخبرك أو دعني أثبت لك النقيض.

إن الثورة حسب المفهوم الأكاديمي لرجال السياسة هي حركة شعبية أو موقف شعبي يهدف إلى تغبير وضع ما إلى وضع آخر. وعادة ما يكون الوضع الأول سيء، فالثورة لا تقوم على توافه الأمور إنما تكمن عظمتها في حجم دلالتها ورمزيتها في العقل السياسي للمجتمع الثائر.

وانه ليؤلم شاب مثلي، ما زال يهدد الطفل السياسي الذي بداخله منعا من ثغاء الألم، أن يقال عن كفاح الشعوب أنه موقف زمني مرتبط بنشوة الحدث في أوله، تلك النشوة التي تسكر العقل. حتى يظن ذلك الموهوم الثائر أن الثورة أصبحت حقيقة أبدية، حقيقة الجغرافية التي يعيش فوقها، والروح التي تسكن جسده والرب الذي يقطن في ملكوت لا يعرفه.

لماذا التدليس؟

الحق يقال ان الانظمة القمعية تهدف إلى خلق مفهوم فضاض بدلا من المفهوم المهندم للثورة، فتسعى بذاك الفضاض إلى احتواء المهندم بداخله وابتلاعه، حتى تتمكن من سبغ أهداف الثورة بطابعها ودمج اطماعها السلطوية بمبادئ الثورة النبيلة، والعمل على شيطنة الثورة بجهد جهيد تتخذه، يكلفها أحيانا انفاق باهظ لو صرف في مكانه الصحيح لاصبح المجتمع الذي يعاني الفقر والجهل والمرض في حالة مختلفة تماما. 

الثورة هي الحقيقة الوحيدة بالكون

ربما ما قاله الديكتاتور الارجنتيني خورخي فيديلا عن انتفاضات 1980 والتي عرفت بـ”كفاح الامهات”، والتي نشطت بدافع أخلاقي أكثر منه سياسي، من أمهات المعتقلين والمختطفين قسريا في سجون فيديلا، كان الدليل الأكثر وضوحا عما ترغب به الأنظمة الديكتاتورية بحق الثورة والتنكيل بها. ولقد كان الحاكم الارجنتيني خير من يمثل أنظمة العالم السفلي الرجعي بقوله لأمهات المعتقلين: “إن ابناءكم ضحية ورم خبيث بالراس وهم في مؤسساتنا يتلقون العلاج الذي يحد من المهم الذي يشق قلوبنا ويمزق صدورنا”. 

السؤال هل وصلت الثورة لمرحلة الشيطان الذي يخشى من وسوسته العابد الزاهد؟ الإجابة باختصار أن الثورة قد تخطت مرحلة العملية السياسية التي تقصي نظام سياسي عن السلطة وتهيئ لنظام سياسي واجتماعي آخر الي مرحلة يمكن من خلالها وضع مفهوم جديد للعالم قائم على خلال ثقل الثورة النفسي والعقلي في أذهان الشعوب.

للثورة وجوه أخرى

لنؤمن أن العدو يزداد ثقة بالنفس ويتوسع جغرافيا وزمانيا حتى يتمكّن من كل الأمم ويحكم كل الشعوب. والعدو هنا هو عدو الثورة، فلا تقنعني أن أعظم الجمهوريات ديمقراطية وحرية لا تخشى حكوماتها من الهيجان الشعبي الذي يهيئ للفوضى الأممية الكبرى التي ستجعل العالم أكثر نبلا من ذلك وأكبر حجما مما هو عليه الآن أو قبل ملايين الأعوام التي سبقت خلق الكون حيث كان الخلق في حد ذاته ثورة.

إن العدو يحاول ألا يضع الأمور في نصابها ويدلس في التاريخ والعقائد النفسية التي تتمكن من الشعوب روحيا وجسديا. ويلقي بالحلقة الكاذبة وسط مئات الحلقات الصادقة، ويشق صفوف كفاح الشعوب ونضالها في سبيل التحرر والعدالة. لكن كل ذلك لن يتحقق إلا حين يحدد الشعب عدوه ويطلق النار عليه.

وأعظم الكلمات هي لا.