الفكر النقدي الثوري ومفهوم البورجوازية الصغيرة

نشر في‫:‬الثلثاء, كانون اول 5, 2017 - 13:03
Hilma af Klint - 1922 - Birch
الكاتب/ة: هيفاء أحمد الجندي.

شكلت كتابات ماركس ولينين وغرامشي مرجعاً هاماً، لعدد من المفكرين النقديين، وكانت دالة عمل منهجية وأداة لقراءة الواقع في صيرورته المتبدلة-المتحولة، ولاستنباط الأفكار والرؤى النابعة من تمايز التركيب الاقتصادي-الاجتماعي ومن خصوصية التعيين الواقعي للطبقات ومختلف الشرائح الإجتماعية، وهذا ما يفسر راهنية بعضاً من أطروحاتهم ولا سيما المتعلقة بموضوعة الثورات وموقف القوى الاجتماعية المبدأي أو الرجعي والمحافظ من التغيير الثوري الجذري.

لقد وقفت الشرائح الوسطى والعليا منها ضد التغيير الجذري، وتصالحت مع الطبقات المسيطرة والحكومات حفاظاً منها على امتيازاتها وعلى وضعها الطبقي المرتبط بديمومة الأنظمة القديمة وإعادة انتاجها.

ومن منا يمكنه أن يتجاوز السجال الذي دار بين ماركس وفيلسوف البورجوازية الصغيرة "برودون”، كما وصفه ماركس، وما أكثر البرودويين الجدد في زمن الثورات العربية والتغيير من أسفل.

برودون الذي انطلق من مواقع مثالية-إصلاحية-توفيقية، ولم يدعُ الى القضاء على النظام الرأسمالي والإنتاج البضاعي، والقيمة التبادلية، وأراد أن يطهر الرأسمالية من نواقصها ومن الشوائب والزوائد، ويوفق بين التناقضات. إنه ووفق تعبير ماركس، يشبه المذهبي السياسي، الذي يريد أن يبقي على الملك ومجلس النواب أي على أركان النظام القديم، وتأكيده الدائم على دور الأفكار والمقولات ودور النخب في صناعة التاريخ، بدلاً من الصراع الطبقي ومن حركة الناس. كان العدو الصريح لكل حركة سياسية-ثورية-جذرية. حل المشاكل، وفق برودون، لا يكمن في العمل العام وإنما في الدورات الجدلية لذهنه. ليس ضرورياً، بحسب برودون، أن نغير النظام القائم، يكفي أن نغير المقولات حتى يتغير النظام القائم وبذلك يكون قد لجأ الى هيغلية بسيطة ومبتذلة.

ويمكن أن نعزو هذه المثالية في التحليل، إلى أن النخب والفلاسفة من البورجوازيين الصغار يخشون الوعي الشعبي، أكثر مما يخشون من الرجعية الذين دافعوا عنها وهم يضمرون عداوة عميقة للجماهير ولمبادرتها في اقتحام السماء!

بيد أن المحطة النقدية الأبرز، والأكثر شجاعة وجرأة في نقد البورجوازية الصغيرة ومختلف التيارات الانتهازية، التي تنتشر في زمن الحروب والردات الثورية الرجعية، سيتصدى لها القائد الثوري لينين، الذي فضح مآربها وأهدافها وتكتيكاتها وتحالفاتها الرجعية، وبكثير من الحزم والجرأة الثورية، لما لها من تداعيات وتأثير سلبي، على وعي العمال والفلاحين، بحيث يمكن لها أن تعيق تقدم الثورة. أتى هذا النقد والتشريح النقدي لبنية هذه الشريحة، على خلفية الصراعات بين التيارات في قلب الاشتراكية الديمقراطية، عشية ثورة أكتوبر، وكانت، أي الصراعات امتداداً للصراع الذي سبق ثورة 1905. وقتذاك، كانت المنشفية تمثل تياراً انتهازياً تدعمه البورجوازية الليبرالية، وكان جوهر فكرها، قائماً على تكييف حركة العمال وفقاً لليبرالية، وطرحت تعاون الطبقات، بدلاً من الصراع فيما بينها، وتحالفت مع البورجوازيات والحكومات، وساعدتها في وقت الحروب والأزمات، وسيما وأن الملاك العقاريين والبورجوازية الصناعية والتجارية، كانوا قد دعموا سياسة النزوع إلى الحرب. وإذا كان من وسيلة تؤجل انهيار الأنظمة، وتؤخر نشوب الثورة، لن تكون إلا عبر شن حرب خارجية.

وكانت الظروف الموضوعية، في نهاية القرن التاسع عشر، تقوي الإنتهازية والبيروقراطية والارستقراطية بين صفوف الطبقة العاملة، ويمكن أن تجذب الكثير من البورجوازيين الصغار، الى صفوف الأحزاب، ولا مصلحة لهؤلاء في التغيير الجذري، لأنهم معنيين بالدفاع عن مصالحهم وامتيازاتهم الطبقية المرتبطة بتكريس القائم وتحالفهم مع البورجوازية.

وهذا ما يفسر، انتشار الأفكار المثالية والطوباوية الرجعية في أزمنة الردات الثورية والحروب. فكان للينين قصب السبق، في تشريح ونقد هذه التيارات والطوباويات الليبرالية والشعبية.

الطوباوية الليبرالية، وبحسب لينين، هي طوباوية العجز، في قضية تحرر روسيا السياسي، وطوباوية كيس النقود والجشع الذي يقاسم الامتيازات. هذه الطوباوية تفسد وعي الجماهير الديمقراطي والجماهير التي تؤمن بهذه الطوباوية لن تنال الحرية مطلقاً.

أما الطوباوية الشعبية، فهي لا تعدو كونها استغراق الملاك الصغير، الذي يقف في الوسط بين الرأسمالي والعامل الأجير، الذي يحلم في القضاء على العبودية المأجورة من دون نضال طبقي. هذه الطوباوية يمكن أن تفسد وعي الجماهير الاشتراكي.

يعتبر لينين الطوباوية الليبرالية بمثابة ستار لرغبة المستثمرين الجدد الجشعة، في تقاسم الامتيازات مع المستثمرين القدامى! 

فيسعى ملايين البورجوازيين الصغار الكادحين إلى القضاء وكلياً على المستثمرين القدامى الإقطاعيين، ويتجنبون القضاء على المستثمرين الجدد الرأسماليين، حيث يكتفي هؤلاء بإلغاء الإقطاع، وينتقلون الى جانب النظام الجديد، وغالباً ما يتأرجحون ما بين الديمقراطية العمالية والليبرالية البورجوازية!

ولأن الماركسية، تحكم على المصالح، انطلاقاً من الصراع الطبقي، والتناقضات، فإن البورجوازية الصغيرة تحلم بتخفيف التناقضات، وتثرثر حوله، بحجة أن تفاقمها سوف يؤدي إلى عواقب وخيمة، وما من ماركسي، يخالجه شعور بأن الانتهازية، تعبر عن السياسة البورجوازية في الحركة العمالية، وتعبر عن مصالح البورجوازية الصغيرة، ولذلك يسعون إلى تفريغ الماركسية من روحها الثورية، ويقبلون أي شيء فيها ما عدا وسائل النضال الثورية، والترويج لها، يريدون ماركسية مطهرة تماماً من كل روح ثورية ومتكيفة وفقاً لحاجات البورجوازية.

وبرهنت ثورة 1905 و1917 على صحة التكتيك الثوري، البعيد عن المهادنة والمساومة، ودعمت وبكل قوة تحالف الفلاحين والعمال، وطرحت مهمة الإطاحة بالسلطة القيصرية وإقامة سلطة العمال والفلاحين الثورية، ومن خلال النضال الثوري المباشر. فحققت انتصاراً تاريخياً على شتى المذاهب الانتهازية والرجعية المحافظة، والتي دعت الى التحالف مع البورجوازية، وسيما وأن التحالف مع الانتهازية لا يعني، ووفق الرفيق لينين، إلا خضوع العمال للبورجوازية وهذا يعني السير في درب الثورة المضادة.

إن موقف لينين الحازم والحاسم من الانتهازية ومن البورجوازية التي تمثلها وتكتيكاته الثورية عن كيفية التعامل معها، ألهم عدد كبير من المفكرين العرب، وكان بمثابة البوصلة الفكرية الثورية. نذكر وعلى سبيل المثال، المفكر السوري ياسين الحافظ والذي تأثر تأثيراً بالغاً بأفكار لينين الثورية-النقدية، الأمر الذي دفعه الى نقد البورجوازية الصغيرة، ونقد تذبذبها الفكري والسياسي، وتقلباتها الدائمة في غمرة احتدام الصراع الطبقي، على خلفية ما كتبه لينين عن هذه الفئة. حيث دعا الأخير الى عدم الخلط بين الانقلاب الديمقراطي والاشتراكي، بين النضال من أجل الجمهورية والنضال في سبيل الاشتراكية. واذا ما حاولت الاشتراكية-الديمقراطية، أن تجعل من الانقلاب الاشتراكي هدفها المباشر، فإنها لن تفعل غير أن تخزي نفسها أمام مهمة الانقلاب البورجوازي  الديمقراطي بالذات، وأمام هذه المهمة يقف الشعب كله، أي كل جمهور البورجوازية الصغيرة والفلاحين. وبدون هذا الانقلاب يستحيل تطور التنظيم الطبقي المستقل تطوراً واسعاً من أجل الانقلاب الاشتراكي. ويقول لينين: الاشتراكية الديمقراطية لا تقدس الجمهورية، الا بوصفها أنسب ساحة من أجل نضال البروليتاريا ضد البورجوازية وهي لا تقدس الملكية، وبوليسها، بل تقدسها من أجل النضال الواسع والحر ضد المؤسسات.

ينبغي التحالف مع البورجوازية الصغيرة، في مرحلة النضال الديمقراطي، وضربها بآن، ومحاربة تأثيرها الإيديولوجي. أي مراقبة الحليف كما مراقبتنا العدو!ل أن السحنة الإيديولوجية للبورجوازية الصغيرة كريهة، وهي تشكل بحكم فرديتها، بؤرة لجميع أشكال التفكير الذاتي، والارتجال والكسل العقلي، والتفكير الوعظي وسائر النزعات المثالية في التفكير، وتحمل التشويش والتناقض والغموض. تعمل هذه الفئة على حجب الأفق الثوري الاشتراكي، عن حركة الجماهير وتشوش تطلعاتها الجذرية وتقوم بتعطيلها. تبقى المهمة الأساسية، المطروحة على الطبقة العاملة، هي النضال الإيديولوجي ضدها، في سبيل تصفية مفاهيمها الغبية واللاديمقراطية والمعادية للعلم. انتزاع القيادة من البورجوازية الصغيرة هو ضرورة ملحة، تفرضها مستلزمات استمرار الثورة الاشتراكية.

وبدوره، اعتبر ياسين الحافظ وثلة من أترابه المفكريين النقديين، بأن التحرر الوطني يتطلب تحالف الفئات الشعبية مع البورجوازية الصغيرة. ضد المستعمر. وما أن تنجز مهام التحرر، حتى تبرز التناقضات بين العمال والفلاحين من جانب والبورجوازية الصغيرة من جانب آخر. في هذه المرحلة، ستواجه الجماهير الكادحة البورجوازية الصغيرة. ستكون المواجهة مباشرة، عندما يتحول التناقض من ثانوي الى رئيسي، الذي كان يخفيه التناقض الأساسي، بين الشعب والبورجوازية الصغيرة والكولونيالية والاستعمار. في هذه المرحلة، ستسعى البورجوازية الصغيرة، القسم المالك منها، لوقف نمو حركة الجماهير، التي ستناضل في سبيل التحرر الكامل والمطلق، وفي مرحلة التحرر الوطني، سوف تقف البورجوازية الصغيرة، مع الجماهير وهذا ينسجم مع طموحها الطبقي، لأنه سوف يحذف الطبقة العليا من فوق أي من أعلى السلم الهرم الاجتماعي، وهذه تعتبر خطوة إلى الأمام. وأما في مرحلة النضال الطبقي، ستبرز كل الجوانب السلبية، للبورجوازية الصغيرة من ضيق أفق وانتهازية، وعداء صريح وعلني، لتعيق مرحلة التحول الاشتراكي للمجتمع. وفي هذه المرحلة، ستبرز أيضاً خطورة الطابع الوسطي والانتهازي الفردي للبورجوازية الصغيرة، وسيكون عزلها عن قيادة الجماهير، مسألة ملحة، تمليها تطورات النضال الاشتراكي، بغية دفع التحول الاشتراكي للمجتمع الى نهاياته. من هنا تنبع أهمية توفر قيادة ثورية واشتراكية للجماهير العمالية والكادحة، لأن البورجوازية الصغيرة تعارض الطبقات المستغلة من جهة وتخاف من الجماهير من جهة أخرى. وفي غمرة احتدام الصراع الطبقي، يمكن أن ينجر قسم منها خلف البورجوازية الكبيرة ويذهب القسم الأخر"الفئات غير المالكة" ليلتزم بقضية الطبقة العاملة، ويقبل قيادتها وهذا يعطي راهنية قل نظيرها للتحليل الذي قدمه ماركس لهذه الشريحة.

يقول ماركس، وفي معرض نقده للبورجوازية الصغيرة: إن الفئات المتوسطة من صغار المنتجين، والباعة والحرفيين، والفلاحين، تحارب البورجوازية، بوصفها فئات متوسطة، فهي ليست ثورية وأكثر من محافظة ورجعية فهي تحاول،دفع حركة التاريخ الى الوراء، واذا كانت ثورية، فذلك، بقدر ما ينتظرها، من الانتقال إلى صفوف البروليتاريا، وهي تدافع عن مصالحها المقبلة، وليس عن مصالحها الحالية، وليس من بين جميع الطبقات التي تواجه البورجوازية، إلا طبقة واحدة ثورية وهي البروليتاريا. جميع الطبقات تنحط وتهلك مع نمو الصناعة الكبرى، أما البروليتاريا، فهي نتاج هذه الصناعة بالذات.

ولذا بات من الضروري، تحديد دور مواقف الطبقة العاملة وأشكال نضالها خلال طوري الثورة لأن القسم المالك من البورجوازية وكما أسلفنا أعلاه، سوف يرفض الاندماج والذوبان في الهياكل الاشتراكية للمجتمع، وسيعارض التطوير الاشتراكي، بغية الحفاظ على الامتيازات الطبقية، وسيعارض بالمقدار ذاته ايديولوجية الطبقة العاملة، على نحو شرس، لأنه انضم الى المعسكر المعادي للثورة الاشتراكية، حيث تقف الرجعية. عندها ستصبح قيادة البورجوازية الصغيرة، عقبة أمام التطور الموضوعي للثورة العربية.

ويمكن للصراع الطبقي أن يعطي للرفض، الرؤية العلمية والموقف الثوري الجريء باعتباره المحرك الأساسي لتطور المجتمع، والسبيل الوحيد لكشف تناقضاته، بدل المنظور المثالي، والانجرار إلى التحدث عن دور النخبة في صناعة التاريخ كبديل عن التطور الموضوعي ودور الجماهير ونضالها. هذا النضال هو طريق خلاصها ولن ينقذها لا النخبة ولا دور البطل، ويمكن أن تتحول"النخب" الى عقبة تحول دون انضاج وعي الجماهير الاشتراكي.

وماذا عن عبدالله العروي وموقفه من البورجوازية الصغيرة؟

لا يختلف موقف العروي النقدي، عن سائر أترابه من المثقفين الثوريين النقديين، واعتبر بأن هذه الفئة، لا تستحق اسم طبقة، لأنها خليط من بقايا متخلفة وحاملة للأفكار الرجعية، الطوباوية المثالية، لأنها خارج الإنتاج الفعلي. لا ارتباط لها بالعقلانية الصناعية، لأنها مقهورة من النظام الرأسمالي و تريد أن تحطمه من الخارج ويحطمها. وفي البلاد العربية، تتميز البورجوازية الصغيرة بأنها تمثل أغلبية سكان المدن والأغلبية من الفلاحين الذين يتحولون الى ملاك صغار ما إن يدخلون في الانتاج البضاعي. لا غرابة فيما لو انتهجت هذه الفئة الازدواجية والوسطية الفكرية والسياسية، وهادنت الفكر التقليدي، لأنها بذلك تكون قد ضمنت استمرار هيمنة الفكر التقليدي. لا ترى لها أي مصلحة في تغليب الفكر العصري وليست بقادرة على القيام بعقلنة الدولة والمجتمع، إذ كيف يمكن للفئات البيروقراطية والتي تعيش عيشة الطبقة الوسطى، أن تعقلن المجتمع. والطبقة الوحيدة والتي تقع على عاتقها مسؤولية القيام بهذه المهمة هي الطبقة العاملة، المثقف الثوري الذي ينتمي الى البورجوازية الصغيرة، والذي استطاع أن يتجاوز أفق ومصالح طبقته يمثل أقلية داخل النخبة المثقفة.

وكان ماركس، قد أعطى أهمية كبيرة لدور المثقف الثوري في توعية الطبقة العاملة، وسيما وأن الماركسية كانت قد ميزت بين الطبقة في ذاتها ولذاتها. والتمييز قائم على ادخال عنصر الوعي ومن خلال الأحزاب والمثقفين العضويين. فرأى ماركس بأن التحرر من الوعي الخاص لا يكون إلا عن طريق النقد الإيديولوجي، والتحرر من الاغتراب والتشيئ والاستلاب الاقتصادي لا يكون إلا من خلال القضاء الجذري على النظام الرأسمالي والتبادل ومن لهم مصلحة فعلية في هذا التغيير هم الفئات الشعبية المفقرة، أي العمال والفلاحين غير الملاكين ولكن ما ينقص هذه الفئة المحرومة، هو التنظيم والوعي الكافي للقيام بثورة على الأوضاع السائدة وعلى أصحاب الملكيات الكبيرة.

ومن هنا تنبع أهمية ما طرحه الفيلسوف الماركسي غرامشي، حول اللحمة العضوية بين المثقفين وجمهور البسطاء. لن تتحقق هذه اللحمة إلا من خلال الحزب الثوري، الذي هو بمثابة العقل الموجه للقوة الشعبية، والبوتقة التي تتوحد فيه النظرية والتطبيق باعتبارها عملية تاريخية. عندها ستنتقل الهيمنة إلى الطبقة العاملة، بما تعنيه من تصعيد للنضال ضد البورجوازية والمخلفات الإقطاعية في الريف.

والفضل يعود لغرامشي الذي وسع مفهوم الهيمنة، والتي كانت تقتصر على التحالفات السياسية وفق التصور اللينيني، وانتقل بها الى مستوى الهيمنة الإيديولوجية والتي من شأنها أن تحدث تحولاً جذرياً في وعي الطبقة العاملة والفئات الاجتماعية الحليفة. أي الانتقال من الهيمنة في إطار التحالفات إلى الهيمنة السياسية والثقافية والفكرية والإيديولوجية. من شأن هذه الهيمنة أن تجذب الفلاحين الملاكين والمثقفين التقليديين المرتبطين بأنماط الإنتاج الماقبل رأسمالية. 

إيلاء المستوى الإيديولوجي أهمية كبيرة من قبل غرامشي في عملية الصراع الطبقي، مرده  إلى أن الفئات الوسطى، وبعض المثقفين، يخلطون بين الدولة الطبقية والمجتمع المنظم، الذين يفرحون بأي إجراء من شأنه أن يمنع الصراعات الحادة والاضطرابات، وهذا موقف رجعي وماضوي. فضلاً عن أن النضال الإيديولوجي، يخلق الأرضية اللازمة لحركة الناس ونضالهم والوعي بموقفهم، وهذا هو السبيل، لكي تتخلص الفئات الشعبية، من الوعي الطائفي والغيبي ويحصنها من الانزلاق، الى مواقع التحريفيين. إذ لا يكفي، ولتحقيق الثورة الفكرية، مواجهة فلسفة لفلسفة، بل ينبغي، مواجهة القوى الاجتماعية، التي تقف وراءها والتي تسعى إلى تكريس الحس المشترك. في الوقت الذي يتوجب فيه تجاوز ونقد ما سماه غرامشي بـ"الحس المشترك”. كما أن نقد الفلسفة المثالية، الرجعية، الليبرالية والنضال الايدلولوجي هما وجهان لنضال واحد.

وينبغي خوض هذا النضال، بأقصى قوة وحسمه على أرضية تثوير الواقع، ولن يتحقق هذا التثوير من دون الأحزاب الثورية وانخراط المثقفين فيها. عندها تصبح الرؤية أكثر جذرية بقدر ما تصبح العلاقة بين النظرية والتطبيق أكثر توثقاً.

ويمكن القول أنه وبقدر ما تتوحد الانتلجنسيا الثورية مع العناصر الحاسمة في الواقع، وتصبح الممارسة أكثر تجانساً واتساقاً وفاعلية، وتثبت عقلانيتها وواقعيتها عندما تنظر الى الواقع، من منظور ديالكتيكي، على اعتبار أنه في حركة دائمة، يتضمن انقطاعات، ووقفات وتراجعات وقفزات، وتحاول أن تلتقط الميول الكامنة في الواقع، بغية تدعيمها أو لجمها، واقتناصها وصولاً إلى التحكم بمجرى الأحداث والإمساك بالفرص الثورية المتاحة.

غني عن البيان القول، بأن الحركة الثورية الوطنية، مطالبة بتبني الاشتراكية والديمقراطية كي تصبح جزءاً من ايديولوجيتها. وتكون الاشتراكية حقة وديمقراطية بقدر ما تسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة وتتجاوز الطبقية. التحدي الذي يواجه الحركة الثورية، هو وضع استراتيجيات عقلانية واقعية، من شأنها أن تردم الهوة بين الحلم والواقع، تتجاوز الولاءات التقليدية والتصادم. كما تسعى إلى التعايش وصولا إلى الاندماج المجتمعي الذي يعتبر بمثابة الرافعة لكل وحدة سياسية علمانية واشتراكية وديمقراطية، وصولاً الى التغيير الجذري في البنى والأسس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية السائدة، أي استبدال واقع بواقع أخر. نقطة البداية هو الواقع لا الثقافة ولا الأفراد. ولا ضير من القول، بأنه لا مستقبل لأي حركة ثورية من دون اعتمادها على الارادة الشعبية والطبقات الكادحة باعتبارها القوة التاريخية الصاعدة، وعندها ستصبح سيدة وقائدة نفسها وتملك زمام التحكم بمصيرها.