ما وراء استقالة الحريري

نشر في‫:‬الأحد, كانون اول 3, 2017 - 17:28
عن الفايسبوك
الكاتب/ة: إيليا الخازن.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

ترتبط استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري بخطط سعودية لفرض هيمنتها الإقليمية.

بعد مرور ثلاثة أسابيع على الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء سعد الحريري، لا تزال التقارير المتضاربة تنتشر على وسائل الإعلام المحلية والعالمية. ويحاول المراسلون والصحافيون فهم القرار الذي اتخذه الحريري والذي اعتبره الكثيرون "مفاجئا" وغير متوقع.

أصدر الرئيس ميشال عون بيانا أكد فيه على أن الحريري قد اتخذ قراره بالإكراه وبالتالي يشكل "اعتداء على سيادة لبنان". كما اتهم عون السعودية بتدبير "اعتقال الحريري انتهاكا للقانون الدولي". وقد علق الحريري استقالته بعد عودته إلى لبنان يوم 22 تشرين الثاني واستمر بإنكار مسألة احتجازه في السعودية ضد إرادته.

هل كان الحريري رهينة؟ هل أجبر على الاستقالة؟ هل كان يمكنه الوصول إلى هاتفه المحمول؟ هل كان لا يزال يضع ساعته الذكية؟ هل جمدت أمواله في السعودية؟ ما الذي يجب فعله بعد آخر مقابلة معه؟ هل كان الرجل في خلف بولا يعقوبيان مبعوثا من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان؟

كل هذه التفاصيل رصدها المراقبون، وباتت كذلك موضوع الميمات التي لا حصر لها ولا عد. وتركزت التحليلات الأكثر جدية على رفاه الحريري وسيادة لبنان وحق المواطن بسماع استقالته من بيروت.

لكن هذه المعضلة تشير إلى ميول إعلامية مثيرة، حيث أنها تضخم المعلومات القليلة، بدلا من الإشارة إلى ديناميكية السلطة الفعلية بين السعودية والحريري. الحقيقة أن استقالة الحريري كانت منذ فترة طويلة، نتيجة لديناميكيات القوة غير المتكافئة مع السعودية.

لكن هذه العلاقة لا تعني أن الحريري لم يستفد من هذا الترتيب أو أنه كان طيعا لكل طلب سعودي. فإنه يستفيد من استقالته. 

التحول النيوليبرالي في لبنان

يتجاهل المراقبون تاريخ لبنان الذين افترضوا أن استقالة الحريري ليست سوى ناتجة عن علاقته بالسعودية. وقد استخدمت الأحزاب السياسية استراتيجية الاستقالة كاستراتيجية للضغط وكسب دعم قواعدها منذ استقلال البلد عام 1943 وحتى قبل ذلك. في الوقت عينه، علينا ألا نحصر هذه المناورة والعديد من التحولات الجيوسياسية- الاقتصادية وغيرها- التي صاحبتها إلى مجرد مسألة رهائن.

من وجهة نظر واحدة، تكشف استقالة الحريري محاولات الطبقة الحاكمة السعودية المستمرة لمواجهة الهيمنة المتزايدة لإيران في المنطقة. ولكن الوكلاء مثل الحريري ومحمود عباس ليسوا دمى. لأن الطبقات الحاكمة في لبنان وفلسطين لها اعتباراتها الداخلية الخاصة ويجب عليها أن تأخذ الظروف المحلية بعين الاعتبار.

مع ذلك، فإن التحليل الرافض لارتباط الحريري بالسعودية والذي يضع استقالته في سياق السياسة اللبنانية يبقى كذلك ناقصا. ولكي نفهم تماما قرار سعد علينا أن نتذكر والده رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري حين عمل بكل قوته لإنهاء الحرب الأهلية من أجل المباشرة بتطبيق رؤيته النيوليبرالية في لبنان، وهي رؤية تتبناها السعودية اليوم.

ينتمي رفيق الحريري إلى ما أسماه هانز باومان بـ"المقاولين البرجوازيين الجدد"، وهي مجموعة تضم الملياردير من قطاع الاتصالات رئيس الوزراء السابق نجيب مقياتي والمقاول الغني الوزير السابق عصام فارس. وأصبح هؤلاء المهاجرون مقاولين أغنياء في الخليج خلال السبعينيات قبل عودتهم إلى لبنان كمستثمرين وسياسيين في الـ 1980ات والـ 1990ات.

وكجزء من اتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية التي دامت 15 عاما، شارك رفيق الحريري بكتابة مسودة الدستور لنقل السلطة من نظام رئاسي إلى نظام برلماني يتمحور حول رئيس الحكومة- الدستور الوحيد الذي سمح الاحتلال السوري بتنفيذه. وقد أطاح اتفاق السلام هذا بحكومة عون العسكرية، وأعطى الشرعية للاحتلال السوري، وغرق لبنان تحت موجة عدوانية من النيوليبرالية، التي أشرف الحريري بنفسه عليها إلى جانب التدخل القسري للنظام السوري تحت إشراف الولايات المتحدة والسعودية.

كتبت لاله خليلي في مقال لها بمجلة الثورة الدائمة (بالعربية، بالانكليزية): "إن الشَكلَ الذي اتخذته الاستثمارات الرأسمالية في لبنان، من جهة، وتكوين قوة العمل، من ناحية أخرى، هو صورة مصغرة عن التحولات العالمية، والإقليمية الكبرى، ومستفيد من الاصطفافات الجيوسياسية الإقليمية الجديدة، ومن الصراعات التي صاغت شكل الدول في الشرق الأوسط". إن المشهد الخاص بالاستثمار والبناء والتنمية المُدنية، التي بدأت في الـ 1940ات واستمرت حتى يومنا هذا، كانت بحاجة إلى اتفاق الطائف لتأمين الهيمنة السياسية الثقافية.

وكرئيس للحكومة، خصخص رفيق الحريري عدة قطاعات، وسبب جنترة جزء كبير من بيروت، وضخ أموال الخليج في الاقتصاد اللبناني. وخلق فقاعة اقتصادية تعكس حال امبراطوريته الخاصة، التي تقوم بشكل أساسي على القطاع المصرفي والإعلامي. وكما كتب فابريس بالانش:

"إن سوليدير هي الرمز الأساسي لاستيلاء عائلة الحريري على بيروت، وهي شركة صاحبة الحق الحصري بإعادة بناء وإدارة وسط المدينة الذي تدمر خلال الحرب. تأسست سوليدير عام 1992، وحصلت بالأساس على امتياز لتجديد وسط المدينة لمدة 25 سنة، ومن ثم جرى تمديد المهلة إلى 25 سنة أخرى… أخذ الحريري أغلب الأسهم. وقد صادرت الشركة الأبنية المدمرة والمتضررة من أصحابها الأصليين في ظل ظروف مشبوهة".

ما يسميه بالانش بـ"الظروف المشبوهة" هي التدابير القسرية التي حرم الحريري بها أصحابها الأصليين ورموا خارج منازلهم من أجل تأمين أغلبية مساحة وسط العاصمة. هذه الطريقة من "التراكم عبر نزع الملكية" بحسب دايفيد هارفي، سمحت الحريري بإعادة توجيه الاقتصاد اللبناني باتجاه القطاع المصرفي.

يؤكد هارفي أن أربع ممارسات توجه السياسات النيوليبرالية هذه: الخصخصة، والتمويل، وإدارة الأزمات والتلاعب بها وإعادة التوزيع التي تقوم بها الدولة. وبالفعل، هذا ما حصل عبر تحويل الممتلكات العامة والخاصة لصالح الحريري وشركة سوليدير، والتدمير المنهجي للنقابات من الأحزاب الموالية للنظام السري منذ عام 1992، وحالة الطوارئ المفروضة، وتعزيز أسهم سوليدير لصالح الحريري.

وقد طبق طريقة نزع الملكية على استراتيجيته المتعلقة بالعجز العام، والتي خصصت أكثر من نصف الإيرادات الضريبية لسداد فائدة الدين العام المتزايد باستمرارـ والذي تملكه أكبر البنوك اللبنانية الخاصة.

وفي وقت عزز فيه الحريري ثروته من القطاع المصرفي وإعادة الإعمار، تفاقمت ديون الحكومة. عام 2016، بلغت هذه النسبة 146 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، بمعدل يعتبر الأعلى على المستوى العالمي. احتاج الأمر بعض الوقت قبل أن تنتقل الاستراتيجية الاقتصادية والمالية التي أدخلت رأس المال الخليجي إلى المنطقة وتطبيقها هناك.

حَرْيَرَة السعودية 

جاءت استقالة سعد الحريري في الوقت الذي يحاول فيه ولي العهد محمد بن سلمان تعزيز السلطة. فأطاح محمد بمعارضيه السياسيين المحتملين الذين أثاروا صخبا عن حملته الفاشلة في اليمن من أجل تحقيق أهدافه العدوانية الخارجية.

هذه المناورات السياسية توفر دافعا اقتصاديا لمشاريعه. فمن خلال تجريد خصومه من أموالهم وأملاكهم، سيطلق ولي العهد مشروعين يعتقد أنهما سيكوّنان ملامح السعودية ما بعد الريعية: مشروع نيوم بقيمة 500 مليار دولار الذي يفترض أن يمهد الطريق لعصر اقتصادي ذهبي جديد (الذي يسميه سلمان الرؤية السعودية 2030)، وعملية السلام مع الاحتلال الإسرائيلي.

سلمان يُحَرير السعودية، عبر إعادة تركيز الاقتصاد على البناء والتمويل في حين سيعزز السلام مع الاحتلال الإسرائيلي الاقتصاد. وبذلك يعكس الركائز التي قامت عليها الامبراطورية الحريرية: التمويل، البناء، الإعلام.

يأمل ولي العهد بجمع حوالي 100 مليار دولار بعد أن يأخذ جزء منها من شركة أرامكو المنتجة للنفط والمملوكة من الدولة في العام المقبل، فضلا عن تجميد أكثر من 1200 حساب مصرفي يشتبه بضلوع أصحابها بالفساد وغسل الأموال. كما استولى محمد على أصول أصحاب شركات البناء، مثل بكر بن لادن، وشركات الإعلام. كما أوقف الوليد بن طلال الذي يملك شركتي أم بي سي وروتانا، اللتين تسيطران على معظم التلفزيونات الناطقة باللغة العربية في السعودية، وعلى العديد من الصحف. وتزعم بعض المصادر أن الوليد بن طلال مدين للعرش بأكثر من مليار دولار بعد أن ساعده الأخير لتجاوز حالة الإفلاس عقب انهيار مجموعة سيتي غروب عام 2008.

وبسبب استراتيجيتها المعتمدة على الإفراط بانتاج النفط، عانى الاقتصاد السعودي خلال السنوات القليلة الماضية. وقد بلغ مشروع الانتاج المفرط- الذي يهدف إلى مزاحمة منافسيها والضغط على أعدائها السياسيين الذين يرتبط اقتصادهم بالقطاع النفطي- ذروته خلال الشهر الماضي، عندما باتت السعودية تنتج كمعدل حوالي 10 مليون برميل في اليوم. ومن خلال خفض أسعار النفط، تأمل السعودية إفشال مشاريع استخراج النفط في المواقع التي تكون فيها التكاليف أعلى بكثير مما هي عليه في السعودية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التكنولوجيات المتقدمة لن تختفي، وتستطيع نشرها عندما ترتفع كلفة النفط من جديد.

 ن الواضح أن إيران وصلت إلى ذروة انتاج النفط في مرحلة ما بعد العقوبات، في وقت انخفض فيه انتاج النفط الفنزويلي بمقدار النصف تقريبا في الشهرين الماضيين. وقد تأمل السعودية أيضا بتقليص قدرة صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة على المنافسة، ولكن المنتجين الأميركيين أثبتوا تماسكهم، حتى الآن.

في الوقت عينه، عززت العائلة المالكة من سيطرتها على الجيش، كما ذكرنا توبي ماتيسن في مقاله في فوريين أفيرز:

"ومن أجل الدفاع عن نفسها بوجه الانقلابات، أقامت القوات المسلحة السعودية ثلاث مؤسسات منفصلة: الجيش النظامي، الحرس الوطني، وقوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية، كل منها يرأسها فرع مختلف من آل سعود. وقد حالت هذه الاستراتيجية دون ظهور قائد عسكري قوي شبيه بعبد الناصر أو القذافي الذي يمكنه الإطاحة بالعائلة الحاكمة، كما حدث في العديد من دول الشرق الأوسط".

إن ترسيخ السلطة الذي نشهده حاليا لم يسبق له مثيل في تاريخ السعودية. إن الجمع بين الحرب على اليمن والحرب النفطية وعودة أنظمة الثورة المضادة في مرحلة ما بعد داعش، ومجاورة إيران من السعودية من كل الجهات (ما عدا من جهة الأردن) يمثل تحولا دراماتيكيا في المنطقة ولكن بشكل أكبر في السعودية.

وقد ساعد حزب الله والعديد من الجماعات الشيعية الأخرى الأنظمة في سوريا ولبنان والعراق على التخلص من داعش. في كثير من الأحيان أنجزت هذه المهمة بالتنسيق مع الولايات المتحدة وروسيا.

في لبنان أصبح التحالف بين المقاومة الجيش والشعب الذي نفذ الحرب على الإرهاب بشكل شبه كامل، الأمر الذي أجبر الحريري على الطاعة لإرادة حزب الله والسماح له باستخدام أسلحته داخل لبنان للمرة الثانية. وقد أثار احتلال حزب الله لبيروت عام 2008 نقاشا داخليا حول دور قواته العسكرية داخل لبنان، وقد تم إسكاته اليوم خلال الحرب على الإرهاب.

ويؤكد المحور السعوديّ على أن حزب الله قد اكتسب سيطرة كاملة على لبنان بفضل الزخم الناجم عن الحرب على الإرهاب، الأمر الذي شرّع أهمية الحفاظ على سلاحه. كما يشير إلى أن الميليشيا الشيعية تقوم بتسليح وتدريب سرا مجموعات مسلحة في الكويت واليمن وبقية دول الخليج.

ماذا بعد

يمكننا أن نبدأ برؤية تداعيات المناورات السياسية السعودية من خلال تفحص الشخصيات السياسية والدينية التي استدعتها عقب عملية التطهير.

خدم استدعاء الحريري أمرين. أولا، للانسجام مع المنهجية التي استخدمتها السعودية دائما للضغط على لبنان. ولكن الهدف السعودي الأساسي هو زعزعة استقرار القوى الجديدة المهيمنة داخل لبنان: تحالف الحرب على الإرهاب (حزب الله والجيش اللبناني وعون). ويظهر هذا التحالف بمظهر المحافظ على الاستقرار في المنطقة، لكنه سيفشل بنهاية الأمر دون دعم سعودي.

هذا هو التفسير الواقعي لاستقالة الحريري. وتعلم الطبقات الحاكمة في لبنان والسعودية أن الاستقرار الاقتصادي والسياسي في لبنان يقوم على تناقضات طائفية محددة، وعليها مراجعتها قبل حل التنافضات.

وساعدتنا زيارة البطريرك الراعي على التنبؤ بخطوتين إضافيتين. حيث يعمل أكثر من 250 ألف لبناني في السعودية، وجزء غير قليل منهم من المسيحيين والشيعة. وقد استدعى محمد بن سلمان الراعي لطمأنته بأن الفأس لن يقع إلا على الشيعة ولتهديد الحكومة وحزب الله بعودة المواطنين العاطلين عن العمل.

هذه الطريقة استعملتها السعودية مرارا لإخضاع لبنان. على سبيل المثال، بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، أودعت السعودية مليار دولار في مصرف لبنان وهددت باستعادته إذا لم يعتمد لبنان سياسات محددة.

وعلى الأرجح أن تخدم زيارة الراعي أهدافا داخلية، مرتبطة أكثر بخطة الحريري لإحياء الحركة الشعبية التي بدأت في 14 آذار عام 2005، بعد اغتيال والده. جاءت زيارة الراعي بعد زيارة كل من سامي الجميل وسمير جعجع، اللذين لعبا دورا محوريا في حركة عام 2005، وحاليا يتنافسان على توسيع كتلتهما البرلمانية في الانتخابات المقبلة.

وأخيرا، يشير استدعاء محمود عباس إلى سيناريو آخر. تُعد السعودية نفسها لمرحلة ما بعد الحرب في سوريا من خلال إنشاء تحالف واسع من دول الخليج لمواجهة النفوذ المتزايد لإيران. وهذا ما يفسر أيضا الحصار المفروض على قطر، الدولة التي قررت البقاء على الهامش ولكنها تتجه نحو التحالف مع تركيا وإيران.

التحول الاستراتيجي في السياسة الذي وصفه بنيامين نتنياهو في وقت سابق من الشهر الماضي بأن عملية التفاوض الطويلة ستجبر السلطة الفلسطينية، في نهاية الأمر، على التوقيع على السلام. ويبدو أنه ينظر الآن إلى السلطة الفلسطينية وحماس باعتبارهما من الوكلاء المحليين لإيران أو للسعودية. من شأن التفاوض على اتفاق سلام تخفيف من الاشتباكات الداخلية الأمر الذي سيسمح لحكومة الاحتلال بالتركيز على السياسة الخارجية. التحول لحرب تكتيكية أو لاعتماد خطاب عدائي- يغذيان خطاب نتنياهو ويساعده على البقاء في السلطة.

وواقع أن رئيس حكومة الاحتلال كان يمتنع عمدا عن أي نوع من التدخل العسكري يعتزم القيام به ضد إيران يعني أنه لم يتلق بعد أي دعم دولي- أميركي أو أوروبي- لشن حملة عسكرية عليها.

بذلك، تبدو المنطقة غارقة في حرب باردة جديدة بين إيران من جهة، ودول الخليج والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. في حين أن سوريا ولبنان واليمن هي مناطق للتصعيد أو للمواجهة.

وعلى الرغم من أن معظم الخبراء العسكريين الإقليميين يستبعدون فكرة شن حرب إسرائيلية جديدة على لبنان، فإن حصول عملية تكتيكية ضد حزب الله في سوريا ليس مستبعدا. الطرفان مستعدان للدخول بحرب شاملة ولكنهما يعتقدان أن نهاية الحرب السورية يمكن أن تشكل فرصة نادرة لتسوية خلافاتهما مع عواقب قليلة في بلادهما.

هناك ثلاثة أشياء مؤكدة حتى الآن: أولا، إن الصراع بين إيران والسعودية قد دخل مرحلة جديدة. وستتسم المرحلة بتصعيد هام ولكن محسوب، سواء عسكريا أو اقتصاديا. ثانيا، والأهم من ذلك، سياسة محمد بن سلمان المتحريرة لا بد من أن تفشل، لأنها جاءت بوقت متأخر. سيؤدي التحول النيوليبرالي في النهاية إلى النتيجة التي تقاتل السعودية ضدها منذ احتلالها للبحرين: انتقال الثورات العربية إلى أراضيها. ثالثا، الحريرية لم تنته في لبنان إنما ستكسب طاقة جديدة للتنافس بدلا من ضعف شعبيتها في المرحلة القليلة الماضية.

تعليق الحريري لاستقالته تشكل دليلا هاما في مناورته الأخيرة، وتثبت أن مسرحية الولاء لمحمد بن سلمان كانت غير مدركة للتناقضات الداخلية في لبنان. حيث حصر الحريري في دور طائفي ضمن النظام الزبائني اللبناني وبدور ثانوي داخل السعودية.

قد يكون تعمّق هذه العلاقة مكلفا على المدى الطويل. التحدي الذي يواجهه الحريري الآن هو عضويته في الطبقة الحاكمة التي تقوم على أساس توافقي، لكن عليه أن يثبت تمتعه بإرادة متينة أمام خصم سياسي تتزايد ثقته بنفسه. بهذه الطريقة، تعلم الحريري الآن ما لم يتعلمه سلمان بعد. 

--

* نشر المقال باللغة الانكليزية في موقع jacobinmag بتاريخ 30 تشرين الثاني 2017