عن الخطيب الّذي عذّبنا وأعدَمنا دفاعًا عنّا

نشر في‫:‬الأحد, تشرين ثاني 19, 2017 - 20:14
رقصة الموت | للفنان حكمت داوود | فنون الثورة السورية
الكاتب/ة: ليث الطميزي.

كانت أساليب واستراتيجيّات مُكافحة الثّورات الشّعبيّة والمُسلّحة أكبر الهموم الّتي تشغل أجهزة الأمن الدّوليّة، إلى أن بات النّظام السّوري بمراحله، مُعلّمًا ونموذجًا "مُحترفًا" لها، ويُعطي دروسًا في القتل، والتّعذيب، والتّشريد، والتّهجير، ومع ذلك فإنّه يُحاول الحفاظ على سُمعته كـ"نظامٍ مُقاومٍ للصّهيونيّة والامبرياليّة". 

وعادةً، لا تتحوّل الأنظمة من "ديمُقراطيّة" إلى "دكتاتوريّة"، بل هي إحدى الاثنتين -إلى حين تغيير النّظام ككُل-، فعلى سبيل المثال، "سلاح السّجون" ليس جديدًا في سوريا، بل هو نتاجٌ تراكميّ لمُمارسات نظامي الاتّحاد الاشتراكيّ العربي وحزب البعث منذ عهد جمال عبدالناصر ومرورًا بحافظ الأسد، وصولًا إلى بشّار.

فترة حكم جمال عبد الناصر، اشتهرت باستخدام أعنف أساليب التّعذيب الجسدي، حيث كان مسؤولًا  عنها آنذاك السّوري عبد الحميد السّرّاج، الّذي تولّى منصب نائب رئيس دولة الوحدة السّوريّة - المصريّة تحت إمرة قائد القوّات المسلّحة المصريّة المُشير عبد الحكيم عامر. السّراج، الذي أدخل تقنيّات تعذيبٍ فاقت النّازيّة، إلى السّجون السّوريّة، ضدّ السّجناء السّياسيّين، ورُفعت ضدّه 400 دعوى "جريمة حرب" من سياسيّين وعسكريّين ومثقّفين وشيوعيّين تعرّضوا لأشدّ أنواع التّعذيب والاعتقال تنفيذًا لأوامره.

وحال سلاح السّجون هذا كحال شتّى المُمارسات القمعيّة التّراكميّة ضدّ الشّعب، فقد كان واضحًا وضوح الشّمس منذ اعتلاء حافظ الأسد السّلطة أن زجّ رفاقه في السّجون، ومنهم من أمضى عقودًا فيها، لكنّه كان آنذاك مُغطًى بشعارات حزب البعث "القوميّة"، الّتي تُنادي بتحرير فلسطين أكثر، وترفع علمها.

إنّ كلّ تلك المُمارسات، لم تستطع بعد أن تُزيل ستار "المُقاومة" عن نظام الأسد لدى جزءٍ كبيرٍ من الفلسطينيّين، فقد ذاق الفلسطينيّون في المراحل تلك كلّ أنواع التّعذيب، إلى أن أصبحوا اليوم مُستهدفين بشكل مُباشرٍ، وبأساليبٍ جديدة تطرّقت لها سابقًا، دون تحريك أيّ ساكنٍ من الجّهات الفلسطينيّة الرّسميّة، كمنظّمة التّحرير، ولا الفصائل الوطنيّة، ولا حتّى أبناء الشّعب "الواحد" أنفسهم.

فرع الخطيب الأمني الدّاخلي، أو "الفرع 251"، هو من "أقذر" الفروع العسكريّة السّوريّة سمعةً، وهو نموذجٌ حيٌ شاهدٌ على كلّ تلك المُمارسات في السّجون، في هذا الفرع كما روى مُعتقلون أُفرج عنهم، لا تستطيع مُشاهدة الأرضيّة، فقد كانت مغطّاةً بطبقة من الدّماء، ولحمٍ كان كان يتساقط من المُعتقلين بعد كلّ جلسة تعذيب.

قُبيل الثّورة السّوريّة، كان (ظاهر) فرع الخطيب مختصًا بالتّحقيق ومُساءلة "أبناء الدّولة"، حيث كان يُحوّل أيّ موظّف مُشتبه أو كُتب به تقرير أمني إليه، ليتلقّى نصيبه من التّعذيب فيه، وكذلك كان الفرع الجهة المُشرفة على المسح والموافقات الأمنيّة لطلبة الجامعات والمعاهد السّوريّة.

أما بعد الثّورة، وكما أوردتْ، بات الفرع قذر السّمعة أكثر من ذي قبل، بعد أن أصبح "مُتعدّد المجالات والاختصاصات" علنيًّا، فبات يستقبل أيّ شخص له نشاط مُعارض، ثوري، ولو صغير، لإقناعه أنّ التّعذيب والإهانات الّتي سيتلقّاها هي في نهاية الأمر، لصالح "تحرير فلسطين" و"المشروع المُقاوم"، فاعتُقلَ مُخيّم اليرموك، واعتُقلت فلسطين -دفاعًا عنها-، واستُشهد حسّان حسّان، وخالد بكراوي، تحت التّعذيب إلى جانب سوريّة.

لا تقلّ قضية هؤلاء المُعتقلين عدالةً عن قضية المعتقلين في سجون الاحتلال الصّهيوني، ولكن ازدواجيّة المعايير لدى شريحة ليست بمحدودة من الفلسطينيّين، ومدّعي التضامن مع القضية الفلسطينيّة، تجعلهم يدعمون نضال الأسرى الفلسطينيّين في سجون الاحتلال، وفي ذات الوقت يصمتون عن المعتقلين في سوريّة.