همروجة شربل نحاس، «الشيوعي»(!)

نشر في‫:‬الخميس, اذار 1, 2012 - 20:05
الكاتب/ة: المنتدى الاشتراكي (لبنان).

جاءت استقالة وزير العمل شربل نحّاس لتُثبت توجّهات التحالف الحاكم اليوم. فشل نحّاس في إمرار قانونه، بسبب التوازنات الطائفية والمذهبية الضيّقة، واستشراس ممثّلي الرأسمال، في الكتلة التي انضم إليها. وقد عبّر هو عن هذا الوضع، في تصريحه في ٢٢ شباط ،٢٠١٢ خلال استقبال وفد من الشيوعيين وأهل «اليسار»، فاعتبر أن المرسوم، الذي طلبوا منه توقيعه، جاء «بناء على اتفاق بين مجموعة تجار يشترون ويبيعون، ومجموعة نقابيين يُشترون ويُباعون، وجاؤوا ليخبرونا إن الورقة التي وقعوها يجب أن تمر»، و«أنهم يريدون اليوم فرض توحد، بين ما يسمونه هيئات اقتصادية، وما يسمونه قيادة اتحاد عمالي، لإعادة نظام فاشستي».

 

وهذا يضعنا أمام عدّة تساؤلات، أقلُّّها ماذا كان يفعل «الشيوعي» في حكومة تضم «فاشستيين»؟ هل غاب عنه موقف بعض أعضاء كتلته، والتيّار الوطني الحرّ، العنصري تجاه الأجانب؟ هل يعلم أن التيار الوطني الحر من أشرس الرافضين لإعطاء الفلسطينيين حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المستحقّة، مثلاً، أو حق المرأة في إعطاء جنسيتها لعائلتها؟ هل ظن أن حزب الله يمثّل فعلاً آمال الفقراء وتطلعاتهم؟ هل غاب عن «العلماني» أنّه في كتلة هدفها المعلن حماية مصالح طائفة، لا بل شريحة طائفية في طبقة هي البرجوازية الكبرى المحلية، ومصالح تحالف سياسي يتشارك المسؤولية، في تأجيج الحقد الطائفي والمذهبي الأعمى؟

أثبت نحّاس، مرّة أخرى، أن التغيير في هذا النظام عصيٌّ من داخل مؤسسات الطبقة الحاكمة، وأن أصحاب العمل يمتلكون أدواتهم الناجعة، لتصفية أية محاولة لتحسين الوضع المعيشي، لأغلبية سكّان لبنان، من المادة السادسة في مقدّمة الدستور، إلى احتكارهم للاقتصاد، والقرار السياسي، وتصفيتهم لمؤسسات الطبقة العاملة، إلى العقيدة النيوليبرالية للدولة، المشتركة بين طرفي الصراع، في ١٤ و٨ آذار، والتي لا يشذ عنها أحد.

 

لم يكن مقدّراً لنحّاس أن يفعل أي شيء، وهو لو أراد ذلك فإن نظرته إلى الإصلاح لا تتعارض مع منطق الرأسمالية المتوحشة، وقد سبق له أن قدّم، مع مكرم صادر، مشروعاً «متكاملا» في حزيران من العام ،١٩٩٩ وذلك بغية العمل على التصحيح المالي. واللافت في تلك الخطة هو التالي: خفض تدريجي لعدد الأساتذة، مع وقف التوظيف، وعدم تجديد العقود، وترشيد استخدام العناصر الموجودة في قطاع التعليم الرسمي، وإعادة هيكلة القطاع العام، والتخصيص، باعتباره جزءاً أساسياً من الإصلاحات، التي كانت  تنوي الحكومة آنذاك (١٩٩٩) القيام بها، وعدم إلغاء العقود مع شركتي سيليس وأف تي أم أل ،بل التفاوض معهما لتقليص أسعارهما، ورفع الرسوم على المحروقات، وفرض الضريبة على القيمة المضافة. هذه العناوين لم تكن خطة حريرية- سنيورية، إنما هي ما فكر به الوزير نحاس، في عام ١٩٩٩.

 

لكن الأخطر من عدم إمكانية إصلاح النظام، من خلال وزير (بغضّ النظر عن «النزاهة» و«الكفاءة»)، إنما هو ردّة فعل اليسار الستاليني الإصلاحي على هذه المهزلة. فمنذ البداية، تم اعتبار نحّاس وزير اليسار والشيوعيين في الحكومة (ونذكّر بأنها حكومة تضم فاشستيين وأصوليين دينيين ومليارديرات)، في استغلال رخيص من قيادة الحزب الشيوعي الحالية، لغض الأنظار عن فشلها في أخذ موقف مشرّف من الثورة السورية، وخيانتها للطبقات الكادحة، وفشلها في السيطرة على حملة إسقاط النظام الطائفي،في العام الماضي، بعد أن فُتح الباب لمصادرتها من قبل تشكيلات طائفية (ذاتياً وموضوعياً)، وعجزها عن تقديم أجوبة عمّا تطرحه سيرورة الثورة في المنطقة. لقد روجوا له كمنقذ، وبعد استقالته بدأت تنهال عليه المدائح، وأصبح بنظر البعض (من مدّعي الشيوعية والتقدّمية) قدّيساً.

 

هذا التعامل، الذي قابل به الحزب الشيوعي نحّاس إن كان يدل على شيء فربما على قصر نظر، لا على المستوى السياسي وحسب، بل على المستوى العملاني المباشر، أيضاً، إزاء ضرورة تحريك الشارع، بمواجهة القضايا الاقتصادية والسياسية، لا انتظار الفرج من وزير أو مسؤول في سلطة معروفة حدودها، ومواقعها الحقيقية. لكن خطاب الحزب والإصلاحيين استقبل استقالة الوزير بتخوين الناس والعمال، لأنهم لم يقفوا إلى جانبه، في معركته. والطامة الكبرى هي أن من يقوم بهذا التخوين يعتبر أن الناس ستنتفض فقط، إن قلت لها كلمة »أجور»، وكأن القطب السياسي الطائفي الذي ينتمي إليه نحاس لا يعني شيئاً. فالناس فقدت ثقتها بهذه الطبقة، سواء انتمت إل  ٨ آذار أو إلى ١٤ آذار، وبالطبع لن تراها تدافع عن وزير (حتى ولو اتخذ موقف جريئاً)، في حين هو ضمن هذه التشكيلة.علماً بأنه لو كان اليسار يعمل على الحركة، في الشارع، بغض النظر عما قام به نحاس، لربما كنّا حققنا بعض المطالب، ولكن عندما «تؤجّل» حركة الشارع، لخدمة التضامن مع نحاس، تصبح القصة قصة بطولية، ولكن نهايتها دائماً هي نفسها: بكاء على الأطلال وتضامن مع فارس مهزوم، في لحظة الهزيمة.

 

إن حقوق العمال لن يمكن أن تكون، يوماً، هبةً من قديس وزاري. إنها حق، وإذا كانت كذلك، فلا يحق لليسار أن يتعامل معها، على غير هذا الأساس ، ويقوم بتقبيل يدين من يتضامن مع هؤلاء، فيما هذا الذي ينحنون الآن، أمامه، يقوم بدوره بالانحناء أمام زعيمه الطائفي، ويتولى تقديم استقالته له، لا لرئيس الحكومة، وطبعاً، لم يخطر بباله أن يتوجّه بها للعمّال والكادحين.على العكس، فهم من يجب أ ن يتوجّهوا إليه، في منزله، لإبداء التضامن معه، وتقديم آيات الشكر له، بما يكرس فكرة شديدة البؤس، هي تلك التي تعتبر أن مصير طبقة بأكملها يتوقف على مآثر فرد، ضمن السلطة الطبقية المسيطرة، يمتلك، بالمناسبة، نوايا طيبة.

 

وبالطبع، فإن ذلك لَيبدو غريباً جداً، ومتناقضاً، بل مستهجناً للغاية، حين يكون يتم، في لبنان، فيما الجماهير الشعبية الواسعة، في أقطار عربية شتى، تصنع مصيرها، اليوم،  في الشوارع والميادين!!!