تصحيح الأجور واستعصاءات النظام اللبناني

نشر في‫:‬الخميس, اذار 1, 2012 - 20:00
إضراب هيئة التنسيق النقابية يوم ٢٠١١/١٢/١٥
الكاتب/ة: المنتدى الاشتراكي (لبنان).

لم يشكِّل تصحيح الأجور يوماً، في تاريخ لبنان الحديث، مادةً للتجاذبات بين مختلف القوى السياسية (بما فيها الدولة وأجهزتها القضائية) والنقابية، كما حصل في ظل حكومة نجيب ميقاتي الثانية. هذه التجاذبات أدّت إلى اصطفافات غير مسبوقة في تاريخ لبنان، فلأول مرة نشاهد قيادة الاتحاد العمالي العام تقف إلى جانب أرباب العمل الممثَلين بما يسمى بـ «الهيئات الاقتصادية»، في وجه وزيرٍ للعمل يسعى فعلاً للحد من عملية نهب أجور العمال وذوي الدخل المحدود، المتفاقمة مذ سيطر النهج الحريري النيوليبرالي على الاقتصاد اللبناني. فبعد أن كانت تلك الأجور تشكِّل أكثر من 60٪ من الناتج المحلي، أصبحت اليوم لا تتخطى الـ22% منه، إذ إنها، بموجب هذا النهج، الباب الوحيد لتخفيض كلفة الإنتاج، أما الربح، فلا يجوز المساس به مهما كانت الظروف.

 

في ظل هذا النهج، أراد أطراف هذه الحكومة – خاصةً أطراف المعارضة السابقة – أن يسجِّلوا نقطة على الموالاة السابقة والمعارضة الحالية، من أجل إبراز أنفسهم كمدافعين عن حقوق الناس، بعكس خصومهم. فتنطحوا وآلوا على نفسهم تصحيح أجور العمال والموظفين، الأمر الذي لم يحصل منذ العام 1996، إذا استثنينا «مكرمة» الـ 200000 ليرة، غير القانونية، التي قدمتها إحدى حكومات السنيورة للبنانيين، سنة 2008، بالإضافة لمراسيم بدل النقل والمنح المدرسية، غير القانونية أيضاً، والتي لم يستفد منها أكثر من نصف الأجراء اللبنانيين. ففرضوا على حلفائهم الجدد، الذين صنفوا نفسهم كوسطيين، إدراج الموضوع في بيان الحكومة بعد تشكيلها، وهذا ما حصل، فالتزمت هذه الأخيرة في بيانها بأن تعالج مشكلة تصحيح الأجور، خلال العام 2011. إلا أن المناكفات بين أطراف التحالف الهجين لهذه الأكثرية أدت إلى تأخير البحث بالموضوع، إلى أن بدأوا يشعرون بضغط الزمن، بالنظر إلى الالتزام المذكور، وبدأ مسلسل مراسيم تصحيح الأجور.

 

في البداية، وتحت ضغط الزمن، كما سبق، صدر عن الحكومة، بالأكثرية، مرسوم غير مدروس ومتسرع، رفع بموجبه الحد الأدنى إلى 700 ألف ليرة، وأعطيت زيادة 200 ألف ليرة على الأجور التي لا تتخطى المليون ليرة، و300 ألف ليرة على الأجور، التي تزيد على المليون ولا تتخطى المليون وثمانمئة ألف ليرة، فيما حرم الأجراء الذين تتخطى أجورهم المبلغ الأخير من أية زيادة. لم يوافق وزير العمل، شربل نحاس، على هذا المرسوم. أما الاتحاد العمالي العام، فسارعت قيادته، التي تدين بالولاء لتحالف الثامن من آذار، وتحديداً لنبيه بري، إلى إعلان موافقتها عليه، على أساس مبدأ «خذ وطالب»، بالرغم من تحفظها على عدم شمول الزيادة جميع الأجراء. غير أن مجلس شورى الدولة رفض المرسوم المذكور، لعدم قانونيته، نظراً لعدم شموله كل الأجراء، وتوزيعه لهم على شرائح، بدلاً من تقسيم الأجر إلى شطور، ونظراً إلى بدعة الزيادة المقطوعة وغير العادلة على الإطلاق. أما قيادة الاتحاد العمالي العام فتمسّكت بالمرسوم، على أساس توهمها أن الحكومة ستصحِّحه لجهة شموله جميع الأجراء، لكن الحقيقة كانت أن هذه القيادة، وبإيعاز من الأطراف السياسيين الذين تمثِّلهم، كانت تحاول رمي الكرة في ملعب وزير العمل، الذي رفض القرار، من أجل تحميله مسؤولية «قوننة» المرسوم الآنف الذكر. لكن شربل نحاس لم يحرِّك ساكناً من أجل إحياء القرار، لأنه كان يملك تصوراً آخر لتصحيح الأجور، فالأجر بالنسبة له يجب أن يكون «أجراً اجتماعياً»، يشكِّل بمجموعه كل التكاليف الأساسية لحياة العامل، من مسكنٍ وملبسٍ ومأكلٍ وصحة وتنقُّل، كي يكون قادراً على الاستمرار في ممارسة عمله، أي باختصار، كان يسعى لإعادة تعريف الأجر، بحسب المفهوم الأساسي لرأس المال. من هنا، أتى طرحه، الذي قدَّمه للجنة المؤشر، لضم بدل النقل والتغطية الصحية إلى أساس الأجر، لكنه لم يحظَ بتأييد أيٍ من الطرفين الآخرَين في اللجنة، عنينا الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام، وكانت هيئة التنسيق النقابية، المشكَّلة من نقابات المعلمين في القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى موظفي القطاع العام، الطرف الوحيد الذي قبل بطرح الوزير، على أساس أنه طرح الحد الأدنى المطلوب لتصحيح الأجور. لكن الهيئة المذكورة، لم تكن طرفاً رسمياً في اللجنة، لذا رفض الاتحاد العمالي العام انضمامها إليها، ولكن وزير العمل، وبحكم صلاحياته، أصر على وجود ممثليها، كمستشارين في الاجتماعات.

 

لم تؤدِّ اجتماعات لجنة المؤشر إلى أي اتفاق على صيغةٍ موحَّدةٍ لتصحيح الأجور، بسبب تمسُّك كل طرف بالصيغة التي طرحها. فأصرَّ وزير العمل، تدعمه هيئة التنسيق النقابية، على تصوره، السابق تفصيله، لتصحيح الأجور، كما أصرت الهيئات الاقتصادية على رفض هذا التصور والتمسك بطرحها لزيادة مذلة ومهينة، بحجة عدم قدرة القطاع الخاص، الذي سبق ونهب قوت اللبنانيين وأموالهم، على مدى سنين طويلة ولم يزل، على تحمل أعباء أية زيادة خارج إطار طرح هذه الهيئات، وأن ذلك سيؤدي إلى إقفال معظم المؤسسات وتشريد العاملين فيها. ورفض الاتحاد العمالي العام بدوره تصور الوزير، بحجة أن أرباب العمل لن يقبلوا به، ولا قدرة لهم على تطبيقه، وأن تمسُّك الوزير نحاس بطرحه سيؤدي إلى إضاعة الفرصة لتصحيحٍ ما للأجور. لكن حقيقة موقف هذه القيادة الصفراء هي أنها غير مستعدة للدفع بأي اتجاه يؤدي إلى مواجهة حقيقية مع سلطة رأس المال، لا بل ترهن مواقفها التصعيدية، إذا وُجدت، بمصالح القوى السياسية البرجوازية التي تدين لها بالولاء.

 

لم تُسفر الاجتماعات إذاً، كما ذكرنا، عن اتفاق، فتولى شربل نحاس زمام المبادرة، وقدم إلى مجلس الوزراء مشروعاً لمرسومٍ، صاغ فيه تصوره لمعالجة موضوع الأجور. لكن المشروع المذكور لم يُطرح للتصويت على الطاولة، بل على العكس من ذلك، أخرج الساحر الميقاتي من كُمِّهِ مشروع مرسومٍ اتفق على تفاصيله مع الهيئات الاقتصادية، من دون الرجوع إلى وزير العمل، المخوَّل وحده بموجب القانون أن يجري مثل هذه الاتفاقات ويطرحها على مجلس الوزراء، ولا إلى القيادات النقابية. وقضى المرسوم برفع الحد الأدنى للأجور إلى600 ألف ليرة، وزيادة 30٪ على ألا تتعدى 200 ألف ليرة للأجور ما بين 500 ألف ليرة ومليون ليرة، وزيادة 20٪ على ألا تتعدى 275 ألف ليرة للأجور التي تزيد عن المليون ليرة. وبسبب استعجال قوى الثامن من آذار لتصحيح الأجور، كيفما كان، وافق مجلس الوزراء بالأكثرية على المشروع، ولم يصوِّت ضده سوى شربل نحاس، ومن باب التضامن معه، لا عن اقتناع، معظم وزراء تكتل التغيير والإصلاح. ولكن ردود فعل كل التكتلات والاتحادات النقابية العمالية كانت موحدة على رفض هذا المرسوم، واعتباره «قراراً مذلاً ومهيناً ويستخف بعقول الناس». وبدأت الدعوات إلى الإضراب والتظاهر، ولكن بمواعيد مختلفة، فدعت هيئة التنسيق النقابية للإضراب والتظاهر ليوم الخميس في 15/12/2012، أي بعد أسبوع من تاريخ صدور المرسوم، في حين دعا الاتحاد العمالي العام إلى موعد آخر «بين العيدين»(!!). وكان التجاوب والحماس أكبر مع الدعوة الأولى، بسبب أن الأمر لا يحتمل التأخير، من جهة، وبسبب عدم الإيمان بجدية الدعوة الثانية، من جهة أخرى، نظرأً لتاريخ القيادة الحالية للاتحاد العمالي العام، الحافل بالتراجع،  في اللحظة الأخيرة، عن الإضراب والتظاهر.

 

وبالفعل، تم الإضراب والتظاهر، في موعدهما، بحسب دعوة هيئة التنسيق النقابية، فأقفلت معظم المدارس في لبنان، ونزل الآلاف إلى الشارع، احتجاجاً على الزيادة المذلَّة. أما على المستوى السياسي، فكادت نتيجة التصويت على المرسوم  تطيح التحالفات القائمة، خاصةً بين التيار الوطني الحر وباقي حلفائه، بما فيهم حزب الله. غير أن هذا الأخير، عاد وحسم موقفه، ولو ظاهرياً، وأعلن تموضعه الجديد إلى جانب مقاربة الوزير نحاس، وتم التوافق على إعادة طرح الموضوع على طاولة مجلس الوزراء، بعد أن وضع مجلس شورى الدولة شروطاً لقبول القرار، وبعدما أصرّت حركة أمل على إلغاء أي كلام على التغطية الصحية، على أساس أن وزيرها، علي حسن خليل، وزير الصحة، لديه مشروعً متكامل حول الموضوع. أعيد إذاً طرح موضوع تصحيح الأجور، بحسب مقاربة شربل نحاس، وصدر مرسوم جديد، وافقت عليه أغلبية وزراء التحالف، فضُمَّ بدل النقل إلى أساس الأجر، وأصبح الحد الأدنى 868 ألف ليرة، وزيدت الأجور بنسبة 18٪ على الشطر الأول، حتى مليون ونصف مليون ليرة، و 10٪ على الشطر الثاني، الذي يزيد على مليون ونصف مليون ليرة، ولا يتجاوز مليونين ونصف مليون ليرة. لكن أرباب العمل رفضوا المرسوم الجديد، وهددوا بالويل والثبور وعظائم الأمور، فعلى حد تعبير أكثر من ممثل لهم، كان تطبيق المرسوم سيؤدي إلى إقفال المؤسسات، وتشريد العمال والموظفين في القطاع الخاص، علماً بأن أرباح هذا الأخير في تزايد مستمر، باستثناء بعض الحالات القليلة جداً، التي تكون فيها المؤسسات صغيرة وضعيفة، بالأساس. أما قيادة الاتحاد العمالي العام، فلم تكن تستطيع أن تعترض على هذا المرسوم، على أساس أنه يرفع الأجور إلى مستوىً أعلى مما كانت قد وافقت عليه، بموجب «الاتفاق الرضائي» بينها وبين الهيئات الاقتصادية، من جهة، وعلى أساس أن القوى التي تخضع لها هذه القيادة وافق وزراؤها على المرسوم، من جهةٍ أخرى. غير أن تلك القيادة والقوى السياسية التي تسيِّرها، كانوا يراهنون ضمناً على رفض مجلس الشورى لهذا المرسوم، مرةً جديدةً، الأمر الذي ما لبث أن حصل، فبان الموقف الحقيقي لتلك القيادة، برفض المرسوم، والتمسك بـ «الاتفاق الرضائي».

 

ردَّ مجلس شورى الدولة، المرسوم، إذاً، تحت ضغط الهيئات الاقتصادية والتحالف الوسطي، الحاظي بدعم نبيه بري الذي، كما ذكرنا سابقاً، كان يسيطر، بواسطة الاتحادات النقابية الوهمية، على قيادة الاتحاد العمالي العام، التي ساهمت بدورها في إسقاط المرسوم المذكور، بحججٍ واهية، كعدم جواز تدخل الحكومة في مسألة تخص «أطراف الإنتاج»، الذين توافقوا بشكلٍ رضائي. وبعد أخذٍ وردّ، أعاد وزير العمل صياغة مشروعه، بما يتناسب مع «متطلبات القانون»، بحسب مجلس الشورى، فألغى كل ما يُذكر حول بدل النقل، مع الحفاظ على الحد الأدنى، كما ورد في المرسوم السابق، وزيادة باقي الأجور بما يتناسب مع البدل المذكور، وأرسل المشروع الجديد إلى مجلس الشورى قبل عرضه على مجلس الوزراء. فوافق مجلس الشورى على الصيغة المُرسَلة إليه، ولكن «أطراف الإنتاج»، يدعمهم سياسياً التحالف الوسطي وقوى 14 آذار، أصرّوا على «الاتفاق الرضائي» الذي يرفع الحد الأدنى إلى 675 ألف ليرة، مع إبقاء بدل النقل وموضوع المنح المدرسية، على حاليهما، مع العلم بأن مجلس الشورى كان قد نشر قراراً، بمثابة حكمٍ قضائي، يلغي بموجبه كل مراسيم النقل، التي صدرت منذ ،1995 والتي يمكن أن تصدر لاحقاً، وذلك كنتيجة لعدة مراجعات، كانت نائمة في الأدراج، منذ عدة سنوات، من قبل كل الهيئات الاقتصادية، من صناعيين وتجار ومصرفيين. ونتيجة للتدخلات السياسية وضغوط أطراف التحالف الأكثري، لا سيما الطرف السياسي الذي ينتمي إليه الوزير، عنينا تكتل التغيير والإصلاح، بحجة الحفاظ على ما يسمى «التضامن الوزاري» واستمرارية الحكومة، رضخ نحاس وعمل على «قوننة الاتفاق الرضائي»، مع أنه لم يكن مقتنعاً به. وقدّم إلى مجلس الوزراء ثلاث صياغات، واحدة لمشروعه الذي وافق عليه مجلس الشورى، وواحدة مستوحاة من الاتفاق الرضائي، مع المحافظة على المتطلبات القانونية، كما يراها مجلس الشورى، والثالثة هي الاتفاق المذكور، كما هو. فوافق مجلس الوزراء بشبه إجماع، باستثناء نحاس وحده، على الصياغة الثانية، وصدر مرسوم تصحيح الأجور الأخير، الذي يرفع الحد الأدنى إلى 675 ألف ليرة، ويعطي زيادة 100٪ على الشطر الأول، حتى 400 ألف ليرة، بعد تنزيل الـ 200 ألف ليرة ، التي كانت أعطيت عام 2008، على ألاّ تقل الزيادة على هذا الشطر عن 375 ألف ليرة، ويعطي أيضاً زيادة 9٪ على الشطر الثاني، حتى مليون ونصف مليون ليرة لبنانية، لكنه لم يُشِر إلى أي بدلٍ خارج إطار الأجر، وبقي مرسوم بدل النقل، الذي ما زال مادة للسجالات والمناكفات السياسية، حتى كتابة هذه السطور، معلّقاً.

 

دروس واستنتاجات

لم يكن الدخول في تفاصيل هذا المسلسل الممل سوى وسيلة للخروج باستنتاجات ومواقف عديدة، حول العفن الذي يضرب لبنان على المستويات كافة، السياسية والاقتصادية–الاجتماعية، والنقابية.

 

فعلى المستوى السياسي، تبيَّن فعلاً مدى أهمية الأوضاع المعيشية للناس، لدى  الأطراف السياسيين،على اختلافهم، إذ إن هذه الأوضاع لا يمكن أن تكون سوى مادة دسمة للمزايدة، من أجل كسب الأصوات في الانتخابات. فالبرامج الاقتصادية–الاجتماعية لكل القوى الممثَّلة في مجلسي النواب والوزراء، سواء كانت موالية أو معارضة، تتراوح بين الليبرالية المتصدِّقة، والنيوليبرالية المتوحشة. فبرنامج حزب الله، مثلاً، الليبرالي بامتياز والداعم للاقتصاد الحر، مع أنه قائم على مبدأ التعاون بين الطبقات الإسلامي، لا يمكن أن يعطي الطبقات الكادحة أكثر مما تسمح به البرجوازية، ولكن من واجب هذه الأخيرة أن "تتصدَّق" على الفقراء بما تستطيع، من دون أن يؤدي ذلك إلى إلغاء الطبقات، لأن الله ،بحسب قناعاته، خلق الناس "طبقات طبقات"، وعلى هذه الطبقات أن تكون متضامنة، لأن الصراع في ما بينها يفتِّت الأمة. هذا بالإضافة إلى المجاهرة بالهروب من الاهتمام بالوضع الاقتصادي للبلد، وبشؤون الناس الحياتية والاجتماعية، في مقابل إفساح المجال أمام العمل العسكري للمقاومة الإسلامية، ودعمها، سياسياً وديبلوماسياً. فكم مرة دعا أمين عام هذا الحزب، السيد حسن نصرالله، سعد الحريري، إلى العودة إلى الاتفاق الذي عقده الحزب مع والده لتوزيع الأدوار بينهما، أي أن تُترَك الحرية للحزب، في مقاومته العسكرية لإسرائيل، في مقابل ترك الحرية للحريري في رسم سياسة البلد الاقتصادية-الاجتماعية. أما برنامج التيار الوطني الحر، فهو أيضاً ليبرالي، ويرقى في بعض جوانبه إلى التوحُّش، من حيث تقديسه للاقتصاد الحر، ولكنه ينادي بمحاربة الفساد. والمعروف أن هذا الأمر يشبه محاربة دون كيشوت لطواحين الهواء، في ظل نظام طائفي، كالنظام اللبناني، يسعى التيار المذكور كي يكون ممثلاً وحيداً لأحد مذاهبه. وإذا كان هذا برنامج الطرفين الأكثر تمثيلاً، في تحالف الأكثرية الحالية ، فماذا نقول عن برامج البقية الباقية من قوى التركيبة اللبنانية، ماذا نقول عن حركةٍ لا برنامج لها سوى السيطرة على الحصة الشيعية من هذه التركيبة؟ أو عن «حزبٍ تقدميٍّ اشتراكيٍّ» لا يحمل من الاشتراكية سوى التسمية؟ أما بقية الموالاة، أي الميقاتي وحلفاؤه، والقوى المجتمعة في المعارضة، فمعروفٌ جيداً أن نهجهم نيوليبرالي متوحش، بامتياز، ومعروفةٌ جيداً أيضاً قيمة العامل والأجير، في ظل هكذا نهج. في ظل تركيبة سياسية كهذه، إذاً، ماذا كان العمال وذوو الأجر المحدود ينتظرون؟ فمنطقيٌّ جداً ما جرى من تقاذفٍ لكرة تصحيح الأجور، بين الحكومة ومجلس شوراها وكل القوى السياسية، بالإضافة إلى أرباب العمل، ومن يدَّعون تمثيل العمال. وبالتالي، فمنطقيَّةٌ جداً،هي النتيجة المهزلة التي وصلت إليها هذه المسألة، كما أنه منطقيٌّ جداً أيضاً، أن تُستخدَم هذه القضية وغيرها من القضايا الاجتماعية الأساسية، كوسيلة لتصفية الحسابات السياسية، بين قوىً تعتبر الناس مجرد أرقامٍ، في عدّاد شعبيتها. فيصبح وجود شربل نحاس في الحكومة قضية بحد ذاتها، لأنه، بالنسبة لرئيسي الجمهورية والحكومة وحلفائهما، وزير مشاكس يعطِّل عمل الحكومة، ويعرقل مسيرتها، فالتخلص منه أو تدجينه يريحهم، ويشكِّل ضربة لميشال عون، خصمهم السياسي، وشريكهم في الحكومة، الذي يجد نفسه مضطراً لدعم وتغطية هذا الوزير، بالرغم من عدم توافقه مع كثيرٍ من زملائه في التكتل، وتدخل المعارضة على الخط لتحاول الانتقام من الوزير، الذي لا يرحمها، ويريد «تخريب» كل ما «أنجزته»، طيلة الفترة التي كانت خلالها في الحكم. ويتدخل الإعلام، الذي تسيطَر عليه القوى السياسية نفسها، التي تتقاسم الموالاة والمعارضة، وبأفضل حالاته يبقى يسَيطر عليه  رأس المال، ليُشغِل اللبنانيين أكثر فأكثر في مواضيع ثانوية، فيصبح المطلب الذي يُدعى الناس للتظاهر من أجله، دعم الوزير وقراراته أو الدعوة لإقالته، ويصبح توقيع مرسوم، غير ملزمٍ بالأساس، قضيةً بحد ذاتها. ويسري المنطق نفسه على كل القضايا الحياتية والاجتماعية التي تهم الناس، فتتحول بفضل السياسة إلى قضايا ثانوية، وتُمسي كرةً في ملعبٍ، يتقاذفها من يدَّعون الاهتمام بالشأن العام، ويصبح العمال والكادحون والمهمشون والمعطَّلون من العمل، الذين يشكِّلون غالبية الشعب، الجمهور المتفرج الذي يهتف ويصفق لدخول الأهداف في مرمى الخصم.

 

أما على المستوى الاقتصادي-الاجتماعي، فحدِّث ولا حرج. فمنذ نيِّفٍ وعشرين عاماً، أي منذ انتهاء الحرب الأهلية، وتحديداً مع وصول رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة، في لبنان، وفي ظل انهيار الاتحاد السوفييتي، وسيطرة الولايات المتحدة، سيطرةً أحادية الجانب، على العالم، فارضةً ما سمي «النظام العالمي الجديد»، القائم على استنتاج «نهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية النهائي»، كان يَنشأ نهجٌ رأسمالي جديد- قديم، يُذكِّرنا بمرحلة صعود الرأسمالية، بصيغتها المتوحِّشة، بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، واصطُلح على تسميته «النيوليبرالية». في ظل ذلك كله، إذاً، ساد النهج المذكور لبنان، وبحجة وعود «الربيع» الحريرية، فُتح الباب واسعاً أمام المراكمة الخيالية لديون الدولة، من أجل «إعادة الإعمار»، وبدأت عملية نهبٍ موصوفٍ لمقدِّرات البلد ولمدَّخرات أبنائه، من خلال مشاريع، سُمِّيت إنمائية، لكنها أكبر من قدرة البلد على تحمُّل أعبائها، ومن خلال المضاربة بأسعار العملات، والاستدانة من المصارف ومدَّخرات المكلَّفين اللبنانيين، عبر سندات الخزينة، ومن خلال تحميل هؤلاء المكلََّفين أعباء «المحافظة على سعر صرف الليرة»، خاصةً في ظل انهيار أسعار صرف العملات في العالم، لتصبح هذه «المحافظة» عملية نهبٍ لأموال الطبقات الكادحة من أجل حماية أموال الرأسماليين، وبوجه أخص أرباح أصحاب المصارف، وغيرهم من رموز الرأسمالية المالية، وقواها. فتحول البلد إذاً، إلى رهينة، في يد قلةٍ قليلة من أصحاب رؤوس الأموال، وفي مقدِّمتهم طغمة مالية اختُصِرَت بعددٍ من المصارف لا يتعدى أصابع اليدين. وارتفع الدين العام إلى درجة أصبح عندها إصلاح الوضع، من ضمن النظام الاقتصادي السائد مستحيلاً، خاصةً إذا نظرنا إلى واقع التركيبة الطائفية للبلد التي تمنع، عملياً، أية محاولة لمحاربة الفساد والرشوة والمحسوبيات وإيقاف النهب والسرقة، من جهة، واستحالة معالجة هذه المشكلة (أي الدين العام)، من جهة أُخرى، من ضمن الأطر التي يفرضها النظام الاقتصادي المسمّى «حُرّاً»، ولكنه في الواقع نظام تابع لا يستطيع التخلص من سيطرة القوى والمؤسسات الإمبريالية العالمية، وضغوطها السياسية والاقتصادية، كون الطبقة الحاكمة في لبنان، كمعظم الطبقات الحاكمة في دول العالم الثالث، هي طبقة رأسمالية كومبرادورية تقوم مصالحها على الارتباط بالطبقة الرأسمالية العالمية. وفي المقابل، كان التحالف بين هذا النهج والنظام السوري، الذي كان مهيمناً على لبنان، سياسياً وعسكرياً وأمنياً، قد أدى إلى توزيع الأدوار بينهما، فكانت للحريري حرية التصرف في الشأن الاقتصادي الداخلي، وكان النظام السوري وأتباعه في لبنان يتولون الأمن والسياسة الخارجية، بالتنسيق مع الحريري، وكان من ضمن مسؤوليات النظام المذكور، تسهيل الأمور أمام الحريري من أجل فرض نهجه في السياسة الاقتصادية للبلد، من خلال السيطرة على الحركة العمالية، التي كانت قيادتها لا تزال تحافظ على حدٍ  أدنى من الاستقلالية، لكنه نجح بالإمساك بتلك القيادة من خلال تشريع اتحادات نقابية وهمية، لا تمثيل فعلي لها ضمن الطبقة العاملة.

 

لقد تمكَّن إذاً تحالف رأس المال مع النظام المخابراتي الأمني من الإمساك بالحركة النقابية العمالية، واستطاع أن يضربها، جاعلاً من قيادتها هيكلاً فارغاً. وأدى ذلك، بين ما أدى إليه، إلى التنازل أكثر من مرة عن حقوق الطبقة العاملة، والتراجع المستمر عن المواجهة مع سلطة رأس المال، حتى وصل الأمر بهذه القيادة عام 2004، إثر الدعوة إلى الإضراب العام والتظاهر، للاعتراض على الوضع الاقتصادي السيىء، إلى التنصل من الحركة الاحتجاجية التي تخطت توقعاتها، وعمَّت كل المناطق اللبنانية، وأدَّت إلى قمع الجيش لها، في حي السلم تحديداً، ما أوقع خمسة قتلى من المحتجِّين. لكن هذه القيادة استمرت بنفس النهج من التبعية لقوى الثامن من آذار،مفسحة في المجال أمامها لاستغلال الدعوة إلى الإضراب العام والتظاهر، في السابع من أيار عام 2008، من أجل الهجوم العسكري على مراكز تابعة لأنصار تيار المستقبل، ما كاد يؤدي إلى حربٍ أهلية جديدة. أما المهزلة المقرفة الأخيرة، التي قامت بها هذه القيادة، فكانت تحالفها المكشوف مع أرباب العمل، في موضوع تصحيح الأجور، الأخير، ودخولها في نزاع مع وزير العمل، من أجل توقيع مرسوم بدل النقل، غير الملزم لأصحاب العمل، والذي لم يستفد منه أصلاً أكثر من نصف الأجراء اللبنانيين.

 

في ظل هذا الواقع العفن، على الصعد كافة، كما أسلفنا الذكر، إذاً، لا بد من إبراز بعض المواقف التي يجب أن تكون بديهية لدى كل الذين يدّعون الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة، والمعطَّلين من العمل، والمهمَّشين، وصغار الكسبة. فتصحيح الأجور لم يكن يوماً الهدف الأوحد لنضال الطبقة العاملة في لبنان، علماً بأن الطريقة الوحيدة التي تلبي بالفعل مصالح ذوي الأجر، على هذا الصعيد ، في ظل النظام الرأسمالي، إنما تتمثل باعتماد السُلَّم المتحرك للأجور، كما لساعات العمل. وثمة، بالإضافة إلى هذا المطلب، سلسلة واسعة من المطالب الأساسية ، التي يجب النضال من أجلها ، طالما بقي رأس المال مسيطراً على الحياة الاقتصادية،هي تلك التي يمكن أن يتضمنها برنامج انتقالي متقدم يمهد الطريق أمام تجاوز المجتمع والدولة الرأسماليين نحو المجتمع الوحيد الذي يتحرر ضمنه المنتجون، سواء منهم اليدويون، أو الذهنيون، عنينا المجتمع الاشتراكي . 

 

وبين أهم مطالب هذا البرنامج:

 

الحؤول دون المضي في سياسة الخصخصة، التي تطالب بها اليوم، بعناد وشدة، الهيئات الاقتصادية، واعتماد حماية مشددة للقطاع العام،مع إخضاعه، في آنٍ، لرقابة صارمة يشارك فيها العاملون فيه، بالإضافة إلى المحاسبة القاسية لحالات الفساد والهدر ، في كل الإدارات والمؤسسات العامة. ووضع حد نهائي لأي توجهات لتطبيق البرامج النيوليبرالية، بعد الآن.  

 

اعتماد ضريبة تصاعدية على الدخل، وإنزال أشد العقاب بالتحايل على الضريبة من جانب أرباب العمل ، وأصحاب المهن الحرة ،  والعاملين في التجارة من اصحاب الدخول العالية. وشمول كل أعمال المصارف، والبورصة، والمضاربات على العملات، بضريبة عالية، أسوة بكل الأعمال الأخرى التي تحقق فائضاً للقيمة.

ج- تطبيق النص الوحيد الذي ارتفع فيه الحزب الشيوعي اللبناني ، ذات يوم، إلى مستوى جدي من التطلع إلى مغادرة خطه الانتهازي الإصلاحي التاريخي، خلال الإعداد لمؤتمره السادس، حين خرج بمشروع تقرير، على الصعيد الاقتصادي-الاجتماعي، ولكن سرعان ما تخلى عنه، ممتنعاً عن تحويله جدياً إلى المؤتمر، للبت فيه. وقد وردت فيه الدعوة إلى "فك تبعية الاقتصاد الوطني للاستعمار الجديد، ووقف هيمنة الرساميل الأجنبية، والأميركية خاصة، وتصفية الشركات الاحتكارية الأجنبية، وتأميم مؤسسات التمويل والتأمين، وحصر التجارة الخارجية في مؤسسات تابعة للقطاع العام". 

 

د- وقف الاستدانة، وفرض تحقيق شامل لكشف حقيقة صرف عشرات المليارات من الدولارات المستدانة، في العقدين الأخيرين، وما رافق ذلك من نهب وهدر ، ومحاسبة الجماعات المسؤولة عن ذلك والمستفيدة منه، واستعادة الأموال المنهوبة مع فوائدها القانونية. فضلاً عن العمل على إلغاء جزء أساسي من الديون ، ليس فقط الخارجية، بل أيضاً الداخلية منها، التي ترافقت استدانتها مع إعطاء المصارف الدائنة فوائد فاحشة بلغت أحياناً ال45٪!!

 

ه- مصادرة كل المصانع التي تغلق أبوابها، بحجة الإفلاس، او الوقوع تحت خسائر،وتشغيلها من قبل عمالها، وبإدارتهم الديمقراطية، على شاكلة ما حصل خلال الأزمة الكبرى للرأسمالية الأرجنتينية،في اوائل الألفية الحالية. فضلاً عن اعتماد الرقابة العمالية، في شتى مرافق الإنتاج.  

و- تعميم الضمان الاجتماعي والصحي، ومعاش الشيخوخة، على جميع المواطنين العاملين، وإيجاد حل جدي لمسألة البطالة، من ضمنها معاش البطالة، المعتمد في بلدان عديدة، والذي يتيح للمواطنين، كافة، تأمين الحد الأدنى، على الأقل، من مقومات الحياة الإنسانية.

ز- إعادة الاعتبار للتعليم الرسمي، سواء منه ما قبل الجامعي، او الجامعي، وتقديم أوسع الدعم له، لأجل رفع مستواه، وضمان ديمقراطية تعليم حقيقية للغالبية الواسعة من أبناء الطبقات الشعبية، في الوقت نفسه الذي يتم فيه خلق الشروط المناسبة لاستيعاب الخريجين، من شتى المستويات، ومن ضمنهم خريجو التعليم الجامعي، في مواقع العمل والوظائف المؤاتية.

ح- إعادة تأسيس اتحاد عمالي عام، منغرس بعمق، في الطبقة العاملة المحلية، يتمكن من الانضمام إليه كل الشغيلة، سواء منهم اللبنانيون - ومن ضمنهم العمال الزراعيون- والأجانب، بمن فيهم الخادمات، ويكون أداة تمثيلية حقيقية لمصالح كل ذوي الأجر.على أن يتاح ، في الوقت ذاته، لجميع موظفي القطاع العام، ومستخدميه، ومن بينهم الجنود، ورجال الدرك، والأمن،على اختلافهم، بناء أدواتهم النقابية، والانضمام إلى الاتحاد المشار إليه.

في كل حال، إن النضال لأجل حياة إنسانية حقيقية، على المستوى الاجتماعي-الاقتصادي، لا يأخذ أبعاده الكاملة إلا بالتضافر مع النضال المديد والباسل، لأجل وضع حد للبنية الطائفية والمذهبية  للدولة  والمجتمع اللبنانيين، بالفصل الكامل للدين عن الدولة، واعتماد قانون مدني شامل للاحوال الشخصية، وبالانخراط ، بالتالي، في السيرورة الثورية ، المندفعة الآن، في المنطقة العربية، نحو تغيير شامل وعميق يؤدي بين ما يؤدي إليه ، إلى توحيد المنطقة المذكورة ، والسيطرة الشعبية المطلقة على خيراتها ومواردها، عبر إزالة الهيمنة الاستعمارية بالكامل،  وفرض حل ثوري للقضية الفلسطينية، كما للمشكلة اليهودية ،في آن معاً، لا بد من أن يتلازم مع زوال الدولة الصهيونية وعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه التاريخية، ليقيم مع من يبقى فيها من السكان اليهود، بعد ممارسة الفلسطينيين لحقهم في تقرير المصير، دولة علمانية ثورية تكون جزءاً لا يتجزأ من الحالة الوحدوية الشاملة للمنطقة ككل، المفترض أن تندرج في سيرورة دائمة، على طريق البناء الاشتراكي.