ت: تسوية ق: قطار ب: بائع الموز

نشر في‫:‬السبت, كانون الثاني 3, 2009 - 18:38
الكاتب/ة: نضال مفيد.

تحمل كل تسوية في طياتها آثاراً جانبية غير مستحبة، هذه الأخيرة قد تكون أخطر من المشكلة، أو قد تتوالدان من بعضهما البعض، وصولا إلى موتهما؟

قطار (توت توت)

يردد رئيس الجمهورية عبارات كثيرة، إلا أنه وتناغما مع الدوحة واتفاقها، أصبح يكثر من استخدام كلمتي تسوية ومصالحة، والأخيرة يمكن العثور عليها في قطار. قطار؟ نعم. فبتاريخ 26 أيلول، صرح الرئيس سليمان كالآتي: "المصالحة قطارها قد انطلق، والشعب سيحاسب كل من يتخلف عن الصعود إليه، سيحاسبه في الانتخابات وفي الإعلام وفي النظرة إلى المسؤول"، مهلا، من يقود هذا القطار؟ ومن يضم؟ وما هو موضوع المصالحة؟ المصالحة المعنية أتت بعد اشتباكات ومعارك لم تنته، والمؤكد عليها في الحكومة وقانون الانتخابات. تلك الاشتباكات لم تتوقف، ولم يوجد من يوقفها. حياد الجيش كان عنوان مرحلة أيار، فبقي لوحده. وفي حال تجدد الاشتباكات، ما هو مصير القطار؟ هل سيمر على خطه المعتاد؟، الخط الساحلي، هل سيمر داخل المنتجعات السياحية المنتشرة على السكة "القويمة"؟ وإذا أكمل مسيره هل سيعبر جمهورية سوليدير؟ مسكين أمر هذا القطار، تركته الحرب الأهلية مهترئا، وآخر يُركن إلى جانبه، ينتظره المصير ذاته.

الطوافة والخطاب

في 28 آب تعرضت طوافة للجيش لإطلاق نار، إستشهد الملازم أول سامر حنا، توجهت أصابع، الرابع عشر من الشهر وكل شهر، الإتهام مباشرة إلى حزب الله، تراوحت هذه الاتهامات بين دولة ضمن دولة مرورا بتحديد المسموح والممنوع وصولا إلى "القتل بدم بارد ومن مسافة قريبة" (لوريان لو جور). عادت نظرية فوق الأرض وتحتها. إطلاق النار، كما أصبح معلوماً، حصل من مسافة بعيدة. في حين ظل موقف حزب الله متلبداً. إلى أن خرج السيد حسن نصر الله وأفصح عن موقف الحزب من الحادثة فاعتبرها ناتجة عن أن "بعض الإخوة فوجئوا بوجود مروحية لم يحددوا معالمها، وأحد الإخوة أطلق النار فحصل الذي حصل"، وأضاف بأن مطلق النار هو من طلب من قيادة المقاومة تسليم نفسه للقضاء باعتبار أنه أحدث "إرباكاً كبيراً وحرجاً للمقاومة". ولكن السيد عدّد في مكان آخر أمثلة لحوادث حصلت قي السنوات السابقة كطريق المطار، ومار مخايل. هل هكذا ينخرط الحزب في الإطار السياسي؟، بالتلميح إلى ما يسمى بالمقاصة. في كل الحالات، ومن ضمنها حادثة سجد، سقط أبرياء وبرصاص معروف. وكل حادثة مستقلة عن الأخرى. أم إنه ينسى ضحاياه ويسترجعهم عندما "يخطئ"؟ هذه حال معظم القوى السياسية، خاصة بعد صدور قانون العفو عن من سيصبح في مقاليد الحكم.

"الوجوه البيضاء"

ورد في رواية الياس خوري الوجوه البيضاء: "أنا أبيض، أريد شرشفا أبيض أنام عليه، وفوق الشرشف غطاء أبيض، واللمبة في وسط الغرفة، أنظر من الغطاء الأبيض فأرى الضوء يتبعثر، الضوء نقاط بيضاء. أسناني بيضاء، والحيطان، الحيطان بيضاء". تلك هي حالة بيروت عام 1981، عام صدور الرواية. أما الآن، فلا مانع من استعمال اللون الأبيض. فيتسابق المحازبون إلى طلي زعمائهم بالأبيض، هم من علّقها. كم سقط من شهداء فداء لصورة أو يافطة؟، مئة أو مئتين لا يطالب أحد بمعرفة "حقيقتهم". كم كان مفعول هذه التسوية قويا(!). اختفت المساحة الضيقة، وأطلّت الشوارع بتكاوينها الأصلية. ولكن بقي الأبيض الذي لم يغطّ، أصلا، ما الذي يغطي الأبيض؟ كان لنشاط المحازبين أثرا غير متوقع، إذ تساقطت من كل بقعة دهان قطرات متعددة رسمت خطا عامودياً على الحائط. بمن يذكر هذا التسرب؟ ربما أراد المحازبون تغطية خطوط الدماء التي تنساب من عيون الصور. أُغفل الدم، وارتسمه الأبيض، إخفاء للجريمة وتحقيقا للتسوية.

وزارة التصوير

في كل فصل خريف تبدأ المدرسة. فيندفع الأهالي وأولادهم لشراء القرطاسية والكتب المدرسية. إلا أن السعودية تأبى هذا الاندفاع، فتقتحم بدورها عقول اللبنانيين. علّها تأخذ دورا افتقدته حينما احتلّت الدوحة واتفاقها كل الشاشات. فتأخّرت الكتب. المسألة تتعلق هنا بـ44 مليونا من الدولارات. لا بأس من التصوير. علما بأن التصوير لم تشمله "المكرمة"، فقام غازي الشوباصي بحرق كتب مدرسية، قاطعا الطريق، منغّصا هناءة "المكرمة"، كانت الحجة أنه لا ينتسب إلى نقابة أصحاب المكتبات. وبعد أيام ثقيلة، وصلت الكتب، هذه المرة ناقصة. من جديد إلى التصوير. وتكرر الوزيرة، ومن يدور في فلكها، "عام من النجاح عمر من التقدم". فتراكمت التحقيقات التي تتكلم عن المحسوبيات والزواريب. وأكثرت الوزيرة، ومن يدور في فلكها، من استخدام عبارة "التزام وطني" لوصف النشاط الذي تقوم به المطابع وأصحاب المكتبات. التزام وطني واضح ومعبّر عن حقيقة هذه الكلمة، وما أنتجته خلال الحرب الأهلية. فـ44 مليون شكرا، الإمضاء: الهيئة الوطنية للمدرسة الرسمية (لفعل ماذا في المدرسة الرسمية؟)

المرشح السابق والتلفزيون والقضاء يطير بجناح واحد

إنه شارل رزق، ولأنه لا يريد شيئا لنفسه، كما كان يقول من استوزره. الوزير الطموح و"الحضاري"، ينزعج بسرعة، ويطالب بإحقاق الحق، فيستخدم حقه بالإدعاء على النيو تي في، تماما كما فعل عندما ادعى على الكيان الصهيوني، واستحصل لصالح الدولة اللبنانية على تعويضات هائلة، لكنه لم يقبضها لأنها ليست نظيفة. الوزير يفوز في المحكمة كما فاز بموقع رئاسي لم يحصل عليه، كالسفرجل في الحلق. والقضاء يستنفر لردع التطاول على "هيبته". بالطبع، هيبة الأخير كانت على ما يرام عندما رمت الميليشيات المعارضة والموالية بعضها برشاشات المياه. وكانت نتيجة التدافع في الود والعشق بين أفراد الطبقة الحاكمة والمعارضة سابقا، أكثر من مئة قتيل، الرقم غير محدد حتى هذه اللحظة. كما أن القضاء كان فاعلا جدا عندما تعرضت محطة تلفزة للحرق الشامل، وعندما حصلت تعديات "متفرقة" على صحافيين من اتجاهات مختلفة. حسنا، ولإكمال مسيرة تفعيل القضاء، لا بأس من الحجز على محتويات المحطة المعارِضة الحقيقية، دون غض النظر عن المطولات وأخبار"الزعيم" الليبي. لا يجد البطريرك الماروني من "وعظ" سوى توجيه سهامه لغادة عيد والمحطة التي تعمل بها. غادة كانت السبّاقة لكسر محرّمة "عدم التطاول على الأديان"، والدين منه براء.

أعراف مهنية وإجرام

من نقاط ضعف الجريدة اليومية هو الهم الدائم لمواكبة الحدث، وملء الفراغ، غير الفراغ المنظم. وبطبيعة الحال، تهدف كل الصحف، مبدئيا، إلى استقطاب عدد أكبر من القراء، ولتحقيق ذلك تقوم الصحف بـ"الانفتاح" على كل التيارات السياسية. أما في الجريدة اليومية اللبنانية، ففي ظل الاستقطابات الكبيرة، تقسّمت الصحف على المناطق بحسب "لونها" السياسي، فمن الطبيعي عندها أن تُمنع الصحف في المناطق المناوئة لها. في هذا الإطار، حاول صحافيون مندفعون في جريدة "الأخبار" إلى مقابلة "البيك". نُشر مضمون اللقاء. مفوضية تصحيح أقوال "البيك"، اعتبرت ما نُشر خارج الأصول والأعراف، ويعاني من تحريف، وهي، أي أقوال "البيك"، وهنا بيت القصيد، أتت ضمن لقاء غير رسمي، لم يكن مخصصا للإدلاء بتصريح صحفي. أما الأخبار فاعتذرت من قرائها (لا تعتذر عما فعلت) "لأنها سارعت إلى إطلاعهم على كواليس الحياة السياسية ولو على حساب الأعراف المهنيّة". من جديد لماذا المطالبة بتحقيق المقاصة؟ ولماذا التسابق للقاء هكذا زعماء، وما أكثرهم(!). كان من الأفضل ترك الصفحات بيضاء، كما كان يحصل زمن المراقبة المسبقة على المطبوعات. وأن يعلن من يريد من الصحف، مقاطعة تغطية أخبار الرياء، لأنها حتما تتغير تبعا لمجرى الدماء المسفوكة، ولمسار العملات الصعبة. الكلام هنا، يتناول الصحافي(ة) الحقيقي(ة)، الوجه الحقيقي للمهنة. أما الآخرون فهم "الامتهان والسيارات الفخمة". أنصار "البيك" هذا، أزعجهم صوت أسمهان المتوفاة منذ أكثر من نصف قرن، فأطلقوا النار قرب قصرها، تعبيرا عن حقد غير مكبوت، وبطولات متوَهمة. أيار ما أحقرك. شهر يقتل(؟). ومستودع يخفي مستودعا، يخفي مستودعا، يخفي سلاحا...

بائع الموز

يبيع الكيلو بـ1500 ليرة. أما الشاري فيريد كيلواً من عمق العربة. إختاره بعناية، ويريده هو فقط. البائع يبحث عن القطعة المعنية، يختل توازن العربة، وتنقلب أقراط الموز على الأرض، كل ذلك مقابل 1500 ليرة. كل تلك المصالحات لم تشمله. لم يصعد إلى قطار الوهم. لم يسقط شهيداً في زمن السلم. بل نال 1500 ليرة.