انتظرونا في كل شارع

نشر في‫:‬الثلثاء, شباط 14, 2006 - 13:54
الكاتب/ة: فاتن حسني.

الانتخابات الأخيرة في مصر دفعت بالنقاش حول الديمقراطية في الشرق الأوسط مجدداً إلى المقدمة. فاز الإخوان المسلمون بـ88 مقعد من أصل 160 نافسوا عليه. ولو كانوا قد ترشحوا كمنافس مباشر للحزب الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) على جميع المقاعد الـ444 ربما كان بإمكانهم تحصيل أغلبية ساحقة. مبارك وحزبه الحاكم لا يزالون يتمتعون بأغلبية برلمانية، ولكن الإخوان المسلمين – وهو حزب تقنياً غير قانوني في مصر - يمثلون المعارضة الأبرز في البرلمان، بالإضافة إلى كونهم جزء من الحركة الشعبية الأكبر في المنطقة.

بدورها، الولايات المتحدة طالما حمت ودافعت عن مبارك ووافقته في قمع ومنع الإخوان المعادين لإسرائيل والحلفاء الإيديولوجيين لحماس في فلسطين. لكن، وفي محاولة للتغطية على الانتقادات ضد الحرب على العراق، قامت كونداليزا رايس بجولة في المنطقة، تهنئ بالتطور الديمقراطي، وفي نفس الوقت يصرح مسؤولون في واشنطن بأن الاتصال بالإخوان المسلمين سيكون قريباً.

السؤال، إذاً، هو كيف سيواجه مبارك هذا التحدي الرافض لسلطته؟ ربما كان قرار مبارك تشريع عمل الإخوان المسلمين قرار حكيم وخطوة أولى للتقليل من شعبيتهم. من دون قمع الشرطة لهم، على الإخوان المسلمين قضاء وقت أكثر في الدفاع عن سياساتهم الاقتصادية التي لا تختلف كثيراً عن سياسات الحزب الحاكم. لكن مبارك لديه الكثير ليقلق عليه، وليس فقط الإخوان، فالجو العام في مصر غير راضٍ عن حكمه، وبالفتح أمام المعارضة فإنه قد يفتح باب الاحتجاج الواسع. السؤال الأساسي يصبح، من يستطيع أن يستفيد من هذا الواقع الجديد؟

المعارضة العلمانية الأساسية المتمثلة بحزب الغد والجبهة الوطنية من أجل التغيير كانت قد فشلت في إحراز أي تأثير فعلي في الانتخابات، بينما نجحت حركة "كفاية"، وهي جزء من الجبهة الوطنية من اجل التغيير، في تحصيل شعبية مهمة من خلال مظاهرات غاضبة في المناطق العمالية في القاهرة. مقاربتهم في "الديمقراطية القاعدية" قد تشد اهتمام الكثير من المحرومين الذين رأوا في الانتخابات هدراً للوقت. ولكن، لا شك في أن "الإخوان المسلمين" هي المؤسسة السياسية التي يجب مراقبتها الآن.

الانتخابات حصلت منذ بضعة شهور وتم إعلانها وتبجيلها كحدث ديمقراطي ومثل للكثير من الدول في الشرق الأوسط، وحيث تم استعمال صناديق اقتراع شفافة. لكن ترشُّح المئات كمستقلين، وهم فعلياً من الحزب الحاكم، لا يمكن وصفه بالديمقراطي، ولم يكن هذا العمل سوى استعراض لتشتيت أصوات المعارضة. ولا يمكننا أيضاً أن نصف بالديمقراطي ما حصل من اعتداءات وضرب واعتقال الكثير من العاملين في حملة الإخوان الانتخابية. بالإضافة إلى منع آلاف المقترعين من التصويت أو حتى الدخول إلى صناديق الاقتراع من قبل بعض المأجورين من العصابات والشرطة. وفي صناديق الاقتراع تم التزوير العلني للحيل دون نجاح بعض الناشطين البارزين، كما في إمبابة، حيث حصل المرشّح الاشتراكي كمال خليل على 600 صوت، بينما كان عدد مناصريه المنتظرين في الخارج يتعدى الألفين.

في الدورة الانتخابية الأخيرة، قامت عصابات النظام بالهجوم والضرب بالعصي وبالأحجار مقترعين محتملين للإخوان المسلمين، مما أدى إلى اشتباكات عنيفة والى مقتل ثمانية أشخاص بعد إطلاق الشرطة للرصاص الحي على الناس. الولايات المتحدة تأففت لأن هذه الاشتباكات قد تؤذي الصورة الديمقراطية، لكن موقفها لم يتعدى ذلك. وكما صرح احد الناشطين المعارضين في الولايات المتحدة، "إن حصل هذا في فنزويلا حيث شافيز، لكانت الولايات المتحدة قد قامت بتجهيز نفسها للغزو".

الانتخابات توّجت عاماً من الاحتجاجات. حزب مبارك الحاكم اضطر إلى إرسال عصاباته المأجورة مراراً، فحركة كفاية كانت تنظّم العديد من المظاهرات المفاجئة في البلاد وتقول "انتظرونا في كل شارع وحي مصري، انتظرونا إلى جانب كل بيت، المرة القادمة سنكون اقرب مما تتوقعون". حركة كفاية أيضا ساندت إضراب الستة أشهر في مصنع "اورا- مصر" في مدينة رمضان، وساندت المئات من الإضرابات الأصغر. هنا تكمن قوة الحركة، فالإخوان المسلمون لا يستطيعون ولا يريدون الدفاع عن العمال بمواجهة أرباب العمل. حركة كفاية ما تزال صغيرة والإخوان يعرفون كيف يضعون أنفسهم في مقدمة المظاهرات وتصويب الغضب ضد النظام وبعيداً عن بناء ديمقراطية قاعدية.

ماذا عن مبارك؟ المزيد من القمع أو التكيف مع الإخوان المسلمين؟ في الواقع، فإن القرار قد أخذه الأخوان أنفسهم، وترشحوا على ثلث المقاعد المتاحة، كي لا يزعجوا النظام الحاكم. أنهم يلعبون لعبة الانتظار، يريدون السيطرة، أو على الأقل التأثير على السلطة، لكنهم لا يريدون التخلّص منها. ولو قام مبارك بتشريع عمل الإخوان وإشراكهم في النقاش حول الخصخصة مثلاً، حيث أنهم ليسوا بمعارضين لها، يستطيع أن يحولهم إلى حلفاء بمواجهة المعارضة العمالية والفلاحية. والولايات المتحدة بدأت بخطوات لفتح حوار مع الإخوان، ويعتقد بعض المسؤولين في البيت الأبيض أن الوجه العنفي للإسلاميين هو نتيجة قمع وعنف السلطة ضدّهم. الولايات المتحدة وحلفاؤها يأملون أن تتحول هذه المنظمات إلى تيار إسلامي معتدل، بعد التخفيف من قمع السلطات لها. وقد يصبحون شركاء أو حلفاء محتملين. وهناك سبب آخر يدفع الإخوان المسلمين للتسوية، فمبارك يستطيع، على الأقل، أن يدعي تمثيل الـ12 مليون مسيحي في مصر، مما يجعل شعار "الإسلام هو الحل" مستحيلاً.

الإسلام الراديكالي ظهر كالقوة الأبرز في المنطقة. وتمكّن من استقطاب الكثير من الشباب والكثير ممن كانوا في الحركة اليسارية في الستينيات والسبعينيات. مثلاً، تعتبر جبهة الإنقاذ الإسلامية (FIS) في الجزائر نفسها وريثة الحركة الوطنية للتحرير، وتسمى بـfils، أي الابن في الفرنسية. سياساتهم الاقتصادية لا تواجه دينامكية السلطة. خطابهم المعادي للفساد والذي يدعو إلى الأعمال الخيرية لا يقف بمواجهة المصارف ولا بمواجهة منظمات الرأسمال العالمي.

انتصار الإخوان في مصر ضعضع النظام. لكن مجموعات مثل "كفاية" تواجه الآن تحدي العمل مع الإخوان لدفع حركة وسرعة التغيير، وفي نفس الوقت البقاء كمستقلين يستطيعون الاستفادة من عدم مقدرة الإخوان على الوقوف بمواجهة السياسات النيوليبرالية التي يقودها مبارك.