عن الثورة الاجتماعية

نشر في‫:‬الجمعة, تشرين اول 14, 2005 - 14:58
الكاتب/ة: مازن الهبر.

"هناك شبح يحوم فوق العالم هو شبح الشيوعية". هكذا بدأ ماركس وإنجلس مقدمة "البيان الشيوعي" في العام 1848. كان هدف الكاتبين إبراز قلق البورجوازية، الحديثة العهد حينذاك، من بداية تشكّل حركة عمّالية ضمن الطبقة النقيض لمشروعها. ماذا تبقى اليوم من هذا الشبح في عصر الرأسمالية الجديدة أو عصر "العولمة" – كما يحلو لبعض المثقفين البرجوازيين تسميتها لإغفال طابعا الرأسمالي الاستغلالي، أو القرية العالمية، كما يطيب للبعض الآخر تصويرها للغرض التضليلي ذاته.
منذ بداية تشكّلها، بدأت الرأسمالية تنمو بشكل منفلت وسريع. توسُّع الإنتاج والاستعمار وفتح أسواق جديدة والحروب المتعددة حتّمت تطوراً علمياً لتمكين استغلال الموارد الطبيعية إلى حدّها الأقصى. لكن هذا النمو لم يؤدي إلا إلى تركز رؤوس الأموال ضمن مجموعة من الشركات التي أصبحت تتحكم بمصير الكوكب وشعوبه من خلال تشكيلها لاحتكارات عالمية تسيطر على تدفق رؤوس الأموال والبضائع.
ترافق هذا النمو مع تكدس كبير للرساميل كنتيجة للتوسع الإنتاجي، وهذا الفائض الإنتاجي توقف عن إيجاد منافذ وافية الربح، هنا يكمن السبب الأساس الذي يؤدي إلى الأزمات. فتاريخ الرأسمالية بالتالي ليس إلا "سلسلة متواصلة من الأزمات، القصيرة والطويلة..."
رغم تلك الأزمات يستمر النمو السرطاني والانفلات الإنتاجي بتهديد مستقبل الأجيال المقبلة وسط تجاهل دولي للمشاكل وللنتائج الكارثية التي ستنتج. فأعداد الفقراء في تزايد مضطرد، أضف إلى ذلك التزايد السكاني الذي بلغ حدود مقلقة مما ينذر بكارثة اجتماعية إذا استمر تهميش هذه المجتمعات واستغلالها بالشكل الوحشي الذي يتم الآن. فشركة NIKE مثلا تمتلك 700 معمل في آسيا (124 معمل في الصين، 73 في تايلاند، 35 في كوريا الجنوبية، 34 في فيتنام، الخ.) يعمل فيها 650,000 إنسان. وتفيد التقارير عن معاملة لا إنسانية "جسديا وفعليا" خاصة في دول آسيا، فـ25% إلى 50% من هذه المعامل تمنع العمال من دخول المرحاض أو حتى شرب المياه خلال دوام العمل!! أما يوم عطلة كل سبعة أيام فهو مرفوض. ودوام العمل في أكثر من نصف معامل NIKE هو60 ساعة في الأسبوع، وتتم معاقبة العمال الذين يرفضون ساعات العمل الإضافي. وهذا مثال واحد من مئات الأمثلة.
إضافة إلى استهلاك البشر، يستهلك النظام مقدّرات الكوكب الطبيعية والحيوية وبالتالي قدرته على استيعاب المليارات السبع التي تعيش فيه. فالتلوث بلغ مؤشرات خطرة خاصة على صعيد انبعاث الغازات الدفيئة، التي بحال استمرار معدلاتها الحالية، فإن الزيادة في حرارة الكوكب ستبلغ بحلول العام 2100 الـ5.1 درجة مئوية بحسب مؤشرات ألـUNFCC (United Nations Framework Convention on Climate Change ). هذه النسبة كفيلة بالقضاء على جميع أنواع الحياة على الأرض.
مؤتمر كيوتو الذي عقد في العام 1997 للحد من الانبعاث الحراري نتج عنه ميثاق لتخفيض انبعاث ثاني أكسيد الكربون ووقّعت عليه معظم الدول. لكن ما من آليات لفرض تطبيقه. فالولايات المتحدة الأميركية ترفض التوقيع عليه لأن "الاتفاقية تضع قيوداً على الاقتصاد" بحسب جورج بوش. كما أن مجلس الشيوخ الأميركي رفض تطبيق البنود بأغلبية جمهورية وديمقراطية. وبالرغم من الاتفاقية فإن معدلات الانبعاث من دول الاتحاد الأوروبي ما زالت تتزايد وبلغت نسبتها 1.5% بين عامي 2002 و2003. ومن السخرية أن تكون من أوائل الظواهر الطبيعية المدمرة المترافقة مع الارتفاع العالمي للحرارة هي إعصار كاترينا الذي ضرب أكبر دولة منتجة لثاني أكسيد الكربون، الولايات المتحدة.
من المؤكد أن السبب أساسي وراء رفض هذه الدول تخفيض انبعاث الغازات هو الخوف على انخفاض نسب الأرباح بسبب زيادة كلفة الإنتاج إذا تم تطبيق المعايير البيئية. ومن نافل القول أن سبب الربح ذاته وضع العالم كلّه تقريبا في حالة حرب، على النفط وغيره.
نتيجة لما تقدم، فإن حفنة من أصحاب الشركات الرأسمالية تقرر مصير الأغلبية المتبقية من السكان في جميع أنحاء العالم. وبسبب الاستغلال والحروب والتلوث، أصبح شعار تغيير العالم يضم شريحة ربما هي الأكبر في تاريخ النضال ضد الرأسمالية.
الاقتصاد المعولم بحاجة إلى جبهة عالمية لمواجهته. إنها مسؤولية الجميع: من الجمعيات البيئية وجمعيات حقوق الإنسان إلى الأحزاب والمجموعات المناهضة للعولمة... جميعها بدأت تطرح شعارات أكثر راديكالية وأصبح لديها سجل نضالي حافل من سياتل إلى أدنبره... طريق التغيير ما تزال في بدايتها، لكن التغيير حقيقة تاريخية، وهذا النمو المنفلت لا يمكن أن يستمر إلى ما لانهاية.