عن مفهوم الطغمة المالية وجدل مهدي عامل مع فواز طرابلسي

نشر في‫:‬الأحد, تشرين ثاني 12, 2017 - 18:38
العمل للرسامة: Hilma af Klint
الكاتب/ة: هيفاء أحمد الجندي.


إن مفهوم الطغمة المالية واحد من المفاهيم التي أثارت جدلاً مع المفكر اللبناني فواز طرابلسي، ودفعت مهدي عامل لسجاله والنقاش معه وكان حواراً فيه من التشابه والاتفاق أكثر من الاختلاف الذي بالغ مهدي في إظهاره.


في البداية سوف نورد نصاً لفواز طرابلسي ومن ثم نبدأ بالتعليق والتحليل. يقول  طرابلسي: "إن مفهوم الطغمة المالية الذي استخدم لفترة طويلة في تعيين نمط الإنتاج السائد في لبنان وفي تحديد طبيعة السلطة الطبقية فيه، إنه نموذج براني، فينتقل بطريقة ميكانيكية من حقل نظري إلى حقل نظري آخر.

مفهوم الطغمة المالية يقيم تطابقاً خاطئاً بين الطبقة المسيطرة اقتصادياً وبين الفئة السياسية الحاكمة، إن البورجوازية التجارية ـ المصرفية هي الطبقة المسيطرة اقتصادياً لكنها تحدد دورها كفئة حاكمة وكوكيل سياسي للبورجوازية". (ورد في مهدي عامل النظرية في الممارسة السياسية، ص. 219ـ 220).

من جانبه، يعتبر مهدي عامل أن الحقل النظري الذي نقل عنه طرابلسي له طابع كوني خاص بنمط الإنتاج الرأسمالي كنظام عالمي في طوره الامبريالي وبالتالي يضع طرابلسي علاقة البنية الاجتماعية الكولونيالية في علاقة خارجية مع البنية الاجتماعية الامبريالية ويقيم فاصلاً ويعزل فيما بينهما وتوجد - والكلام لمهدي - علاقة بنيوية تربط تناقضياً وصراعياً بنيتين متميزتين مختلفتين في بنية معقدة هي البنية الكونية لنمط الإنتاج الرأسمالي الذي يتميز في وجوده التاريخي في شكلين منه مختلفين متناقضين: شكله الامبريالي وشكله الكولونيالي، وبتغييب العلاقة الخارجية التي يقود تغييبها إلى تغييب الطابع الكوني، عندها ينزلق إلى صعيد المنطق الميكانيكي ويسقط العلاقة الكولونيالية ولذلك استخدم مفاهيم برانية وجوانية.

بعد أن استعرضنا وجهتي النظر، لا نجد غضاضة من أن نعتمد على لينين بما يخص مفهوم الطغمة المالية ليكون الخصم والحكم. لينين اعتبر أن تاريخ نشوء الطغمة المالية ناتج عن اندماج البنكي بالصناعي وعلى أثره، يصل الإنتاج إلى درجة من التمركز حيث تنشأ الاحتكارات ويظهر رأس المال الاحتكاري الذي يسمح لنا بالتكلم عن وجود الطغمة المالية وهي تشكل ذروة التطور الرأسمالي والذي مرَّ بمراحل متعددة من رأسمال نقدي تجاري تم تحويله إلى صناعي ومن ثم إلى بنكي وصولاً إلى الفئة المهيمنة من البورجوازية الامبريالية، ويعني ذلك أن سيطرة الرأسمال المالي هي مرحلة عليا من تطور الرأسمالية حيث يفصل ملكية الرأسمال تعني سيطرة الطغمة المالية.
إن نشوء الطغمة المالية على أساس الرأسمال المالي افتتح عهد الاحتكار حيث حلت الاحتكارات محل المزاحمة الحرة بل تعيش فوقها. (لينين: الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية).


من خلال التوصيف الدقيق الذي قدمه لينين لتاريخ تكوّن الرأسمال المالي، يمكن الاستنتاج أن الطغمة المالية / الفئة المحتكرة، أتت في سياق التطور التاريخي للرأسمالية في الغرب، فأين البنية والتركيب الاقتصادي ـ الاجتماعي اللبناني من هذا المسار ومن التوصيف اللينيني، سيما وأن الطغمة المالية نشأت عن الرأسمالية حيث الإنتاج البضاعي والمزاحمة، فهل اختار مهدي ما يناسب البنية وأسقط مجموعة من السمات التاريخية التي ارتبطت بهذا المفهوم يا ترى؟


هذا يقودنا إلى أن طرابلسي كان منسجماً مع ما طرح من حيث إنكاره لوجود الطغمة المالية لأنه لم يؤكد بالأساس وجود نمط إنتاج رأسمالي ولم يكن هاجسه البحث عن نمط إنتاج سائد أو مهيمن كما فعل مهدي الذي كان يحاول دائماً ببحثه وتنظيره إلى أن يثبت نمط إنتاج سائد في البنية وهو ما أطلق عليه تارة نمط إنتاج كولونيالي وتارة أخرى نظام إنتاج كولونيالي ولكن يبقى القاسم المشترك بينهما- أي بين النمط والنظام- الارتباط البنيوي التبعي بالإنتاج الامبريالي عبر العلاقة الكولونيالية والتي اتهم  طرابلسي بإسقاطه لها وكيف يتهم مهدي طرابلسي بإسقاطه للعلاقة الكولونيالية أو التبعية في الوقت الذي أعطى فيها هذا الأخير للبورجوازية اللبنانية صفة التجارية والمصرفية ولا أعتقد بأنه يوجد اختلاف بين البورجوازية الكولونيالية والتجارية إلا بالتسمية!

أليست البورجوازية التجارية هي كولونيالية، سنورد نصاً لمهدي يظهر تناقضه من حيث هو متفق مع ما طرحه طرابلسي يقول مهدي: “البورجوازية الكولونيالية هي تجارية ويستحيل أن تصبح صناعية لأنها ولدت مشلولة عبر العلاقة الكولونيالية ولأن الرأسمال التجاري لا يستطيع أن يتحول إلى صناعي لأن التجارة تجارة كولونيالية قائمة على الاستيراد والتصدير، والذي مكن انتقال الرأسمال التجاري في الغرب إلى صناعي هو أن حركة الانتقال كانت تتحقق بشكل مستقل بمعزل عن العلاقة الكولونيالية”.


فكيف يتهم مهدي عامل طرابلسي بنقله للمفاهيم بشكل ميكانيكي وهو الأدرى بالسياق التاريخي لتكّون الطغمة المالية من حيث أنه أسقط المرحلة الصناعية من هذا المسار؟ وبطبيعة الحال فإن الرأسمال التجاري لا يمكن أن يتحول إلى صناعي ولا يحق أن ندين أحداً ما وننعته بالتماثل لمجرد أنه لم يورد مصطلح العلاقة الكولونيالية في الوقت الذي أقر طرابلسي بوجودها التاريخي عندما وصفها بالتجارية ـ المصرفية. لا نعتقد أن مهدي يختلف مع طرابلسي من حيث أن البورجوازية التجارية هي المسيطرة اقتصادياً وتحكم بواسطة الإقطاع السياسي بالوكالة. 
وبهذا الخصوص يقول مهدي: “لأن البورجوازية تفتقد النفوذ السياسي الذي تمتلكه الإقطاعات بحكم موقعها السياسي التقليدي المسيطر في علاقات الإنتاج السابقة على الرأسمالية والبورجوازية توكل الإقطاعات بدور سياسي وهو ضرورة سياسية طبقية لمنع تكون الطبقات الكادحة كقوة سياسية مستقلة وتأخذ ريعاً لقاء خدماتها التي تؤمن تجدد السيطرة الطبقية وضبط حركة الصراع”.


وهل يمكن لأحد أن ينكر التقارب بين الاثنين؟ لا نعتقد ذلك، لكننا نلمس تناقضاً عند مهدي حيث أنه يحاكم طرابلسي من حيث حاكمناه في بداية هذه الدراسة، ويظهر ارتباكاً وتناقضاً في الوقت الذي أبدى فيه الآخر واقعية أكثر. الاختلاف كان لفظياً أكثر منه فكرياً مع أن مهدي لم يظهر بشكل كافٍ الفروقات الموجودة بين مفهوم الرأسمالية التجارية عند طرابلسي والبورجوازية الكولونيالية على مستوى المسميات واللذان لهما ذات المعنى والهدف.


ومن أجل تعميق الحوار والسجال والحث على التفكير الذي يثيره هذا النقاش الغني الذي يحقق متعة للقارئ ندعوه إلى أن يشاركنا هذه الحوارية كعنصر فاعل ومؤثر في عملية الحوار التي تدور بين المفكرين اللذين ينتميان إلى ذات المدرسة الفكرية.


من بين الأفكار التي استدعت رداً ونقاشاً من قبل مهدي عامل على ما طرحه طرابلسي لجهة التركيب اللبناني ما مفاده أن البورجوازية في لبنان تجارية ـ مصرفية تلعب دور الوسيط بين السوق والداخل العربي وتشكل جزءاً من نمط الإنتاج الامبريالي والتحقت بنمط الإنتاج الامبريالي دون أن تبني لنفسها نمط إنتاج خاص وهي تغزو أنماط الإنتاج (نمط سوقي صغير في الزراعة، والإنتاج الحرفي، ونمط الإنتاج الرأسمالي الصناعي الخاضع من الخارج) أي تستغل المنتجين بالمحافظة على علاقات التبعية التقليدية وشبه الإقطاعية السابقة. والاستغلال الذي تمارسه الرأسمالية التجارية ـ المصرفية على المنتجين يجد أساسه في استمرار علاقات الولاء والتبعية، العصبية، العشائرية، الطائفية. ويضيف طرابلسي، بما خص المجتمع اللبناني، بأنه في مرحلة من التكون الطبقي الانتقالي المعاق (ص 223).

ينطلق مهدي بنقده من هاجسه الأساسي الذي استحوذ على إنتاجه الفكري وهو: إثبات نمط إنتاج مسيطر. والاختلاف بين المفكرين ليس إلا إقراراً بالاعتماد على النص السابق إلا بالاتفاق على تحديد هذه البورجوازية موقعها ودورها من حيث ما تقوم به من نهب للأشكال الما قبل رأسمالية بحكم كونها وكيلة الرأسمال الأجنبي؛ فهل يمكن القول بأن طرابلسي أسقط العلاقة الكولونيالية من تحليله وهو القائل أن الرأسمالية جزء من الإمبريالية. لا ندري لماذا يتغافل مهدي عن صفة الرأسمالية ذاتها على أنها تجارية، ولو كانت حقاً مستقلة لما كان طرابلسي نقد مفهوم الطغمة المالية. وبمجرد إطلاق صفة تجارية على الرأسمالية فهذا يعني وجود فئة تعمل للخارج ومقتصرة على التداول. والتجارة الخارجية بعلاقتها بالبلدان المتخلفة هي شكل من أشكال الاستعمار، وتكون رأسمالية غير منتجة. بناء عليه ينقد طرابلسي النقل الميكانيكي لمفهوم الطغمة المالية لأنه لم يؤكد بالأساس وجود نمط إنتاج رأسمالي في لبنان ولو أكد لا ننفي وجود الأشكال الما قبل رأسمالية وجرى تعميم لسوق العمل وبدأت عملية التراكم المستقل والوطني.


ورداً على فكرة طرابلسي بأن المجتمع اللبناني في مرحلة من التكوين الطبقي الانتقالي المعاق يتساءل مهدي من أي بنية إلى أي بنية ينتقل المجتمع معتبراً أن الإعاقة ليست في الانتقال وإنما الإعاقة هي التطور ذاته والإعاقة في التبعية التي سدت آفاق التطور الرأسمالي الطبيعي. من ثم يتساءل مهدي هل المجتمع اللبناني في مرحلة انتقال من الطائفية إلى بنية العلاقات الطبقية.
بعد ذلك يستنتج مهدي من خلال حواره مع فواز طرابلسي بأنه يوجد بنيتين هما في علاقة خارجية لكنهما مختلفتان: بنية علاقات الإنتاج وهي بالتحديد علاقات الإنتاج السابقة، أما الثانية فهي مصرفية ـ تجارية وهي ليست ببنية علاقات إنتاج ويحددها بأنها الخارج الملتصق بالإنتاج الداخلي في المجتمع اللبناني يتعايش الداخل والخارج.


إذا كانت العلاقة خارجية بين البنيتين، كيف يفسر مهدي استخدام طرابلسي لمفاهيم مثل تستغل، تغزو، تنهب ألا يؤكد هذا على وجود العلاقة الرأسمالية التي هي علاقة استغلال وعلاقة الاستغلال تستوجب وجود طرفين هما في علاقة خضوع، سيطرة، بمعنى وجود طرف خاضع، مستغل وآخر مسيطر ومستغل، ينهب ويشفط الفائض من المنتجين كونه وسيط الرأسمال الأجنبي.


وطبيعي أن توظف الرأسمالية التجارية أشكال الوعي التقليدي لتكريس سيطرتها. ولربما نختلف مع  طرابلسي بحالة الانفصال التي أقامها بين قطاع تقليدي متجه نحو الداخل، ورأسمالي نحو الخارج سيما وأن القطاع التقليدي خاضع للرأسمال الأجنبي بواسطة البورجوازية التجارية القائمة على الزراعة التصديرية وهذا ما يعرض الفلاحين والمنتجين للاستغلال المضاعف ويطردهم تحت مزاحمة المنتجات الأجنبية. وفي ظل الهيمنة الامبريالية، يستدرك مهدي ومعه كامل الحق، في ظل غزو الرأس المال المالي ضمن التقسيم العالمي للعمل لا يوجد داخل وخارج لأن القطاعات كلها بالنسبة للرأسمالية هي منتجة للربح. والأخير هو المحرك الأساسي والقطاع الذي يدر أرباحاً طائلة في لبنان- وبهذا الشرح أكد ما عبر عنه طرابلسي من طبيعة الرأسمالية أنها تجاريةـ مصرفية- وهو قطاع الخدمات والصيرفة.


بحواره مع فواز طرابلسي، كان مهدي يفكر فكره ويطرح تساؤلاته، ولوهلة انتابنا إحساس أن مهدي يحاور مهدي. وهذا تناقض مهدي التاريخي وخاصة عندما نقد فواز طرابلسي بثنائية الداخل والخارج وهو القائل بأن تطور الإنتاج في البلد المستعمر يحافظ على الإنتاج التقليدي في حركة تفكيكه وتهديمه له. والتطور التكراري للإنتاج التقليدي ليس ممكناً إلا في إطار الإنتاج الرأسمالي المشوه.