مأْساة "كرونشتاد": قراءة أخرى

نشر في‫:‬الخميس, تشرين ثاني 9, 2017 - 13:18
Robert Delaunay, 1938, Rythme n°1,
الكاتب/ة: أوليفيه بوزانسونو، ميكائيل لووي.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ عمرو جمال      
المصدر‫:‬      

روايتا الصراع

يشكل تمرد "كرونشتاد"، سنة 1921، وقمعه من طرف الدولة السوفييتية موضوع خلاف بين  الآناركيين والماركسيين وخاصة بين الآناركيين والتروتسكيين وذلك منذ حوالي قرن. فسنحاول هنا إعادة قراءة لتلك المواجهة المأساوية بمنظور جديد. فلنُذكِّر سريعا بالأحداث. في بداية  1921، انتهت الحرب الأهلية في الإتحاد السوفييتي بهزيمة البيض؛ إلا أن وضع البلاد المنهك (القاسي) والجوع وصرامة "شيوعية الحرب" أدى إلى عدة انتفاضات واحتجاجات. ففي فبراير كانت هناك إضرابات ومظاهرات عمالية في بيتروغراد (وهي مدينة في شمال غرب روسيا في دلتا نهر نيفا، شرق خليج فنلندا، في بحر البلطيق. المترجم) أثارت تعاطف بحارة "كرونشتاد" والتي كانت قلعة استراتيجية ومركزا للأسطول البحري في جزيرة على بحر البلطيق والمتمركزة في مرفأ (ميناء) بيتروغراد (المعروفة حاليا بسان بيترسبورغ). فكانت القاعدة العسكرية، ومن ورائها الجزيرة وسكانها، معقلا لثورة 1917- 1918. في أول مارس، تم الدعوة إلى عقد جمعية عامة في ميدان المرساة في وسط " كرونشتاد". كان عدد الحضور 16000 من بحارين وجنود وعمال.

وتم دعوة "ميخائيل كالينين" Mikhaïl Kalinine، رئيس مجلس رئاسة السوفيات الأعلى، و"كوزمين " Kouzmine، محافظ أسطول البلطيق، اللذان استقبلا بحفاوة على وقع الموسيقى العسكرية وباللافتات. وخلال انعقاد الجمعية، قام بحارة الطراد "بيتروبافلوفسك" Petropavlovsk بتقديم وثيقة تتضمن مجموعة قرارات حتى يتم الموافقة عليها من طرف الجمعية؛ وتمت الموافقة بالإجماع على تلك القرارات، ما عدا صوتي ممثلا السلطة السوفييتية، "كالينين" و"كوزمين". وكانت من ضمن طلبات البحارة: إعادة انتخاب ممثلي السوفييت بالإقتراع السري، وحرية التعبير والصحافة للعمال والفلاحين، للأناركيين والأحزاب الإشتراكية اليسارية، وحرية إجتماع التنظيمات النقابية والفلاحية؛ كما تضمنت المطالب منح الفلاحين كامل الحرية على أراضيهم والحق في تملك الماشية بشرط أن يباشروا العمل بأنفسهم دون اللجوء إلى أجراء، وأن يتم ترخيص الإنتاج الحرفي دون استخدام أجراء.

وتصاعدت، أثناء الأحداث، أصواتا تطالب بانتخاب جمعية تأسيسية وأصواتا أخرى تقترح تكوين "سوفييتات بدون بلاشفة". وكان الشعار الأوحد في صحيفة "الإيزفيستيا" Izvestia في "كرونشتاد" هو: "السلطة كلها للسوفييت وليست للأحزاب".

في يوم 2 مارس أقيم مؤتمرا في "كرونشتاد" برئاسة البحار "بتريشانكو" وحضره 300 عضوا. تم أثناء ذلك المؤتمر انتخاب لجنة مؤقتة واعتقال رئيسي السوفييت الشيوعيين وهما "كوزمين" و"فاسيلييف". على إثر ذلك، شجبت إذاعة موسكو ما نعتته بالتمرد قاده جنرالا في النظام القديم، "كوزلوفسكي" بإيحاء من الإستخبارات الفرنسية، – كان "كوزلوفسكي" متواجدا فعلا في القلعة، أثناء الأحداث، إلا أنه لم يكن قائد الحركة -. وقام "لينين" و"تروتسكي"، يوم 5 مارس، بمنح مهلة للمتمردين وإعلان "بيتروغراد" مدينة تحت الحصار. في أعقاب ذلك، بعث الأناركيون الأمريكيون المتواجدون حينذاك في موسكو – "إيما غولدمان"، و"ألكساندر بيركمان"، و"بيركوس" و"بيتروفسكي" –  رسالة إلى "زينوفييف" Zinoviev، القائد البولشيفي الرئيسي في بيتروغراد، يناشدونه فيها التفاوض مع كرونشتاد حتى يتم التوصل إلى حل سلمي للصراع.

ويُعتبر نص تلك الرسالة من أهم المراجع  لتلك الأحداث المأساوية؛ تقول الرسالة: "لقد ولّد البرد والجوع ذلك التذمر (…) ومن المؤكد أن تنظيمات من الجيش الأبيض حاولت استغلال ذلك التذمر لمصلحتها، فقامت – متوارية خلف العمال والبحارة – بإلقاء الشعارات والمطالب  المتعلقة بالجمعية التأسيسية، وبالتبادل التجاري الحر ومطالب أخرى مشابهة. نحن الآناركيون، (…) سنقاوم بالسلاح كل عمل مضاد للثورة (…) اليد في اليد مع البلاشفة. أما فيما يخص الصراع الحالي (…) فنحن نرى أنه يجب حله دون اللجوء إلى قوة السلاح بل باتفاق يعكس الأخوة وروح الرفاق الثورية (…) أيها الرفاق البولشيفيين، عليكم بالتفكير قبل فوات الأوان".

وفي هذا السياق، اقترح الآناركيون الأمريكيون إرسال لجنة إلى كرونشتاد مكونة من خمسة أشخاص من بينهم إثنين آناركيين. لم يعمل "زينوفييف" بذلك الإقتراح. وبدأ يوم 7 مارس تبادل القصف بالمدافع بين كرونشتاد وبيتروغراد.

في يوم 8 مارس، وفي بداية أعمال المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي، أطلقت يومية "إيزفستيا" Izvestia، في كرونشتاد، نداءا ببدء "الثورة الروسية الثالثة" التي ستفتح مسارا جديدا لتأسيس الإشتراكية".بين 8 و 15 مارس، قام الجيش الأحمر بعدة حملات هجومية على الجزيرة تصدى لها المتمردون. انتهى المؤتمر العاشر للحزب بإطلاق عدة قرارات تنص على تطبيق السياسة الإقتصادية الجديدة (NEP) والتي تسمح بحرية اقتصادية أكبر للفلاحين والحرفيين. وفي يوم 16 مارس، قام سلاح المدفعية والطيران بهجوم شامل على القلعة واستطاع الجيش الأحمر، يومي 17 و18 مارس، استعادة كرونشتاد مع خسائر كبيرة في الجانبين.

تم اعتقال 2000 من المتمردين وإعدام بعضهم في نفس المكان الذي قُبض عليهم فيه، بينما تم إعدام آخرين في سجون "التشيكا" La Tcheka خلال الأشهر التي تلت الأحداث (كان عددهم بالمئات حسب فيكتور سيرج).

تنبيه: لقد استعملنا في هذا التذكير الوجيز بأحداث كرونشتاد، تقسيما زمنيا جاء ضمن منشورات "البديل الأناركي"L’alternative libertaire في 1921 – صفحة 122، بعنوان "تمرد كرونشتاد الحمراء – 1921″ والتي تم نشرها في 2008. لقد حاولنا فقط تلخيص الأحداث دون إبداء أي حكم على المضمون.

لقد تم تقديم تفسيرين لتلك الأحداث، أو بالأحرى، روايتين متناقضتين تماما. لقد صنف البلاشفة، وعلى رأسهم "لينين" و"تروتسكي"، أحداث كرونشتاد على أنها ثورة مضادة. فقال "لينين" في تقريره أمام المؤتمر العاشر، يوم 8 مارس، أن أحداث كرونشتاد حركة قام بها الإشتراكيون الثوريون و الحرس الأبيض من الخارج، و بالتالي أفضت الحركة إلى ثورة مضادة تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة وإلى حركة من البورجوازية الصغيرة الآناركية"؛ بمعنى آخر، هي حركة "من صنع آناركيين، دائما ما كانوا مناهضين لدكتاتورية البروليتاريا ومطالبين بتحرير التجارة"(1). في تصريح آخر أمام المؤتمر، لخص "لينين" القضية في جملة أقرب ما تكون للواقع قائلا: "يرفض من في كرونشتاد سلطة الحرس الأبيض و سلطتنا، إلا أنه ليس أمامهم أية سلطة أخرى". أما "تروتسكي"، فاستشهد بكثافة بمقال نُشر في نصف فبراير في الجريدة الفرنسية "لو ماتان"Le matin، أُعلِن فيها عن بداية انتفاضة في كرونشتاد، كدليل على أن "بؤر الثورة المضادة متواجدة في الخارج (2). وبعد فترة من الوقت، وبعد أن فرض عليه الخصوم أو الأصدقاء – وكان من بينهم "فيكتور سيرج" – تفسير تلك الأحداث، قدم "تروتسكي" تفسيرا سوسيولوجيا (اجتماعيا) قائلا:"إن أفكار المتمردين الشديدة الرجعية كانت تعكس عداء طبقة الفلاحين المتخلفة للعمال (…)، و كراهية البورجوازي الصغير للإنضباط الثوري؛ و بالتالي كانت لتلك الحركة طابع الثورة المضادة"(3).

ولم يقدم تروتسكي تفسيرا أقل حدة  إلا في سنة 1939 في كتابه عن حياة ستالين، حيث قال:"ما قامت به الحكومة السوفييتية، مُكرهة، في كرونشتاد كانت ضرورة مأساوية؛ لم يكن يتسنى للحكومة الثورية أن "تقدم هدية" للبحارة المتمردين في بيتروغراد فقط لأن مجموعة من الآناركيين والأشتراكيين الثوريين، المشكوك في انتمائهم، تحكّموا في حفنة من الفلاحين الرجعيين وبعض العساكر المتمردين. لقد أثير نفس الجدل في حالة "ماخنو" وبعض ممن كانوا "مشروع ثوريين" الذين تصرفوا بطريقة سيئة للغاية حتى لو كانت وراء تصرفاتهم نية حسنة"(4). ولقد تم الأخذ بهذا التبرير، ألا وهو "الضرورة المأساوية"، من طرف الحركة التروتسكية، مثل "بيير فرانك" الذي أخذ بذلك التبرير في كتيب تم نشره في سنة 1976.

أما الرواية الآناركية فهي، بطبيعة الحال، مختلفة تماما؛ حيث تطرح تصريحات المتمردين، من الأول، فكرة "الثورة الروسية الثالثة" ضد "هيمنة الشيوعيين". في سنة 1922، أكد "ألكسندر بيركمان"، في إحدى كتاباته بأن كرونشتاد، وهي أول خطوة في اتجاه الثورة الثالثة، "أظهرت بأن النظام البولشفي ما هو إلا استبدادا ورجعية وأن الدولة الشيوعية تمثل بنفسها الثورة المضادة الأقوى والأخطر"(5). وسيتم الخوض بإسهاب في هذه التحاليل في كتابات عديدة مثل كتاب "إيدا ميت" Ida Mett ، بعنوان "كمونة كرونشتاد وغروب السوفييتات الدامي" (تم نشره في دار "سبارتكوس للنشر" في باريس سنة 1938)، أو كتاب "ألكسندر سكيردا"  Alexandre Skirda، بعنوان "كرونشتاد 1921، بروليتاريا ضد البولشفية" (دار النشر "رأس الأوراق" Tête des feuilles ،1971). ويتسم هذا الكتاب بالحدة حيث يشجب "الثورة المضادة البولشفية" منذ بدايتها … في أكتوبر 1917.

والأكثر إثارة للأهتمام هو ذلك العمل الجماعي الذي نشرته منظمة "البديل الأناركي" Alternatives Libertaires بعنوان "1921 – انتفاضة كرونشتاد الحمراء" وهو عبارة عن مجموعة وثائق مع مقدمة كتبها "باتريس سبادوني" Patrice Spadoni بعنوان "كرونشتاد أو غلطة "لينين" و"تروتسكي" المأساوية"، حيث يعترف سبادوني بصدق ثورية "لينين" و"تروتسكي" ولكنه يرى أنهما مسؤولان على ما تم من إستحواذ على الحزب والسلطة.

ونقرأ في نفس الكتاب نصا لا يحمل تاريخا وموقّع من طرف "الحركة الشيوعية الأناركية" Le mouvement communiste libertaire التي تلقب "تروتسكي" ب "غاليفيت" Gallifet كمونة كرونشتاد" (للعلم، "غاليفيت" هو جنرال فرنسي قام بمجزرة ضد ثوار كمونة باريس حيث قَتل 3000 منهم. – المترجم). ويعتمد هذا النص، دون كياسة، على رؤية مضادة للبولشيفية، حيث يقول مثلا:"إن الثورة المضادة التي هزمت كرونشتاد ليست ثورة البيض المضادة، بل هي الثورة المضادة المقنَعة للبيروقراطية البولشفية "(6).

أما فيما يخصنا، فنحن نرى أن الروايتين أو الرأيين أحاديين وغير مرضيين، حيث – في رأينا– لم يكن الصراع بين كرونشتاد والسلطة البولشيفية معركة بين الثورة والثورة المضادة – وهاتان الرؤيتان موجودتان في الإثنتين وإن كانت كل واحدة منهما تقلب مواقع الشخصيات المشاركة في الصراع – بل كانت كرونشتاد مواجهة مأساوية واقتتال بين إخوة ورفاق يمثلان تياران ثوريان. وبالتالي، يتقاسم مسؤولية تلك المأساة بالتساوي كل الأطراف المشاركة وخاصة منهم من كان في السلطة في ذلك الوقت.

رأي مخالف: "فيكتور سيرج" Victor Serge

"فيكتور سيرج" (1890-1948) كاتب فرنسي – روسي ومناضل أناركي – سُجن لسنوات عديدة في فرنسا، حيث اتُهم (زورا) بالتواطؤ مع "عصابة بونو"  La bande à  Bonnot [مجموعة  أناركية مقتنعة أن الأعمال غير الشرعية يمكنها أن تساعد الثورة- المترجم] – انضم إلى البلشفية بعد 1917، وهو صديق ل"لينين" و"تروتسكي". سجنه "ستالين" في سيبريا بسبب دعمه للمعارضة اليسارية [إتجاه داخل الحزب الشيوعي السوفيتي من 1923 إلى 1927، بقيادة "تروتسكي" وأعضاء سابقين داخل المعارضة العمالية – وهي مجموعة كُونَت في 1919، وظهرت خصوصا في شتاء 1920-1921، أثناء مناقشة مشكلة النقابات – المترجم] ثم نُفي إلى فرنسا، وبعد ذلك إلى المكسيك. يُعتبر"فيكتور سيرج"  "ماركسيا أناركيا"، والذي، رغم انضمامه إلى الماركسية والتروتسكية، احتفظ بميل إلى الأفكار الأناركية. فجاءت تعليقاته على "كرونشتاد" – التي أدت إلى خلافه مع صديقه "ليف دافيدوفيتش"- مُلفتة وأقل أُحاديّة من النسختين المتضادتين اللتين لخصناهما سابقا.

في ظل الأحداث، أيد "فيتكور سيرج" محاولة الوساطة الأناركية، ولكن التحق بالبلاشفة في اللحظة الاخيرة. وجاء قراره بالعودة بالتحليل إلى مأساة كرونشتاد كرد على رسالة "تروتسكي" التي وجهها هذا الأخير إلى "وينديلين توماس" والتي نُشرت في يوليو 1937.

يبدأ "فيكتور سيرج" برفض حجة "تروتسكي" التي تنص على أن "التمرد بدأ بسبب رغبة الحصول على حصص تموينية إضافية". وقال أن ذلك ليس حقيقيا، ولم يطلب بحارة كرونشتاد إمتيازات: فهم كانوا يطالبون بإزالة حواجز الميليشيات التي كانت تمنع الشعب من حصوله على التموين من الأرياف. ولكن بالنسبة له، كان لمتمردي كرونشتاد "مطلب سياسي خطير للغاية في ذلك الوقت، ولكنه مطلب عام، ثوري صريح وبالتالي لا يبحث عن مصلحة: حيث كانوا يطالبون "بسوفييتات منتخبة ديمقراطيا".

يؤكد "سيرج" أنه كان من السهل تجنب التمرد، وذلك عن طريق "سماع مطالب كرونشتاد ومناقشتها، وتلبيتها"… خاصة المطالب الإقتصادية منها، التي تم إدراجها، بعد ذلك، في ال"نيب" [NEP – السياسة الإقتصادية الجديدة، وهي سياسة إقتصادية تم تأسيسها في روسيا البلشفية في عام 1921 والتي تُدخل تحريرا إقتصاديا نسبيا – المترجم]. كان من السهل تجنب الأسوأ، وذلك "حتى عندما بدأت المعركة: كقبول وساطة الأناركيين ["إيما جولدمان" و"ألكسندر بيركمان"] اللذان كانا على اتصال وثيق مع المتمردين. إلا أنه تم رفض ذلك من قبل اللجنة المركزية للحزب، بسبب الحفاظ على الهيبة والإفراط في السلطوية. وكم كانت مسئولية "زينوفييف"، رئيس سوفييت بتروغراد كبيرة في كل ذلك، حيث خدع كل الشعب عندما أعلن عن "إستيلاء الجنرال الأبيض "كوزلوفسكي" على كرونشتاد بفضل التواطؤ والخيانة ". كما كان من الأسهل، والأكثر إنسانية، والأكثر سياسية، والأكثر إشتراكية، بعد الإنتصار العسكري […] عدم اللجوء للمجزرة…فالمجزرة التي تلت الإنتصار كانت شنيعة ومروعة(7)”.

ولكن، في التحليل النهائي، إختار "سيرج" السلطة البلشفية. وهذه هي حجته: كان متمردو كرونشتاد "يريدون إطلاق عنان عاصفة تطهرية، ولكنهم لم يكونوا ليستطيعوا، في الحقيقة، إلا فتح الأبواب لثورة مضادة، فلاحية في الأول، سيتم إستغلالها بسرعة من قِبل الجيش الأبيض والتدخل الأجنبي […]. فلم تكن كرونشتاد المتمردة مضادة للثورة، ولكن انتصارها كان سيجلب  – بما لا يترك مجال للشك – الثورة المضادة. فعلى الرغم من أخطائه و تجاوزاته، كان الحزب البلشفي، في تلك اللحظة، أكبر قوة منظَمة، ولابد من الثقة فيه رغم كل شيء (8)”.

بضع سنوات بعد ذلك، سيخوض "فيكتور سيرج" مجددا وبقوة في أحداث كرونشتاد، وذلك في سيرته الذاتية الرائعة، "مذكرات ثوري"، التي كتبها في 1943. وفيها يعترف، من ناحية، أن "كرونشتاد كانت على حق": "كانت كرونشتاد تبدأ ثورة تحررية جديدة، وهي ثورة الديمقراطية الشعبية". ولكن من ناحية أخرى، يقول: "إذا سقطت الديكتاتورية البلشفية، ستعم الفوضى على المدى القصير، وسينتج عن تلك الفوضى الهجوم الفلاحي، وقتل الشيوعيين، وعودة المهاجرين وأخيرا ديكتاتورية، ضد البروليتاريا بطبيعة الحال (9).”

وهناك رأي قريب من رأي "فيكتور سيرج" وهو، رغم غرابته، رأي مؤرخ قريب من الأناركيين، "بول أفريش" Paul Avrich، الذي قام ببحث جامعي عميق عن كرونشتاد. يلخص "أفريش"، الذي يستشهد كثيرا ب"سيرج"، منظور كتابه على النحو التالي: "تُقدم كرونشتاد حالة يمكن للمؤرخ أن يتعاطف فيها مع المتمردين ويرى في نفس الوقت أن البلاشفة كانوا على حق في قمعهم. فإذا فهمنا ذلك، نكون، في الحقيقة، فهمنا كل مأساة كرونشتاد (10).”

إن "سيرج" و"أفريش" على حق عندما يصرون على أن هزيمة البلاشفة كانت ستفتح الطريق للثورة المضادة. ولكن، هل تبرر الحجة تصرف السلطة السوفييتية تجاه المتمردين قبل، أثناء وبعد المعارك؟ سوف نحاول أن نستخلص رؤيتنا في الجزء التالي.

كرونشتاد والخطأ الفادح

سحْق بحارة كرونشتاد لم يكن "ضرورة مأساوية" بل خطأ فادحاً، لسنا هنا لإعادة التاريخ، أو لنُزيل عن كاهلنا جزءا ثقيلا من إرثنا – حتى لو ليس من العار محاولة ذلك. فالمهم هو إستخلاص نتائج هذا الحدث للنظر إلى المستقبل.

إن السحق القاتل لتمرد كرونشتاد من قِبل البلاشفة هو قرار غاشم يعود إلى خطأ لا يُغتفر. فلم يكن سوفييت كرونشتاد مقر الثورة المضادة؛ حتى إذا سلمنا بأن الثورة المضادة حاولت التسلل إليه، والتلاعب به أو إستغلال معركته. فليس كل شيء مؤامرة. بالإضافة إلى ذلك، طبيعة وتاريخ وعملية وحيوية ومطالب هذا السوفييت، تثبت بوضوح أن كرونشتاد كانت في معسكر ثورة 1917، وليس في معسكر النظام القديم.

لكن هذا لا يعني أن بحارة كرونشتاد معفيين من النقد. فيمكن لنا تناول بعض المطالب والشعارات المرفوعة من طرف المتمردين بالتحليل والتمحيص؛ خاصة وأن تلك الشعارات والمطالب كانت خيالية في البعض منها إذا أخذنا بعين الإعتبار ضرورات الحالة الإقتصادية والسياسية التي كانت تقتضيها المرحلة آنذاك، في بلد محطم ومنهار بعد أعوام من الحرب الأهلية ضد الجيوش البيضاء وجزء كبير من العالم. ومع ذلك، لا شيء يُدين القرار بالتمرد في حد ذاته. فمن الممكن أن تبدو الأوصاف التي نعتت الحزب الشيوعي والإقتراحات التي قُدمت أنها مختصرة، ولكنها تناقش، حقيقة، هيمنة الحزب البلشفي على المجتمع الثوري في تلك اللحظة. فكان المطلب الأساسي هو إنهاء هيمنة الحزب على الحياة السياسية وليس إنهاء السلطة السوفييتية. بل على العكس، فقد كان هناك إتهام للحزب البلشفي بتجميد وبشّل السلطة السوفييتية. فإذا كانت هناك مشكلة ما، فيجب البحث عنها في مكان آخر.

وبالتالي، كانت مطالب كرونشتاد مليئة بالتحدي للسلطة المركزية، وكان لا بد من دراستها. فهل كان للبحارة وعي بنتائج إنقسام المعسكر الثوري في تلك اللحظة ؟

فإذا كانت الإجابة نعم، فذلك يعني خطورة موضوعية متمثلة في فتح ثغرة لصالح الثورة المضادة. وهذا يعني أيضا أن في إستطاعة المتمردين مواجهة ذلك الإحتمال. فالمسألة هنا هو الوعي بالظرف السياسي.

ولكن ما فعله البحارة لا يقارن بالمسئولية الكبيرة لدى البلاشفة في تلك المأساة وذلك الإقتتال بين الإخوة. فصرح "زينوفيف"، متكلما باسم الحزب، برفض البلاشفة إقتراح الوساطة الذي تقدم به الأناركيين الأمميين، مثل ما اقترحته "إيما جولدمان". ومن هنا، أصبح التمزق والتصدع نهائيان.

كما لا يمكن إعفاء "تروتسكي" من الخطأ : فإن لم يكن ضالعا بشخصه في القمع الدموي، إلا أنه ترك أعماله في المؤتمر العاشر للحزب البلشفي مُتوجها للإذاعة لإرسال إنذار أخير لمواطني كرونشتاد، وذلك بصفته وزيرا الحرب. كما أنه ساند وعضد وأيد القمع.

فالمؤسف والأكثر إيلاما – بالنسبة لنا ككتاب منطوين تحت لواء منظمة وريثة للتروتسكية -، أن بعد ذلك، في 1937، وفي خضم النضال ضد البيروقراطية الستالينية، وعندما تطرق تروتسكي لأحداث كرونشتاد، لم يتأسف عن تلك الكارثة واكتفى بنعتها بقرار"الضرورة المأساوية"، الذي تم إتخاذُه "على مضض".      

وبالفعل ورغم ذكاء تحليله ونظريته حول البيروقراطية، إلا أن "تروتسكي" لم يعرف، أو لم يستطع أو لم يُرِد، فهْم وتقبل فكرة أن تلك الأحداث هي التي غذت ذلك المسار الذي سارت فيه الثورة بعد ذلك. كانت تلك الأحداث عامل اضمحلال وإضعاف للسلطة الثورية وليس تقويتها.

فلقد اختار الحزب البلشفي، مسبقا، ألا يتعاطى سوى مع الإختيار العسكري كردًا على مطالب سوفييت  كرونشتاد. بينما شارك، هذا الأخير، منذ البداية في العملية الثورية الروسية مهما كانت تغيرات التركيبة الإجتماعية التي ربما تكون قد طرأت عليه. فهرْس كرونشتاد يعني بوضوح أن في معسكر السوفييتات لم يكن هناك مكانا متاحا ومسموحا به للخوض بحرية في مسار الثورة.

فتجاوزا لظروف الحرب الأهلية المعقدة والمرعبة والتي لا تتيح إمكانيات أو اختيارات عديدة، فلقد عطل ذلك القمع أكثر – بعنفه العسكري والسياسي – مسار الإدارة الذاتية في روسيا. فما أهمية تقوية السوفييتات إذا ترسخت في الوعي الشعبي فكرة أنه ليس من أهمية للسوفييتات سوى الإمتثال لأوامر الحزب؟

فلقد قام تروتسكي بنفسه بسن أدوات سياسية للتصدي للبيروقراطية؛ كما تُبين، بعد ذلك، بأن الثورة المضادة الستالينية كانت قد بدأت في التحرك في الوقت الذي حدثت فيه انتفاضة كرونشتاد. ويجب التذكير أن استحواذ ستالين على مقاليد الحزب تم عام بعد تلك الأحداث، خلال المؤتمر الحادي عشر للحزب، في أبريل 1922.

فذلك الإستحواذ لم يتم في يوم. فخلال تمرد كرونشتاد، لم يكن الأباراتشيك [Apparatchik -هو مصطلح روسي عام يشير إلى موظف محترف في الحزب الشيوعي أو الحكومة – المترجم] قد استولوا كلياً على مقاليد الحزب بعد، ولم يكونوا قد سرقوا بعد الثورة من السوفييتات، ولكنهم كانوا سائرين تدريجيا في ذلك الإتجاه. في ذلك السياق، قمع بحارة  كرونشتاد ساهم في استيلاء أعضاء "التنظيم الإداري" على السلطة وليس العكس؛ سلطة لم يعد من الممكن الطعن فيها. أليس الحري بنا أن نرى في تمرد كرونشتاد دليلا على أنه كانت لا تزال هناك قوى ثورية لها استعداد للنضال ضد البيروقراطية الصاعدة ؟، ربما من السهل علينا طرح هذا السؤال بعد قرن من زمن الثورة.

على أية حال، فالقول المأثور الذي يرى أن "الغاية تبرر الوسيلة" مشكوكا في جدواه؛ ويكون موضع شك أكثر عندما يكون الصراع  بين ثوريين وُضعوا في مواجهة بعضهم البعض. فذلك الجرح بين الحمر والسود [الماركسيين والأناركيين] لا يزال مفتوحا ولم يندمل بعد، إلا أن فتح منابر نقاشية يتيح لنا فهم أعمق لتلك الحقبة من الثورة الروسية.

أعلاه، ترجمة الرفيق عمرو جمال التي نشرت (هنا، وهنا، وهنا) في موقع بالأحمر لجزء من كتاب الرفيقين أوليفيه بوزانسونو وميكائيل لووي: "تقارب ثوري، نجومنا الحمراء والسوداء. نحو تضامن بين الماركسيين والتحرريين، حكاية أخرى لهذا التاريخ". هنا رابط لمراجعة للكتاب ترجمت ونشرت في موقع المنشور.

الهوامش:

1. ذُكر في كتيب نشره "بيير فرانك" بعنوان "لينين" و"تروتسكي"، عن  كرونشتادٍ، باريس، دار نشر "الخلد الأحمر" La taupe rouge ، 1976، صفحة 29.

2. "ليون تروتسكي"، حوار في الصحافة، 16 مارس 1921، في "لينين" و"تروتسكي"، عن  كرونشتاد، صفحة 55

3. "ليون تروتسكي"، رسالة إلى "وندِلين توماس"، 6 يوليو 1937 في "لينين" و"تروتسكي"، عن كرونشتاد، صفحة 59.

4. ليون تروتسكي، عن كرونشتاد، تحت إشراف "بيير فرانك"، باريس، دار نشر "الخلد الأحمر " La taupe rouge، 1976، صفحة 29 و 76

5. "ألكسندر بيركمان"، تمرد  كرونشتاد، 1921 (1922)، دار نشر "الديجيتال" La digitale، 2007، صفحة 50 – 51.

6. "1921. تمرد كرونشتاد الحمراء" ،  البديل الأناركي Alternatives Libertaires، 2008 – صفحة 8، 13، 16-17

7. "فيكتور سيرج"، "كرونشتاد"، 10 سبتمبر 1937، في "فيكتور سيرج" و"ليون تروتسكي"، محاربة الستالينية. نصوص 1936-1937، تقديم ميشيل دريفوس – باريس، مسبيرو، 1977، – صفحة 178-179.

8. نفس المرجع. صفحة 181-180.

9. ”فيكتور سيرج"، "مذكرات ثوري"، – صفحة 143-142.

10. ”بول أفريش"، " كرونشتاد 1921″، بوينس آيرس، يوتوبيا ليبرتاريا Utopia libertaria، 2006 – صفحة 12.