نحو إعادة تأسيس الاتحاد العمّالي العام

نشر في‫:‬الخميس, اذار 1, 2012 - 19:50
تظاهرة لهيئة التنسيق النقابية 10-10-2012 | تصوير فرح قبيسي
الكاتب/ة: وليد ضو.

في الدور والتمثيل والمسؤولية والفعالية

تتحدث المادة الثالثة من القانون الأساسي للاتحاد العمالي العام عن غاية الاتحاد العمالي العام في لبنان، حيث يدافع «عن العمال في لبنان والسعي لرفع مستواهم مهنيا، اجتماعيا، اقتصاديا ومعنويا». كما يسعى إلى «توثيق عرى التعاون بين الاتحادات العمالية المنتسبة إليه وتأمين التنسيق بينها، تحقيقا لغاياتها وأهدافها». ويسهر «على تنفيذ القوانين والأنظمة التي ترعى علاقات العمل والسعي لإصدار تشريعات عمالية واقتصادية واجتماعية تؤمّن مصالح العمال ضمن إطار العدالة الاجتماعية». ويشارك «في رسم السياسة الاجتماعية والاقتصادية والوطنية».

هذه الأدوار التي يقوم بها الاتحاد العمالي العام تبدو للوهلة الأولى جيدة، لكن لا بدّ من مراجعة قانون العمل اللبناني الصادر عام ١٩٤٦ خاصة المادة السابعة منه إذ يستثنى من أحكام هذا القانون: «الخدم في بيوت الأفراد»، النقابات الزراعية التي لا علاقة لها بالتجارة والصناعة، وهذه النقابات سيوضع لها تشريع خاص»، «المؤسسات التي لا يشتغل فيها إلا أعضاء العائلة تحت إدارة الأب أو الأم أو الوصي»، بالإضافة إلى أجراء الإدارات الحكومية.

الواضح من مقارنة هذين النصين القانونيين أن الاتحاد العمالي العام لا يمثل كل العمال في لبنان هذا من الناحية القانونية الصرفة. أما من ناحية تمثيل العمال واقعيا يتبين وبحسب دراسة إحصائية أجراها غسان صليبي عام ١٩٩٦ مع الاتحادات النقابية يظهر: «لا يتجاوز عدد المنتسبين إلى الاتحاد العام ٧٪ من عدد الأجراء الذين يحق لهم الانخراط نقابياً»[1]، أما توفيق كسبار فيشير إلى أن «النقابات تمثل أقل من ٤٪ من مجمل العاملين»[2]، هذه النسبة إضافة إلى أنها شديدة التدني تفيد بأن الاتحاد العمالي العام لا يمثل إلا نفسه، بمعنى آخر يمكن مراقبة «المظاهرات» المنظمة من جانبه لإظهار حقيقة تمثيله. إضافة إلى ذلك فإن «أهمية البنى العائلية والطائفية في لبنان الذي قابلها صغر وتشتت المؤسسات الاقتصادية والصناعية، ساهمت في تقوية العلاقات العائلية والطائفية على حساب العلاقات المهنية والاقتصادية»[3]. الأمر الذي يمنع من تنسيب أعداد كبيرة في العمال إلى النقابات إذ أن «٦٨٪ من المؤسسات الصناعية تستخدم أقل من ٥ عمال»[4].

ماذا عن البنية التنظيمية للاتحاد العمالي العام؟ هل هي بنية ديمقراطية؟ يتألف الاتحاد العمالي العام، بحسب نظامه الداخلي، من ٥٠ اتحاد نقابي إذ لا يحق لنقابة منفردة الانتساب إليه. يتشكل الاتحاد العمالي كبنية تنظيمية من مجلس مندوبين، مجلس تنفيذي ومكتب تنفيذي. مجلس المندوبين الذين هم ٤ أعضاء عن كل مجلس تنفيذي للاتحادات الأعضاء في الاتحاد العمالي العام، مهمته تنحصر بمراقبة أعمال المكتب التنفيذي والتصويت على القرارات الإلزامية التي يرتأي المكتب التنفيذي عرضها ويصادق (لا يصوت) على مشروع موازنة الاتحاد العمالي، تجدر الإشارة إلى أن مجلس المندوبين ينعقد مرة على الأقل في السنة وعندما تدعو الحاجة. المجلس التنفيذي يتألف من عضوين منتدبين (غير منتخبين) عن كل اتحاد عضو (بغض النظر عن حجم كل اتحاد) في الاتحاد العمالي. المجلس التنفيذي ينتخب من بين أعضائه رئيسه وأعضاء المكتب التنفيذي. إذا، غياب الديمقراطية داخل الاتحاد العمالي العام، يسميها غسان صليبي[5] وحدة «كونفيدرالية» و»وحدة تنسيقية» بفعل غياب البنية التنظيمية وبسبب غياب انتخاب الهيئات الدنيا للهيئات العليا والتمثيل النسبي للاتحادات المنضوية داخل الاتحاد العمالي العام (أي نسبة إلى عدد المنتسبين إليها)، بغض النظر عن صحة انتساب «العمال» إلى الاتحادات والنقابات إذ من المعروف أن بعض النقابات يعمد إلى تنسيب أعداد من «العمال» الوهميين بغرض تضخيم حجمه.

في الواقع استطاع الاتحاد العمالي العام على مر السنين، على الرغم من العلل البنيوية التي تشوبه، «منذ عام ١٩٦١ وحتى عام ١٩٩٦ من فرض زيادة الحد الأدنى للأجور، بمعدل مرة كل ١٠ أشهر»[6]. فتوقفت الزيادة عند ٣٠٠ ألف ليرة لبنانية، عندما استطاعت هيئة التنسيق النقابية[7] من فرض زيادة (هزيلة) عام ٢٠٠٨ فأصبح الحد الأدنى ٥٠٠ ألف ليرة. عام ٢٠١١، تمكنت هيئة التنسيق النقابية من المشاركة في اجتماعات لجنة المؤشر إلى جانب الاتحاد العمالي العام، على الرغم من أن هذه المشاركة تنحصر بين ثلاثة أطراف: الاتحاد العمالي العام- ممثلون عن الدولة (إدارة الإحصاء المركزي ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية- الهيئات الاقتصادية)[8]، وعندما لم يُعدَّل مرسوم تشكيل لجنة المؤشر ليسمح بمشاركة رسمية (شرعية) لهيئة التنسيق النقابية، استغلت «نرجسية» غسان غصن «المتضخمة» هذا الأمر، فامتعض من هذه المشاركة، معتبرا، في تصريح له لقناة أو تي في، أنه عندما «ترتقي روابط المعلمين من رابطة ثقافية إلى نقابية يصبح لهم الحق في المشاركة».

لا بل أكثر من ذلك، دعت هيئة التنسيق النقابية إلى إضراب وتظاهرة يوم ١٥ كانون الأول اعتراضا على الزيادة الهزيلة للأجور التي أقرت في جلسة ٧ كانون الأول، فضّل الاتحاد العمالي العام أن يُضرب، لوحده، في ٢٧ كانون الأول معلنا تمايزه (عاد وألغى الإضراب). هذه النرجسية لم تأت من فراغ، إذ أن روابط المعلمين على الرغم من أنها روابط ثقافية (بحسب قرار إنشاء رابطات ثقافية في المحافظات لأفراد الهيئة التعليمية في المدارس الرسمية الابتدائية والمتوسطة رقم ٣٣٥ الصادر عام ١٩٧٢، وقرار إنشاء رابطة ثقافية اجتماعية وتربوية لأساتذة التعليم الثانوي الرسمي رقم ٨٧١ الصادر عام ١٩٨٠) طالبت وتطالب بإعطائها الحق في التنظيم النقابي[9]، تشكل نموذجا أكثر ديمقراطية كبنية تنظيمية، فكل مدرسة تعتبر وحدة انتخابية، تنتخب مندوبا(ة) أو أكثر بحسب عدد المعلمين (المعلمات) فيها. مجموع المندوبين ينتخب الهيئة الإدارية للرابطة، ومن ثم يتم انتخاب لجان تنسيق واتصال مناطقية في المحافظات والأقضية، هذا على صعيد الشكل، أما على صعيد صحة التمثيل، فمن ينتسب إلى رابطة المعلمين هو فعلا معلم(ة) ولكن ليس كل من ينتسب إلى نقابة هو فعلا «عامل».

من هنا البنية الداخلية (والمناعة) لعبت دورا أساسيا في المصير الذي وصل إليه الاتحاد العمالي العام، ولكن ثمة عامل أساسي ساعد على حصول ذلك فتدخّل السلطة الحاكمة سهل مهمة الانهيار خدمة لمصالح الطبقة الحاكمة بشقيها، وهذا ما سنتناوله في القسم التالي.

تدخل السلطة (السلطات)

«إذا كان للسلطة علاقة بالشعار القائل «أننا نريد وأننا لقادرون»، كشعار مختلف عن ذلك القائل «أننا قادرون» وحسب، يصبح من المحتم علينا أن نقر بأن سلطتنا باتت عاجزة»[10].

بالفعل السلطة (السلطات) في لبنان استبدلت سلطتها بعنف مستتر مرات وبالعنف المباشر مرات ومرات. فسلطة الطائف ولتمكين نفسها من بسط يد ميليشياتها المنتقلة من المتاريس إلى كراسي الحكومة والنيابة أرادت وتريد (ولا تزال) الإمساك بأي حراك يسبب لها أرقا فكيف إذا كان طرفا يمثل العمال استطاع عام ١٩٨٦ و١٩٨٧، (أي في عز الحرب الأهلية) من جمع الآلاف بوجه سياسة الإفقار التجويع والقتل، «في ١٥ تشرين الأول [١٩٨٧] نُظمت تظاهرات في المحافظات جميعها والتقت أمام المجلس النيابي على المتحف التظاهرتان المنطلقتان من غربي بيروت وشرقها في لقاء حاشد ومؤثر. في 5 تشرين الثاني نفّذ الإضراب العام المفتوح الذي استمرّ خمسة أيام وعُلّق في التاسع منه بعد تظاهرات حاشدة في المناطق اللبنانية جميعها في بيروت حيث التقت مرة أخرى تظاهرة من غربي العاصمة مع أخرى من شرقها»[11].

كل هذا، لنعرف مآل الاتحاد العمالي العام في لبنان، إذ في عزّ جبروت الميليشيات استطاعت الأرض أن تزلزل تحت أقدامهم، لكنهم عندما أصبحوا في السلطة تفننوا في التمثيل بجثثنا الحية، لنقرأ الأسماء التالية: عبد الله الأمين (١٩٩٢- ١٩٩٥) -  أسعد حردان (١٩٩٥- ١٩٩٨) - ميشال موسى (١٩٩٨- ٢٠٠٠) - علي قانصوه (٢٠٠٠- ٢٠٠٣) - أسعد حردان (٢٠٠٣- ٢٠٠٤) - عاصم قانصوه (٢٠٠٤- ٢٠٠٥) ولنتأمل خلفية كل منهم (من حزبي البعث والسوري القومي وحركة أمل)، ماذا قدموا للحركة العمالية في لبنان؟ وهل انفردوا بكرمهم الملتبس؟ بالطبع، الجواب هو لا إذ أنهم شكلوا قسما أساسيا من السلطة المتحكمة في لبنان. قسم اختبأ تحت شعارات (يدعّيها) تتعلق بحقوق العمال بينما تصرف على عكس تلك المصلحة وذلك بالشراكة المتساوية مع السياسات الاقتصادية والمالية التي انتهجها الحريري الأب والسنيورة من بعده وبالشراكة مع السلطة الأمنية بوجهيها اللبناني والسوري. عام ١٩٩٢، وإثر الإعلان عن إضراب عام لمدة ثلاثة أيام من قبل الاتحاد العمالي العام، وبحسب مقالة ألفونس ديب في جريدة المستقبل في ١ تشرين الثاني ٢٠١١، وخلال زيارة قيادة الاتحاد العمالي العام لاتحاد عمال سوريا دخل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام إلى الاجتماع وقال ما حرفيته: «دخل خدام مباشرة في الموضوع وقال «هذا الاضراب الذي تعدّونه ليس له معنى ويجب أن يُلغى. وإذا كان موجهاً ضد الحكومة فإنها باقية حتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، لذلك من الأفضل إلغاؤه خصوصاً وأنه يأتي نتيجة أوامر من السفارات الأجنبية»[12]، وعند تنفيذ الإضراب وفي اليوم الأول بعد انتشار عملية الاحتجاج في مختلف المناطق اللبنانية، اعلن الاتحاد العمالي العام وقف الإضراب، فاعتدّ بنفسه لأنه استطاع إسقاط الحكومة (حكومة عمر كرامي) لكنه أسف ما أسماها أعمال شغب، دون أن ينس ببنت شفة حيال القمع الشديد الذي تعرض له المنتفضون بوجه سياسة الإفقار والتجويع.

وفي عام ١٩٩٣، قدّم عبد الله الأمين اقتراحا «لهيكلية نقابية جديدة صيغت بشكل تمكنه والسلطة من التحكم بالقرار النقابي والسيطرة على الحركة النقابية وجعلها تحت إمرة وسيطرة موظفين في الإدارة»[13] وتألّف الاقتراح «من ٩٦ مادة منها ٣٦ مادة تسمح لوزارة العمل التدخّل بالشؤون الداخلية للنقابات»[14]. بالطبع رفض الاتحاد العمالي العام هذه الخطة، فانتقل الأمين إلى تنفيذ خطة أخرى. فأخذ يرخص لنقابات جديدة «بنفس الاسم ولنفس الفئة الاجتماعية التي توجد لها نقابات»[15]. الأمر الذي حصل حيث رخص الأمين عام ١٩٩٤ لـ٤١ نقابة وخمس اتحادات.

في الفترة السابقة لانتخاب قيادة جديدة للاتحاد العمالي العام عام ١٩٩٣، انتقل النقابيون الشيوعيون من تأييد أنطوان بشارة إلى تأييد الياس أبو رزق. هذا التبدل في الموقف يبرره عزيز صليبا[16] بتمكّن «عبد الله الأمين التأثير على أنطوان بشارة نفسه الذي تخلى عن تحالفاته المعروفة [مع الشيوعيين والاشتراكيين] وأقام تحالفا مع قوى أخرى». هذا المنطق التبريري يرد عليه غسان صليبي[17] عندما كتب عن الانتخابات حينها، حيث «قلّد وزير العمل الياس أبو رزق  ميدالية تقديرا لنشاطه النقابي» (على الرغم من أنه لم يكن عضوا في المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام)، كما أن خيار النقابيين اليساريين تغيّر عشية الانتخابات، ففضلوا التصويت لأبو رزق عوضا عن فضح التدخل السلطوي. من هنا لاحظ صليبي أن «الأطراف جميعها تصرّفت وتحالفت في نهاية الأمر على أساس حسابات انتخابية» وأن «الأطراف النقابية تصرّفت بردود فعل».

في ١٩ تموز عام ١٩٩٥ وخلال تنفيذ الإضراب العام، انتشر الجيش وقوى الأمن الداخلي حيث منعت كل المجموعات من المشاركة في المسيرات المقررة ومُنِع كل تجمع يزيد عن ٥ أشخاص. هذا المسلسل من القمع الوحشي، المستمر والمتمادي من خلال التدخل السلطوي المباشر، أو من خلال التدخل في العمل النقابي وارتضاء القسم الأكبر من النقابيين به، لم يكن بهدف التصدي «للشغب» أو «لمثيري الفتن»، الضرب بيد من حديد كان بهدف التحكم في مسار الرأي العام، والإمساك لكل ما يزعج سلطة الجزمة ورأس المال من خلال رعاية مباشرة للنظام السوري وتقاسم الحصص وتوزيع المغانم.

إلى هنا هل استفاد المعنيون من التجارب السابقة؟ بمعنى إدراك أهمية التلازم بين الحريات العامة والخاصة والمسألة الاجتماعية-الاقتصادية؟ السلطة في لبنان كررت منع التجول ومنع التظاهر، جددت آلية القمع المباشر (اعتقالاً وضرباً ومنعاً للتظاهر) والمستتر (من خلال تفريخ نقابات واتحادات نقابية، تجربة أسعد حردان لم تكن مختلفة عن تجربة عبد الله الأمين، من خلال إصدار تراخيص تابعة لحركة أمل).

على الرغم من أن ألفونس ديب في مقالته المشار إليها أعلاه وفي مقالتين أخرتين في جريدة المستقبل[18] حاول الإضاءة على دور من يسميهم حلفاء سوريا في لبنان بتخريب الحركة النقابية، وتبرئة ساحة رفيق الحريري (حليف سوريا آنذاك) من هذه الشرذمة، إلا أن عزيز صليبا وغسان صليبي يشيران إلى أن نتائج انتخابات اتحاد الجنوب حصلت بهدف تغيير ولاءها فاعتقل يوم الانتخاب المرشحون المؤيدون لالياس أبو رزق وأودعوا في سراي صيدا، لتفوز لائحة مؤيدة لرفيق الحريري بالتزكية(؟) لتحصل خلال العام ١٩٩٧ عملية انتخاب رئيس الاتحاد العمالي العام والمراكز الشاغرة فيه، وما تخللها من تدخلات سلطوية «كل طرف بحسب تغير علاقته بأطراف السلطة»[19] وتبدلات في المواقف في صفوف النقابيين إزاء التدخل هذا «الانصياع الكلي لإرادة الأطراف الخارجية، واستجلاب التدخلات هجوماً أو دفاعاً... إلى مقاومة التدخلات فالانصياع لها فمقاومتها مجدداً (بعض النقابيين الشيوعيين)»[20].

كل هذا يدل على أن النقابيين لم يتخذوا موقفا يتصف بالمناعة إزاء هذه التدخلات ولم يحاولوا إطلاق استقلالية في العمل النقابي تقف سدا منيعا بوجه القمع والاستغلال الاقتصادي والمالي لمن يدّعون تمثيلهم إنما فضلوا اعتماد انتهازية ووصولية مفرطة تساهم في وصولهم إلى مراكز نقابية، لكنها في الواقع أدت إلى خراب الاتحاد العمالي العام ووصوله إلى ما وصل إليه.

في ١٥ آذار من العام ٢٠٠١ وصل (ولا يزال) غسان غصن إلى مركز رئيس الاتحاد العمالي العام فبعد أن بلغ عدد الاتحادات العمالية المنضوية داخل المجلس التنفيذي ٥٠ اتحاداً[21] وعلى الرغم من أن ولاية أبو رزق لم تنته بعد حيث «كان موجوداً في اجتماع مجلس إدارة منظمة العمل الدولية في جنيف ورغم عدم اكتمال النصاب (الثلثين) أجرت وزارة العمل انتخابات وجرى تعيين غسان غصن رئيساً للاتحاد، فاحتل مكتب أبو رزق بعد تغيير القفل»[22]، لكن ديب نفسه، يرى بما خص تحرك عام ٢٠٠٤ خاصة في منطقة حي السلم، «عنوان الحركة في ذلك الحين «الغلبة والتطويع»»، بالطبع يسقط ألفونس ديب ما حصل في أيار ٢٠٠٨، على التحرك الحاصل عام ٢٠٠٤، ولكن ألم يكن الإعلام اللبناني يومها شريكا للسلطة؟ في اعتبار الجيش خطاً أحمر؟ ألم يقل حسن نصر الله في خطاب له بعد وقوع مجزرة حي السلم أن المتظاهرين تقف خلفهم السفارة الأميركية[23]؟

في الواقع كان الإضراب يومها رفضا لارتفاع أسعار المحروقات ومنع السيارات العمومية من العمل على المازوت. وشمل الإضراب المدارس الرسمية والخاصة والجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة والمؤسسات في القطاعين الرسمي والخاص، ومرفأ بيروت والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومصالح المياه وأوجيرو. وعمت المظاهرات كل المناطق اللبنانية وتعاملت القوى الأمنية بالشدة المفرطة مع المتظاهرين. وردد المتظاهرون الشعار التالي: «لحود بري حريري، حطونا عالحصيرة[24]» وأطلقت القوى الأمنية النار مباشرة بوجه العمال المتظاهرين في حي السلم حيث وقع ٥ شهداء وعشرات الجرحى ولكن الاتحاد العمالي العام صمت، ككل القوى السياسية، عما حصل فأعلن براءته منهم ووقف الإضراب.

أي اتحاد عمالي عام؟

«الاستقلال النقابي الكامل واللامشروط إزاء الدولة والاستقلال التنظيمي إزاء الأحزاب السياسية، وهذا المطلب الأخير مرتبط بنضال ضد البيروقراطية النقابية. ولا يمكن الحصول على الديموقراطية النقابية على المستوى العام إلاّ بفرض هاذين المطلبين واحترامهما»[25].

يشير منسق المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين أحمد الديراني، في مقالة نشرها في موقع المرصد في ٢٤ تشرين الأول من العام ٢٠١١، إلى أن «المعارضة السابقة، بكل تلاوينها، تتحمل مسؤولية مضاعفة عن الواقع المتردي للحركة النقابية، وذلك بسبب سياستها التسووية غير المبدأية، وعدم وضوح الرؤية والثبات في المواقف وعدم الالتزام بالنهج الديمقراطي والوطني المستقل وبمصالح العمال، والتي تعتمد، في معظمها، ذات الأساليب الفوقية والشكلية في تجديد نقاباتها، أحيانا في الغرف المقفلة وبعيدا عن العمال»[26]. كلام الديراني جاء إثر موافقة الاتحاد العمالي العام على قرار (الأول) الحكومة اللبنانية زيادة الأجور في ١٢ تشرين الأول ٢٠١١، حيث عنون مقالته بـ»إكرام الميت دفنه» كخير تعبير عن مآل الأمور داخل هذا الاتحاد العمالي العام.

للخروج من هذه الدوامة، لا بد من إعادة تأسيس اتحاد عمالي عام جديد، بعد إسقاط الاتحاد الحالي، وحل كل النقابات وإعادة تشكيلها على أسس منطقية بحيث يتمثل العمال والعاملات وفق النظم الديمقراطية، ومن خلال انتخابات شفافة ونزيهة بعيدا عن تدخل السلطة والأحزاب. يمثل كل الطبقة العاملة في لبنان (من كل الجنسيات حيث صمت الاتحاد العمالي العام حيال الاستغلال والعنصرية التي تتعرض لها، بالإضافة إلى الحرمان من الحقوق الأساسية). على أسس متينة، إنطلاقا من القطاع العام ووصولا إلى القطاع الخاص. فيجب العمل على انتزاع الحق: «بالتنظيم النقابي للموظفين في القطاع العام من السلطة الحاكمة، بالإضراب وبالتحريض عليه، بتنظيم العرائض المتعلقة بالوظيفة، بإلقاء ونشر خطب ومقالات من دون إذن خطي من الرئيس المباشر للموظف»[27].

فرض تعديل قانون العمل لجهة السماح للعمال الزراعيين بتشكيل نقاباتهم. وفرض تعديل المادة ٨٦ من قانون العمل التي تفرض الترخيص المسبق لإنشاء النقابات. حصر الحق في وضع الهيكلية النقابية بالاتحاد العمالي العام. وضع سياسة تدريبية للاتحاد العمالي العام، تقوم على «تزويد القيادات النقابية بالمعارف والمهارات اللازمة من أجل مساعدتهم على مواجهة التحديات التي تواجههم... تدريب مدربين نقابيين على طرق التدريب الناشطة والحديثة... إنتاج مواد تدريبية واقعية وعملانية.... وضع وتنفيذ برامج التدريب النقابي»[28].

الأزمة مستفحلة، وهي تصيب الاتحاد بشكله الرسمي ومعارضته ويلفت أحمد الديراني، في المقالة نفسها، نظر «الاتحادات النقابية التي اجتمعت مؤخرا تحت عنوان «لقاء الاتحادات النقابية المعترضة على قرار زيادة الأجور وعلى طريقة الاتحاد العام في ادارة المعركة المطلبية» في مقر الاتحاد الوطني للنقابات العمالية» إلى أن سقفها جد منخفض وهي مطالبة بالخروج من الاتحاد العمالي العام من أجل «إطلاق مسيرة بناء اتحاد عمالي جديد، مناضل، فعال، ديمقراطي ومستقل، ينتزع شرعيته من تمثيل مصالح العمال والنضال من أجلهم»[29].

مجلة المنتدى الاشتراكي- العدد صفر- ربيع ٢٠١٢

--

[1] غسان صليبي، «في الاتحاد كوة»، دار مختارات، طبعة أولى، ١٩٩٩

[2] توفيق كسبار، «اقتصاد لبنان السياسي 1948-2002 في حدود الليبرالية الاقتصادية»، دار النهار، طبعة أولى، ٢٠٠٥

[3] صليبي، المصدر نفسه

[4] إدارة الإحصاء المركزي، ٢٠٠٤

[5] صليبي، المصدر نفسه

[6] المنشور، العدد ١١، شتاء ٢٠٠٨، نقلاً عن دار المنشورات الحقوقية صادر (http://tymat.org/?q=node/911)

[7] تجمع تنسيقي لروابط المعلمين في التعليم الرسمي الابتدائي والثانوي والمهني والتقني ونقابة المعلمين في المدارس الخاصة ورابطة موظفي الإدارة العامة؛ للاطلاع على قراءة نقدية لهذه الهيئة: نضال مفيد، «النقابات في لبنان: أي تغيير؟»، المنشور، ٤/٧/٢٠١١، (http://al-manshour.org/node/250).

[8]مرسوم رقم 4206، تشكيل لجنة مؤشر الغلاء وتحديد مهامها، الصادر عام 1981.

[9] مثلًا: التوصية السابعة للمؤتمر النقابي العام، قصر الأونيسكو، بيروت، 30/10/2011 (http://www.lpespl.net/subpage.asp?IdLink=7).

[10] حنة أرندت، «في العنف»، بيروت، دار الساقي، ط. ١، ١٩٩٢.

[11] صليبي، المصدر نفسه.

[12] ألفونس ديب، جريدة المستقبل، بيروت، ١/١١/٢٠١١.

[13] عزيز صليبا، «تاريخ الحركة النقابية في البقاع»، بيروت، دار الفارابي، ط. ١، ١٩٩٩.

[14] ديب، المصدر نفسه.

[15] صليبا، المصدر نفسه.

[16] المصدر نفسه.

[17] المصدر نفسه.

[18] ٢ و٣ تشرين الثاني، ٢٠١١.

[19] صليبي، المصدر نفسه.

[20] صليبي، المصدر نفسه.

[21] بحسب الموقع الإلكتروني للاتحاد العمالي العام http://www.cgtl-lb.org/UnionMembers.aspx، وبحسب الصحافي في جريدة السفير عدنان الحاج، http://lebaneselw.com/index.php?option=com_flexicontent&view=items&cid=1...)

[22] ديب، المصدر نفسه.

[23] http://beirut.indymedia.org/ar/2004/05/1343.shtml

[24] http://beirut.indymedia.org/ar/2004/05/1262.shtml

[25]أندري هنري، «الحزب والنقابة»، المناضل(ة)، العدد 31، 11/١١/2011 (http://www.almounadil-a.info/article2577.html).

[26] http://lebaneselw.com/index.php?option=com_flexicontent&view=items&cid=195:2010-05-10-16-05-03&id=7132:-q-q-24-10-2011-

[27] وليد ضو، «معاً نحو عهد نقابي جديد»، المنشور، 21/١١/2011، (http://al-manshour.org/node/601).

[28] صليبي، المصدر نفسه.

[29] الديراني، المصدر نفسه.