ثلاثية: الوحش- الإرهابي- المثلي

نشر في‫:‬الخميس, تشرين اول 12, 2017 - 15:55
الرسم لـ Andeel | عن موقع مدى مصر
الكاتب/ة: إيليا الخازن.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

خلال الأسابيع الماضية، اعتقل النظام المصري 55 شخصا بتهم "الفجور" و"التحريض على الانحراف الجنسي" و"الانضمام إلى مجموعة محظورة" كجزء من حملة أمنية مستمرة ضد مجتمع الميم في مصر، حيث أصبحت عقوبة "تهمة المثلية" تتراوح بين 10 إلى 15 سنة سجنية. وقد أثار رفع علم قوس القزح خلال احتفال موسيقي لفرقة مشروع ليلى- مغنيها الرئيسي مثلي بشكل علني- يوم الجمعة 22 أيلول/سبتمبر 2017 في القاهرة، سعارا إعلاميا أدى إلى هذه الاعتقالات. فدعمت الوسائل الإعلامية المحلية الاعتقالات عبر نشر العديد من المقالات والمقابلات التي تحرض على الكراهية ضد الجماعات والأفراد ذوي الهويات الجندرية والتوجهات الجنسية غير النمطية.

في لبنان، أظهر حادثان حصلا خلال ثلاثة أشهر كيف أن الأجهزة الأمنية تحضر نفسها لإعادة سيطرتها الداخلية بعد سنوات على أزمة سياسية شلت قدرتها على الاستجابة السريعة للتهديدات السياسية المحلية. في شهر تموز/يوليو، تلقى أعضاء في المنظمة الاشتراكية الثورية، المنتدى الاشتراكي، تهديدات بالقتل بعد تسريب ورقة العلم والخبر لاعتصام تضامني مع اللاجئين/ات السوريين/ات عقب مداهمات للجيش اللبناني لمخيمين للاجئين/ات في بلدة عرسال يوم 30 حزيران/يونيو. قتل عدة أشخاص خلال المداهمة، من بينهم طفلة، وقد فجر عدد من الأشخاص أنفسهم في عناصر الجيش وقد سقط عدد كبير من الجرحى من بين الجنود. وقد ألقي القبض على المئات من اللاجئين بتهمة ارتباطهم بمجموعات إرهابية، ومات عدد من المعتقلين اعتبرت منظمات حقوقية أنهم ماتوا نتيجة للتعذيب. تلا تلك الحوادث موجة واسعة من التضامن مع الجيش، واعتبار الإخلاص له واجب وطني.

في أيلول/سبتمبر، صوّر المارة شخصين يمارسان البونداج العلني في منطقة جونية. وقد تم رفع المقطع على وسائل التواصل الاجتماعي عبر صفحة فايسبوكية مشبوهة "وينيه الدولة" والتي تستخدم خطاب "الدولة الفاشلة" للدعوة إلى تشديد القبضة الأمنية والقمع على "المواطنين الذين يخرقون القوانين". ودعت الصفحة إلى إلقاء القبض على هذين الشخصين بعد أن كشفت أن أحدهما هي متحولة جنسيا. فاستجابت قوى الأمن الداخلي لذلك واعتقلتهما بتهمة ممارسة الفجور.

كيف يمكننا فهم الذعر الأخلاقي والاعتقالات المتعاقبة للذين/اللواتي لوحوا/ن بعلم قوس القزح في حفلة مشروع ليلى في مصر بعيدا عن بناء "الآخر"، أو حتى أكثر، وعلى وجه التحديد "الوحش" في كل من لبنان ومصر، من خلال أنظمة الثورة المضادة التي تحاول تعزيز سيطرتها على أجسادنا وعلى عملية إعادة الانتاج الاجتماعية؟

ثمة إجماع عام على أن داعش قد هزمت في المنطقة (العراق وسوريا ولبنان) حيث جرى "تحرير" أغلب المواقع الاساسية التي كانت تحت سيطرتها- بمعنى آخر تم سحقها وقصفها وتدميرها. ونتيجة لذلك، انعكس كل ما يحصل على أجهزة الدول التي اختارت الآن أن تركز على عدو مفترض من أجل التأكيد على الحاجة إليها. وقد دفعت الحاجة إلى إعادة إنتاج ذاتها كأجهزة ضرورية، وإلى إعادة تأكيد قوتها التي تراكمت خلال عقد من "الحرب على الإرهاب" وعقود من الحرب المنظمة ضد المخدرات وضد "عبدة الشيطان"، إذاً، كل تلك الحاجات دفعت الأجهزة الأمنية في مصر ولبنان إلى البحث عن الوحش. ومن بين الوحوش اختاروا "المنحرف الجنسي" الذي يشكل خطرا على المعايير الجندرية والجنسانية القائمة، وكنتيجة لذلك، خطرا على البنية الاجتماعية التي تقوم على إعادة الانتاج الاجتماعي: العائلة وكيف تعيد انتاج نفسها تقليديا في هذا القسم من العالم حتى تحافظ على جاذبيتها للشباب، وبالتالي، كافة الرموز والأفكار والممارسات التي توجههم بعيدا عن "العقول الفاسدة" بسبب المفاهيم "الغربية" والأفكار "الغريبة" والمؤامرة ضد "طريقتنا في العيش".

وفي وقت بدأت فيه الحرب على الإرهاب بالتراجع، بعد أن هزمت داعش على الصعيد الإقليمي، هناك حاجة لإنشاء "وحش" آخر يشار إليه دائما بهدف تشريع الحاجة إلى القبضة الأمنية الشديدة. هذا لا يعني أن الحملة القمعية على الأفراد المنتمين/ات إلى مجتمع الميم جديدة أو لم يسبق لها مثيل في المنطقة، ولكن بالأحرى، كثافتها التي تمظهرت فيها هذه المرة يجب أن تفهم في ضوء ما الذي سمحت الحرب على الإرهاب للأنظمة الإقليمية أن تقوم به، وأنواع الإجراءات التي قد تؤدي إلى تراجعها من أجل الحفاظ على امتيازاتها.

أوجه الشبه هنا بين الدولتين المصرية واللبنانية يمكن أن تساعد على فهم التهديد الذي يشكله، من جهة، علم قوس القزح، ومن جهة أخرى مسألة التضامن مع اللاجئين، لإعادة تأكيد احتكار الدولة للقوة- ماديا ومعنويا. ويتم بناء آخر أو وحش كما لو أنه يهدد القيم الثابتة التي تجمع مجتمعاتنا، الناتج عن تربية فاشلة أو لأنه يحمل قيما غربية أو لأنه تقوده مؤامرة امبريالية للتأثير على شبابنا. وفي ظل حالة من الذعر، يطلب من العائلات مراقبة أولادها، وتقوم الدولة بالسيطرة على الانتاج الثقافي وتقمع الفجور والانحراف الجنسي.

في أواخر الـ 1990ات وأوائل الـ 2000ات، ترافقت موجة أخلاقية مذعورة مع حملة قمعية معظمها في مصر، ولكن أيضا في لبنان، ضد حفلات الميتال الموسيقية وتجمعات الإيمو التي وصفت بأنها تجمعات لعبدة الشيطان. وكان مصطلح "عبدة الشيطان" في تلك الفترة، ولا يزال حتى اليوم إلى حد كبير، جزءا من ثلاثية "خصائص الشر": مدمن على المخدرات/ التجديف/ رافض للسلطة الأبوية والأدوار الجندرية التقليدية. ترابطت ثلاثية السلوكيات هذه مع مجموعات هامشية للمراهقين/ات الذين كانوا يستنجدون بالموسيقى الغربية واعتبارها وسيلة للتعبير عن أنفسهم/ن. فشنت الأجهزة الأمنية موجة من الذعر الأخلاقي الضرورية لروتنة القمع، جامعة بين الحرب على المخدرات والحملة لإنقاذ الأسرة النووية المهددة ولحماية تديّن المجتمع. الرد على ذلك كان بزيادة القبضة الأمنية على الأحياء والأماكن التي تستوعب هذه الممارسات "الحقيرة" مع تشديدها على أن قوى الشر (المنشقين) لن تنتصر على قوى الخير (الوضع الراهن والاستبلشمنت). 

فكرة الوحش (التي أقتبسها من كتاب جاسبير بوار: الوحش والإرهابي والمثلي: الحرب على الإرهاب وانتاج المواطنين المنصاعين، والتي اقتبستها من فوكو)، أو عودة التوحش ضمن خطاب الحرب على الإرهاب المجتمعة إلى جانب الانحراف/الضلال الجنسي (الغيريين الفاشلين) يتم تقديمهم كنتاج لامبريالية غربية تحوّل وتفسد شبابنا أو ناتجة عن أمراض موجودة في المنحرفين التي تحتاج إلى التعامل معها (كما هو حال الغضب الأخلاقي الذي أحاط بمسألة البونداج والظهور العلني لمتحولة جنسيا في جونية). ثلاثية الوحش- الإرهابي- المثلي يقابلها ثلاثية أخرى هي الجيش- المقاومة- الشعب والتي يروج لها حزب الله والدولة، والتي تذكرنا بشعار موسوليني "الله، الوطن، العائلة"- الشعار الذي ألهم بيار الجميل الجد والذي اعتمده لحزب الكتائب.

تشرح بوار كيف أن الفهم الغربي للـ الوحش- الإرهابي تم بناؤه انطلاقا من سمات ثلاثية تحاول إشاحة النظر عن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية الكامنة فعليا وراء الإرهاب، ذاهبة بعيدا عن التفسير التبسيطي الذي يختزل المسألة بعلاقة أمومة وجنسانية سيئة وإحباط إسلامي أصولي، وتفسر عميقا كيف أن الوحش- الإرهابي- المثلي- هو في الواقع مسألة جرى بناؤها "كنتاج لقلق الحضارة المعيارية على أساس الغيرية الجنسية وكوصمة لغير المتحضرين" (2002, 139-140).

وقد اعتمدت الأنظمة العربية خطاب الحرب على الإرهاب والممارسات لتمتين حكمها خلال مرحلة ما بعد الثورة المضادة. تبني الأنظمة العربية لخطاب الوحش- الإرهابي قد يكون مفاجئا للبعض- كيف يمكن للأنظمة العربية، في الدول ذات الغالبية المسلمة، استخدام خطاب إسلاموفوبي من أجل ترسيخ هيمنتها، وفي الوقت عينه، الاعتماد على الدين الإسلامي لقمع واضطهاد مجتمع الميم؟ ولكن هنا بالضبط حيث يصبح مهما تحليل الوسائل التي تمكنت الأنظمة العربية بفضلها من ركوب الموجة الثورية التي اجتاجت العالم العربي- من خلال جعل هيمنة فكرة أن أي احتجاج ضدها هو مؤامرة تكفيرية- صهيونية- امبريالية للإطاحة بالوضع القائم، والأهم من كل ذلك، اعتبار الأخلاق والقيم الهجينة الجديدة هدفها الوحيد هو تدمير "طريقتنا في الحياة".

وهذا ما دفع الإعلامي في قناة LTC المصرية، محمد الغيطي إلى إعلان أن "المنحرفين جنسيا مرتبطون بالسلوك الإجرامي. لا يتعلق الأمر فقط بسلوكهم الأخلاقي. إنما هم أيضا متورطون في جرائم أخرى مثل المخدرات والقتل والخطف والكثير من الجرائم". أو أكثر مباشرة، قال أحمد موسى في صدى البلد "إن الانحراف الجنسي جريمة خطيرة مثل الإرهاب. هي الوجه الآخر للإرهاب، المتمثل بنشر الانحراف الجنسي والفجور في مصر". وهذا بالضبط يشبه ما قام به الناشط طوني أوريان يوم نشر صورة للإعلامية ديما صادق ترفع علم داعش مدعيا أنها الآن جزء من جهاد النكاح- من خلال تشويه لتشويه للوحة الشهيرة للرسام ديلاكروا "الحرية تقود الشعب". وكانت صادق قد عدّلت اللوحة لتظهر فيها المرأة حاملة العلم الفلسطيني وليس الفرنسي. إن ربط التضامن مع الفلسطينيين/ات أو مع الأفراد المنتمين/ات إلى مجتمع الميم بدعم داعش يشير إلى تشكيل صورة إرهابية تهدف إلى الوصول إلى توافق مهيمن ضد أي شكل من أشكال التضامن مع اللاجئين/ات السوريين/ات في حالة لبنان، أو مع مجتمع الميم في مصر.

لقد جاءت الحرب على الإرهاب إلى العالم العربي وأظهرت أنها أكثر كفاءة مما هو الحال في الغرب. وفي حين يقدم روادها أنفسهم كمحررين، فإن الحرب العربية على الإرهاب تسعى إلى استرجاع والحفاظ على ما قد خسروه خلال الثورات الموصومة بالفوضى والانحراف الجنسي والأصولية الإسلامية. ولا يتم التمحيص بكيفية تحقيق هذه الأهداف الثلاثة في الوقت عينه في ظل نفس النظام. فنتوصل مع الأجهزة الأمنية إلى وصف كاريكاتوري متناقض: نظام كويري أصولي إسلامي فوضوي. وهنا تكمن عبقرية خطاب الحرب على الإرهاب. إنها حرب دائمة تقود إلى الخلط بين ما هو غير معياري وبين ما هو خطير، وتأطير الحالتين بأنهما منتشرتين ولكن في الوقت عينه سريتين، وقادرة على الضرب في أي لحظة وبالتالي ثمة حاجة للتخلص الروتيني منها عبر القمع والمداهمات والاعتقالات.

لمواجهة العدو الداخلي، يتم تغذية الوطنية. وفي كثير من الأوقات يتم وضعها كنقيض للطائفية، بناء الوطني هو أكثر عنفا من بناء الوحش-الإرهابي. يبدأ هذا البناء مع تسابق المرشحات على لقب ملكة جمال لبنان بالإجابة على أسئلة حول أفضل الطرق للإبقاء على "أمة متماسكة" في مواجهة التهديدات المحتملة؛ وازدياد الحالات التي يقدم خلالها الفنانون/ات المعرفون/ات ولاءهم الكامل للجيش اللبناني؛ والدعوة إلى تهجير قسري للاجئين/ات السوريين/ات؛ والطلب من المهاجرين العودة إلى البلاد (أي الاستثمار في الوطن، وخاصة في قطاع النفط) بما أن البلد قد عاد إلى عافيته؛ وإجراء اختبارات لمن يدعم أكثر الجيش اللبناني ضد كل محاولات لزعزعة استقراره.

في ضوء ذلك، يتم بناء وطنية مطيعة في مواجهة ما يتم اعتباره تطرفا أو انحرافا أو ما تسميه بوار "أولئك الوحوش الذين يجب الحجر عليهم، أولئك المرضى الذين يسيئون إلى العادات والقوانين، المهددين للأنوثة والرجولة السليمة. توفر هذه الوحوش الوطنية مع تربية مؤطرة خاصة بها. وبعد ذلك لدينا مجال العائلة الوطنية، المشغولة بالعديد من المواضيع التي تجد سلامتها في وطن غيريّ: هذه الموضوعات تسمى من شخصية الوحش وهي مدعوة إلى تحديد تأطيرها الخاص بها- باسم الوطنية". (2002, 135-136)

ويطلب باستمرار من المواطنين المطيعين تقديم ولائهم لدولة قومية تتعرض لهجوم دائم ولفهم متغير باستمرار لمعنى الدولة، أو كما تميزها بوار "الضعف والهشاشة الأنطولوجية غير المتغيرة". تتطلب هذه الهشاشة تقديم الولاء الأعمى، والتعصب والذكورية الفجة في ظل الوطنية. في هذا السياق، لا يمكن أن نفهم الوطنية المعاصرة خارج الحرب على الإرهاب، ومن ثم لا يمكن فهمها على أنها رجولة عسكرية وعنصرية وإسلاموفوبية تعيد فرض نفسها إثر كل عمل إرهابي تشعر بأنها مجبرة على الرد عليه.

لا يخلو هذا الولاء من الاستغلال. والتضحية التي يقدمها الجيش نيابة عن الأمة من المتوقع أن يتقاسمها جميع السكان. يعتقد المواطنون المطيعون أنهم عبر تماثلهم مع التضحية يمكنهم المشاركة في المجد وواجب حماية الأمة عن طريق عقلنة الشكل الجديد من الهشاشة الاقتصادية التي يسهلها التجديد المستمر لتدابير التقشف والإفراط بالخصخصة.

تصبح التضحية في ظل هذا الانكماش الاقتصادي واجبا وطنيا، ومساهمة ضرورية في المشروع الجماعي الذي يتم بناؤه. لا ينتهي كل ذلك، الدولة المثالية هي مشروع غير محقق، يتوق المواطن المطيع إلى تحقيقها لكن ذلك لا يتحقق أبدا. يصبح المشروع غير المحقق فعالا فقط عندما يتم تحديه من الوحش. الإرهابيون والوحوش بمثابة كبش فداء لكل القلق الاجتماعي والاقتصادي الذي يواجه الناس، ويتم بناؤهم باعتبارهم يشكلون تهديدا مستمرا لأجهزة الدولة، كل ذلك يترافق مع المصلحة في تجديد الموارد وأنماط الإنتاج الحالية.