عن تقاطع العنصرية والذكورية: أو كيف تقتل ريّا مرتين

نشر في‫:‬الثلثاء, تشرين اول 10, 2017 - 14:15
من مسيرة حياة النساء أهم من كراسيكم | تصوير بات سي
الكاتب/ة: رانيا إغناطيوس، فرح قبيسي.

في 22 أيلول 2017، هزت جريمة اغتصاب وقتل، بلدة مزيارة، في قضاء زغرتا، راحت ضحيتها الشابة ريّا الشدياق. وبنتيجة التحقيقات، تبين أن الجاني هو رجل سوري الجنسية، يعمل ناطوراً في فيلا ذويها. انتشر الخبر على وقع ردة فعل غاضبة من قبل سكان البلدة وأهالي الضحية، وشملت ردة الفعل هذه قرى وبلدات في شمال لبنان، حيث ارتفع الصوت المطالب بإعدام المرتكب في ساحة البلدة وبطرد جميع السوريين من المنطقة1

في هذا الإطار، لا بد من طرح جملة من التساؤلات: من أين يأتي هذا الغضب المجتمعي؟ هل هو غضب تجاه الجريمة أم هو غضب تجاه هوية المرتكب؟ ألم يؤدِ تحويل الجريمة من قضية اعتداء جنسي وقتل لامرأة إلى ساحة للهجوم على السوريين، إلى تحويل النقاش من مشكلة العنف الأبوي إلى إشكالية اللجوء السوري؟ ألا يعتبر تغييب الحدث هذا، كقضية اعتداء جنسي وانتهاك لجسد المرأة، تواطؤاً مباشراً مع العنف الأبوي؟ ألا يفترض الخطاب العنصري الذي جرى الترويج له أن جميع السوريين كتلة واحدة من المجرمين المحتملين، أن العنف ضد النساء هو حكر على طبقة أو جنسية معينة؟ ألا يتجاهل هذا الخطاب الجرائم التي يتم ارتكابها يومياً من رجال من خلفيات اجتماعية مختلفة في لبنان؟ ألا يتعامل الخطاب الذي يستخدم معاناة  النساء لأغراض عنصرية، على أنهن مجرد "مشكلة" ثانوية أو أداة سياسية في الصراع المتعلق بقضية اللاجئين؟ أليس غريباً كيف يجري التطبيع مع العنف ضد النساء في مجتمعنا والتستر عليه عندما تكون هوية المرتكب معروفة كأحد الأقارب أو أحد أفراد العائلة أو القرية أو حتى الطائفة، في حين ينتفض المجتمع شيباً وشباباً مطالباً بالثأر متى كان المرتكب "غريباً"؟ ألا يحيل هذا التناقض إلى الاعتقاد بأن أجساد النساء متاحة حصراً لرجال العائلة والطائفة والوطن، لتقييدها والتسلّط عليها وتعنيفها، دون غيرهم؟ حقيقة القول، أن بهذا ريا تقتل مرتين، مرة على يد قاتلها، ومرة على يد مجتمع يصرّ على نفي مسؤوليته تجاه العنف الأبوي ملقياً باللوم على "الآخر" و"الغريب". 

إخراج العنف الجنسي من دائرة الاستثناء

تصوير العنف الموجه ضد النساء كموضوع خارجي، يقوم به "الغرباء"، يغفل أن العنف واقعاً يومياً للنساء في لبنان، وليس استثناءً. ففي عام 2017 وحدها حصلت جرائم عنف كثيرة في لبنان ضد النساء، تم توثيق ثمانية جرائم عنف جنسي منها2 راح ضحيتها في الأغلب نساء لبنانيات على أيدي أحد أفراد أسرهن من الرجال. مرت هذه الجرائم مرور الكرام، وبالكاد تم تداولها في وسائل الإعلام. فلم تجد هذه الأخيرة، في هذه الأحداث موضوعا "مثيرا" بشكل كافٍ لتحريك العصبيات الطائفية والعنصرية، من جهة. ومن جهة أخرى، يحيل هذا التكتم إلى التواطؤ مع العنف الجنسي خاصة متى كان المعتدي أحد أقرباء الضحية. فالإفصاح عن جرائم مماثلة يعتبر وصمة عار للضحايا وللناجيات ووصمة لـ"شرف" عائلاتهن معاً.

إلى ذلك، يستفيد المغتصب من تبريرات المجتمع والدولة لأفعاله وحمايتها له، وهذا ما يتجلّى في التصريحاتٍ الرسمية، وفي الأحكام القانونيّة التخفيفية، كما وفي غالبية الخطابات الإعلامية والإجتماعية السائدة التي تبرر للمعنِف والمغتصب، وتلوم الضحيّة/ الناجية. وغالبا ما رافقت مطالب الحركة النسوية في لبنان التي تطالب بقوانين تجرم العنف ضد النساء بمواقف الطبقة الحاكمة والسلطة السياسية الكارهة للنساء، سواء المبررة للعنف والتي تلوم النساء عليه، أو المتهكمة من تجارب النساء أو بتوفير الحماية السياسيّة للرجال المعنّفين. فهذه حقيقة النظام اللبناني، هو نظام ذكوري عنيف يقتل النساء ويمشي في جنازاتهن، قبل أن يخلي سبيل قاتليهن ويلقي باللائمة عليهن. ألم يتحصّن محامي قاتل منال العاصي بالضبط بهذه الإيديولوجيا السائدة المتساهلة مع العنف ضد النساء في سياق دفاعه عن القاتل3؟

إذا، من الصعب إنكار حقيقة أن الكثير من حقوق النساء غير مكفولة في لبنان. ومن الصعب أيضا إنكار حقيقة أن العنف الجنسي هو ظاهرة تتعرض لها النساء بشكل يومي، والأهم من ذلك هو الترسيخ للإفلات من العقاب والتسامح من الدولة والمجتمع تجاه هذه الجرائم. ولا يمكننا إثارة تلك المشكلات دون تسليط الضوء على الدور الذي يلعبه الحيّز الخاص في إعادة إنتاج المزاج المتسامح مع العنف ضد النساء، الذي يشمل إضافة إلى العنف الجسدي والمعنوي والجنسي، تقييد حرية الحركة والاختيار والوصاية الأبوية علي أجساد النساء. 

تؤصّل هذه الوصاية لفكرة عدم "ملكية" النساء لأجسادهن والتي يمتلكها الرجل، كأب وأخ وزوج. ويعتبر العنف الجنسي في المجال العام امتداداً لهذا المنطق الأبوي والذي يعتبر أن النساء يتعدين على الحيّز العام وبالتالي يستسهل استباحة أجسادهن لتأديبهن هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، تتسامح الدولة مع العنف ضد المرأة سواء عن طريق الممانعة في سن قوانين تحمي النساء أو التخاذل في تطبيق ما وجد منها. وهذا بالضبط المقصود بثقافة العنف الجنسي، أي أن السياق المجتمعي والمستند غالبا إلى سلطة المؤسسات الدينية والطائفية يرسخ للتسامح مع العنف ضد النساء وانتشاره في المجتمع. فهل يمكننا قراءة جريمة مزيارة بمعزل عن هذا الواقع المؤلم لغالبية النساء، سواء كنّ لبنانيات أو غير لبنانيات؟ 

عن دعاء: ليس للمرأة السورية من يغضب لها

في مطلع أيلول، أي قبل أسبوعين على الجريمة التي راحت ضحيتها ريا، وأثناء تواجد دعاء أبو دحلوش، فتاة سورية، على متن "فان" وبعد ترجّل جميع الركاب ما عداها، سألها السائق اللبناني إن كانت تحمل أوراقا ثبوتية، فأجابته أن تواجدها في لبنان غير قانوني. حينها حاول اغتصابها مهدداً إياها بتسليمها إلى القوى الأمنية إن قاومته. فما كان من دعاء إلا وأن فتحت باب الفان ورمت بنفسها محاولة النجاة بحياتها، إلا أن جسدها ارتطم بالأرض وتوفيت. تقول منظمة العفو الدولية4 أن أغلب النساء السوريات في لبنان لا يشعرن بالأمان ويتعرضن للاستغلال وللتحرش الجنسي باستمرار ويخضعن للابتزاز نتيجة هشاشة وضعهن الاقتصادي والاجتماعي والقانوني. فقد استغل سائق الفان واقع افتقاد دعاء للأوراق القانونية مهدداً إياها بالإغتصاب وملوحاً باللجوء للسلطة الأمنية في حال عدم استجابتها. راحت دعاء ضحية عنف جنسي من جهة وآخر أمني. لم تجد دعاء من يغضب لها، ولا من يطالب بالاقتصاص من قاتلها ومن من حاول اغتصابها، ولم تخرج مظاهرات مطالبة بالإعدام لمرتكب الجريمة، ولم يطالب أحدهم بحظر تجول سائقي الفانات في المنطقة وبطردهم من المدينة! 

الفارق الكبير في ردات الفعل إزاء الجريمتين التي راحت ضحيتهما كل من ريا ودعاء، يقول لنا إن الغضب المجتمعي تجاه جرائم العنف ضد النساء هو انتقائي ومشروط بسياقات سياسية واجتماعية واقتصادية وهويات كل من المعتدين والناجيات القومية والطبقية والجندرية. كما يتم استغلاله بشكل استنسابي وانتهازي بحسب الأجندات السياسية. وإن التعامل الإعلامي والاجتماعي مع الاعتداءات الجنسية لا ينطلق من منظور العدالة للنساء، بل أن دافعه الأساسي قد يكون أي شيء ما عدا وقف التمييز والتعدي على أجسادهن.  

من هنا ضرورة أن يكون موقفنا تجاه الجريمتين موجّها ضد النظام بمؤسساته الاجتماعية والقضائية والسياسية والأمنية التي تبيح العنف الجنسي والجسدي ضد النساء وتجعل منه واقعا يوميا. فمِن الفتيات القاصرات والنساء الفقيرات والعاملات واللاجئات اللواتي نادراً ما تتصدر معاناتهن عناوين الصحف، إلى النساء اللواتي يتمتعن بإمتيازات أكبر على الصعيد الطبقي والاجتماعي، العنف الجنسي واقع تشترك فيه جميع النساء ولو بدرجات مختلفة. ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تستغلّ معاناة بعض النساء لاستهداف فئات اجتماعية واسعة.

بالطبع، هذه ليست دعوة للحفاظ على الهدوء، بل هي دعوة للغضب، غضب من أجل ريا ودعاء وكل امرأة عنّفت واغتصبت وقتلت. وليكن هذا الغضب تجاه هؤلاء المعنّفين وتجاه منظومة أرسَت من العنف معاشاً وواقعاً يومياً، تنتجه وتعيد إنتاجه دون كلل. إن تغيير هذه المنظومة الذكورية العنيفة هو السبيل الذي لا بد منه من أجل تحقيق العدالة لمن وقعن ضحايا للعنف ولمن يحاولن النجاة منه.

الهوامش:

1. نجاح عيتاني، الخطاب العام والعقوبة الجماعية: "جريمة مزيارة" نموذجاً، 6-10-2017، http://legal-agenda.com/article.php?id=3971

2. جريدة المستقبل، في الجلسة الأخيرة من محاكمته بقتل زوجته منال عاصي محمد النحيلي: «أنا نادم وأطلب الشفقة»، 4 تشرين الأول 2017، http://www.almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=NP&ArticleID=750659

3. Civil Society Knowledge Center, Mapping of incidents of violence against women, http://civilsociety-centre.org/map/gen/kafa.vaw?field__rep_date_of_viola...

4. منظمة العفو الدولية، لماذا تواجه اللاجئات السوريات في لبنان تحرشاً جنسياً واستغلالاً باستمرار؟ شباط 2016 https://www.amnesty.org/ar/latest/campaigns/2016/02/why-refugee-women-sy...