11 أطروحة حول الانبعاث الراهن للسلفية الإسلامية

نشر في‫:‬الجمعة, تشرين اول 6, 2017 - 17:27
الصورة من هنا: http://sayquotable.com/
الكاتب/ة: جلبير الأشقر.

هذا المقال سبق ونُشر باللغة الفرنسية في مجلة «الأممية الرابعة» العدد 6، أكتوبر-ديسمبر 1981. وقد صدر باللغة العربية في مصر ولبنان، بترجمة تضمنت بعض المغالطات. هنا ترجمة منقحة نشرتها المناضل-ة يوم أول فبراير 1981

1/ إن الاتساع والتنوع في أشكال انبعاث السلفية الإسلامية الذي وسم بداية الربع الأخير من القرن العشرين، يمنعان أي تعميم متعجل لفرضيات في هذا المجال. فمثلما نكون ضالين تماما لو ماثلنا كاثوليكية العمال البولنديين بكاثوليكية الرجعية الفرانكية – دون الاستنكاف مع ذلك عن تحليل السمات المشتركة للتاريخ الزراعي في إسبانيا وبولندا، أو السمات المشتركة في المحتوى السياسي والأيديولوجي لكاثوليكيتهما الخاصتين- فإن أقل حذر من التحليل يمنعنا من أن نضع في سلة واحدة ظواهر تختلف بمثل الاختلاف القائم بين صعود الحركات الإسلامية الدينية و/أو السياسية في مصر وفي سوريا وتونس وتركيا وباكستان وأندونيسيا وفي السنغال، أو بين الديكتاتوريتين العسكريتين لضياء الحق في باكستان وللقدافي في ليبيا، أو بين استيلاء رجال الدين الشيعة الإيرانيين على السلطة وحرب العصابات الأفغانية، الخ. وحتى الظواهر التي تبدو متماثلة بشكل جلي، كنمو حركة «الإخوان المسلمين» ذاتها في مصر وسوريا، يكمن وراءها في الواقع تنوع في المحتوى والدور السياسي، والاتفاق حول مسائل الحياة اليومية، عندما توجد مثل هذه الاتفاقات، وعلى الرغم من التشابه بل التطابق في الأشكال التنظيمية والتسميات، فإن الحركات الإسلامية تظل في جوهرها حركات سياسية وبالتالي تعبيرات عن مصالح اجتماعية-سياسية نوعية ودنيوية للغاية.

2/ لم يكن ثمة إقحام للإسلام في السياسة: فالإسلام في الواقع لا يمكن فصله عن السياسة، إذ هو نفسه دين سياسي. وهكذا فإن مطلب فصل الدين عن الدولة هو مطلب يتخطى حدود العلمانية في البلاد الإسلامية، وهو معاد للدين بشكل صريح. وهذه الحقيقة الثايتة تساهم في تفسير كون أي من التيارات الكبرى للقومية البورجوازية والبورجوازية الصغيرة في أرض الاسلام، باستثناء الكاملية في توركيا، لم يعلن تأييده للعلمانية. فإن هذه المهمة الديموقراطية التي تبدو بديهية في بلاد أخرى، تبلغ جذريتها في بلاد الإسلامية، وخاصة بلاد الشرق الأوسط، درجة ستجعل ديكتاتورية البروليتاريا نفسها تواجه صعوبات في تحقيقها، وهي بعيدة أصلا عن متناول الطبقات الأخرى. علاوة على ذلك، لم يكن للطبقات الديموقراطية في المجتمعات الإسلامية، إجمالا، أي مصلحة تقريبا في محاربة دينها الخاص. فالإسلام لم ينظر إليه في القرن العشرين، في هذه المجتمعات، بوصفه اللحمة الأيديولوجية لبنية طبقية بائدة، إقطاعية أو شبه إقطاعية، بل بالأحرى كعنصر أساسي في الهوية القومية الممتهنة من جانب المضطهد الأجنبي المسيحي (بله الملحد). وليس من قبيل الصدفة إذا كانت تركيا المجتمع الإسلامي الوحيد الذي لم تخضع، في القرن العشرين، لنير أجنبي؛ مصطفى كمال أيضا كان استثناء بين أقرانه: فقد خاض نضاله الرئيسي، ليس ضد الاستعمار، أو الإمبريالية، بل ضد السلطنة، التي تشكل تركيبا بين السلطتين الزمنية والروحية (الخلافة). وفي المقابل، فإن قوميا بورجوازيا براديكالية عبد الناصر، كانت له كل المصلحة في رفع راية الإسلام في نضاله الرئيسي ضد الامبريالية، لاسيما أنه كان يجد في ذلك، في الوقت ذاته، وسيلة سهلة لحماية نفسه من اليسار ومن اليمين سواء.

3/ إن الإسلام بوصفه أحد عناصر أيديولوجية التيارات القومية –عنصر بين عناصر أخرى رغم أنه أساسي- ليس هو موضوع الأطروحات التالية. فهذا الإسلام قد مضى عهده، كما مضى عهد التيارات التي تنتسب إليه. وبشكل أكثر عمومية، سنميز بين الإسلام الذي يُستخدم كوسيلة لتحديد وتأكيد هوية قومية أو اجتماعية، بله طائفية، متصارعة مع هويات أخرى، وبين الإسلام الذي يُنظر إليه كهدف في ذاته، هدف كلي وشامل، برنامج وحيد ومطلق. "القرآن دستورنا" أعلن حسن البنا، مؤسس حركة "الإخوان المسلمين" في سنة 1928. هذا الإسلام هو الذي يهمنا في إطار هذه الأطروحات: الإسلام المرفوع إلى مرتبة المبدأ المطلق الذي يخضع له كل مطالب أو نضال أو إصلاح، إسلام "إخوان المسلمين" و"جماعة إسلام" ومختلف جمعيات العلماء وحركة آيات الله الإيرانيين التي يشكل "الحزب الجمهوري الإسلامي" تعبيرها المنظم. إن القاسم المشترك بين هذه الحركات المختلفة هو السلفية الإسلامية، أي الرغبة في العودة إلى الإسلام، الطموح إلى "يوتوبيا" (طوبى) إسلامية لا يمكنها، أصلا، أن تقف عند حدود أمة واحدة بل ينبغي أن تشمل مجمل الشعوب الإسلامية إن لم يكن العالم كله. بهذا المعنى أكد بني صدر عام 1979 لجريدة "النهار" البيروتية :"أن آية الله الخميني أممي: فهو يقاوم ستالينيي الإسلام الذين يريدون بناء الإسلام في بلد واحد" (كذا!). ويعبر عن هذه النزعة الأممية كون الحركات المذكورة آنفا تتخطى حدود بلادها الأصلية و/أو تقيم فيما بينها علاقات وثيقة إلى هذا الحد أو ذاك. وهي ترفض جميعا القومية بالمعنى الحصري للكلمة، وتعتبر أن التيارات القومية، حتى تلك التيارات التي تشهر إسلامها، منافسة بل معادية. فهي تقاوم الاضطهاد الأجنبي أو العدو القومي باسم الإسلام، وليس دفاعا عن "الأمة". هكذا فالولايات المتحدة ليست "امبريالية" في نظر الخميني بقدر ما هي "شيطان كبير"، أما صدام حسين، فهو قبل كل شيء "ملحد" و"كافر". وليست إسرائيل بالنسبة لكل تلك الحركات إغتصابا صهيونيا للأراضي الفلسطينية بقدر ما هي "إغتصاب يهودي لأرض إسلامية مقدسة".

4/ أيا كان المدى التقدمي، القومي و/أو الديموقراطي، الموضوعي لبعض النضالات التي تخوضها مختلف تيارات السلفية الاسلامية، فهو لا يستطيع أن بحجب كون أيديولوجيتها وبرنامجها رجعيان في جوهرهما بحكم تعريفهما. إذ ما هو برنامج يهدف بناء دولة إسلامية، تقلد نموذج دولة القرن السابع الميلادي، إن لم يكن طوبى رجعية؟ وما هي أيديولوجية تستهدف إعادة إنشاء نظام عمره ثلاثة عشر قرنا، إن لم تكن أيديولوجية غارقة من الرجعية؟ وبهذا المعنى يكون من الضلال بل من العبث، نعت الحركات السلفية الإسلامية بأنها بورجوازية، مهما التقت بعض النضالات التي تخوضها هذه الحركات مع كل أو جزء من بورجوازية بلدها، مثلما هو من الضلال نعتها بالثورة عندما يحدث لها أن تعارض تلك البورجوازية نفسها. فالحركات السلفية الإسلامية هي حركات بورجوازية صغيرة، سواء بطبيعة برنامجها وأيديولوجيتها أو بتركيبها الاجتماعي وحتى بالأصول الاجتماعية لمؤسسيها. وهي لا تختفي بغضها لممثلي الرأسمال الكبير كما لممثلي البروليتاريا، وللدول الإمبريالية كما للدول العمالية. إنها تعارض قطبي المجتمع الصناعي الذي يهددها: البورجوازية والبروليتاريا. وهي تطابق ذلك القطاع من البورجوازية الصغيرة الذي يصفه "البيان الشيوعي" كالآتي: "إن الطبقات المتوسطة، صغار الصناع، تجار التجزئة، الحرفيين، الفلاحين، تحارب البورجوازية لأنها تهدد وجودها كطبقات متوسطة. فهي ليست ثورية، ولكن محافظة، وأكثر من ذلك أنها رجعية: فهي تسعى إلى إدارة عجلات التاريخ إلى الوراء". إن الرجعية الإسلامية البورجوازية الصغيرة تجد أيديولوجيتها وإطاراتها المنظمة بين "المثقفين التقليديين" في المجتمعات الإسلامية، العلماء وأشباههم، وكذلك من المراتب الدنيا من "المثقفين العضويين" التابعين للبورجوازية، أولئك المتحدرين من صفوف البورجوازية الصغيرة والمحكوم عليهم بأن يظلوا في المراتب الدنيا: المدرسين وصغار الموظفين بالأخص. وفي فترات صعودها، تجند السلفية الإسلامية أعدادا واسعة داخل الجامعات وسائر مراكز إنتاج "المثقفين" حيث لا تزال هوية هؤلاء مشروطة بأصولهم الاجتماعية أكثر مما بمستقبلهم المرتقب، وغير المضمون في أغلب الأحيان.

5/ في تلك البلدان التي استطاعت الرجعية السلفية الإسلامية فيها أن تؤسس حركة جماهيرية وحيث هي في طور الصعود في الوقت الراهن، يتميز السكان العاملون بأن نسبة كبيرة منهم تتألف من الطبقات المتوسطة بالمعنى المحدد في "البيان الشيوعي" : صناع صغار، وتجار تجزئة، وحرفيين، وفلاحين. غير أن كل فورة للتيار السلفي الإسلامي لا تعبئ قسما واسعا إلى هذا الحد أو ذاك من الطبقات المتوسطة وحسب، بل تعبئ أيضا أقساما من الطبقات الأخرى متحدرة لتوها من الطبقات المتوسطة بفعل التراكم البدائي والإفقار الرأسماليين. هكذا فإن أقساما من البروليتاريا، تلك المتبلترة حديثا، وبالأخص أقساما من البروليتاريا الدنيا، تلك التي جرتها الرأسمالية من موقعها البورجوازي الصغير السابق، هي قابلة بصورة خاصة لاستجابة التحريض السلفي والانجرار وراءه. تلك هي القاعدة الاجتماعية للحركة السلفية الإسلامية، قاعدتها الجماهيرية. بيد أن تلك القاعدة ليست بمستجيبة للرجعية الدينية بشكل تلقائي، مثلما هو حال البورجوازية بالنسبة لبرنامجها الخاص. فمهما تكن، في الواقع، قوة المشاعر الدينية للجماهير، وحتى لو كان هذا الدين هو الإسلام، فثمة قفزة نوعية بين المشاعر وبين الاستجابة للدين بوصفه طوبى دنيوية: فلكي يتحول الدين من جديد، بعد أن كانأفيونا للشعوب، إلى مهيِّج، وذلك في عصر التأليل (أتمتة)، لا بد ألاّ يكون أمام تلك الشعوب حقا أي خيار آخر غير اللجوء إلى الله. إذ أن أقل ما يقال عن الإسلام هو أن حاليته ليست أمرا بديهيا! في الواقع فإن السلفية الإسلامي تثير لإشكاليات أكثر مما تقدم حلولا: فعدا الأشكال في تحديث قانون مدني عمره ثلاثة عشر قرنا، وهو بالرغم من كونه أحدث من القانون الروماني بعدة قرون، إلاّ أنه نتاج مجتمع كان بوضوح أكثر تخلفا من المجتمع الروماني القديم (القرآن مستوحى من التوراة إلى حد بعيد، مثلما كان نمط عيش العرب شبيها إلى حد بعيد بنمط عيش العبريين). قلنا عدا الإشكال في تحديث القانون المدني الإسلامي، ينبغي إستكماله. وبتعبير آخر فإن أكثر السلفيين الإسلاميين أمانة للرسالةلا يمكنه الرد على المشكلات التي يطرحها المجتمع الحديث من خلال شعوذات التأويل وحدها، إلاّ إذا أصبح التأويل إعتباطيا تماما وبالتالي مصدر المفسرين، أمّا النواة المركزية للدين الإسلامي، تلك التي يجمع عليها المسلمون، فهي لا تشبع بأي شكل حاجات البورجوازي الصغير المادية الملحة، بغض النظر عن قدرتها على إشباع حاجاته الروحية. إن السلفية الإسلامية ليست في ذاتها، بأي شكل من الأشكال، البرنامج الأكثر توافقا مع طموحات الفئات الاجتماعية التي تؤثر في صفوفها.

6/ إن القاعدة الاجتماعية الموصوفة أعلاه تتميز بتقلبها السياسي. فالاستشهاد الذي أوردناه من "البيان الشيوعي" لا يصف موقفا دائما للطبقات المتوسطة، بل يصف فقط المحتوى الفعلي لنضالها ضد البورجوازية، عندما يحصل هذا النضال، أي عندما ترتد الطبقات المتوسطة ضد البورجوازية، ذلك أن الطبقات المتوسطة، قبل أن تحارب البورجوازية، كانت حليفة لها في نضالها ضد الإقطاع، وقد ساهمت في دفع التاريخ إلى الأمام، قبل أن تسعى إلى رد مجراهز فالطبقات المتوسطة هي قبل كل شيء القاعدة الإجتماعية للثورة الديموقراطية وللنضال القومي. وفي المجتمعات المتخلفة والتابعة، كالمجتمعات الإسلامية، تحتفظ الطبقات المتوسطة بهذا الدور بقدر ما تبقى المهمات الديموقراطية والقومية على جدول الإعمال، كاملة إلى هذا الحد أو ذاك. وتشكلتلك الطبقات السند الأكثر حماسا لأي قيادة بورجوازية (وكم بالأحرى إذا كانت بورجوازية صغيرة) تسجل هذه المهمات على رايتها. إن الطبقات المتوسطة هي القاعدة الاجتماعية لكل بونابارتية بورجوازية). لابد إذن أن تكون القيادات البورجوازية أو البورجوازية الصغيرة التي تضطلع بالمهمات الديموقراطية والقومية قد بلغت حدودها الخاصة بها في تحقيق هذه المهمات وفقدت مصداقيتها، حتى تنفصل عنها أقسام واسعة من الطبقات المتوسطة وتبحث عن سبل أخرى. هذا ومن البديهي أنه طالما يبدو أن الازدهار الرأسمالي بفتح أمامها سبل الصعود الاجتماعي، وطالما تتحسن ظروفها المعيشية، لا تعترض الطبقات المتوسطة على النظام القائم. فهي حتى لو فقدت أهميتها بالسياسة وحماسها، تستمر بلعب دور "الأغلبية الصامتة" للنظام البورجوازي. ولكن ما أن يطأ عليها التطور الرأسمالي للمجتمع بكل ثقله، ثقل المنافسة المحلية و/أو الخارجية، والتضخم والديون، تصبح الطبقات المتوسطة احتياطيا خطيرا من القوى المعارضة للنظام القائم، فالتا من أي سيطرة بورجوازية، ويزيد من خطورته أن عنف البورجوازي الصغير اليائس وهيجانه لا مثيل لهما. 

7/ حتى عندئذ، يبقى الخيار الرجعي غير محتم على البورجوازي الصغير الذي يسحقه المجتمع الرأسمالي والذي فقد أوهامه حول القيادات القومية –الديموقراطية البورجوازية والبورجوازية الصغيرة. ذلك أن خيارا آخر يظل قائما، نظريا على الأقل، إذ أن الطبقات المتوسطة تجد نفسها أمام هذا الاختيار: الرجعية أو الثورة؛ فهي تستطيع بالفعل الانضمام إلى النضال الثوري ضد البورجوازية، كما توقع "البيان الشيوعي": "إذا كانت (الطبقات المتوسطة) ثورية، فذلك نظرا لانتقالها الوشيك إلى البروليتاريا: فهي تدافع عندئذ عن مصالحها المستقبلية، وليس عن مصالحها الحالية. وهي تتخلى عن وجهة نظرها الخاصة لتتبنى وجهة نظر البروليتاريا". بيد أنه في المجتمعات المتخلفة والتابعة التي لم تكن في حسبان "البيان الشيوعي" [5]، ليسس من الضروري أن تتخلّى الطبقات المتوسطة عن وجهة نظرها الخاصة لتضع نفسها تحت قيادة البروليتاريا. بل على العكس، فإن هذه الأخيرة تتوصل إلى جر الطبقات الديموقراطية والقومية. ولكن كي تتمكن البروليتاريا من كسب ثقة الطبقات المتوسطة، لابد أولا أن تحوز هي على قيادة موثوقة تكون قد أثبتت جدارتها السياسية والنضالية. أمّا إذا كانت القيادة ذات الأغلبية في صفوف البروليتاريا قد فقدت مصداقيتها في مجال النضالات السياسية القومية الديموقراطية (مع احتفاظها بموقع الأغلبية بفضل دورها النقابي أو لغياب البدائل)، وإذا كانت تبدي تخاذلا سياسيا تجاه النظام القائم، أو إذا كانت، في أسوأ حال، تساند النظام القائم، عندئد، لن يكون أمام الطبقات المتوسطة، فعلا، أي خيار آخر سوى الإصغاء للرجعية البورجوازية الصغيرة –حتى لو كانت بمثل غموض الرجعية- وربما التحرك استجابة لنداءاتها.

8/ في جميع البلاد التي أحرزت السلفية فيها تقدما ملحوظا، ولا يسما في مصر وسوريا وإيران وباكستان، كانت مجمل الشروط الموصوفة أعلاه قائمة [6]. ففي كل هذه البلدان، تدهورت بوضوح الظروف المعيشية للطبقات المتوسطة خلال السنوات الأخيرة. ورغم أن بعضها هي نفسها مصدرة للنفط، فإن التضخم الجامح كان الانعكاس الوحيد لتفجر أسعار النفط على أغلبية الطبقات المتوسطة في مجمل هذه البلدان. من جهة أخرى، فقد فقدت فيها القيادات القومية –الديموقراطية البورجوازية والبورجوازية الصغيرة مصداقيتها بوجه عام. فقد مرت تلك القيادات بتجربة السلطة في البلدان الأربعة المذكورة. وقد التف حول كل منها، في فترة معينة من تاريخها، إجماع الطبقات المتوسطة شبه الكامل، عندما كانت تحاول تحقيق برنامجها القومي الديموقراطي. وقد ذهب بعضها بعيدا في هذا الإتجاه، كما كانت الحال في مصر وفي البلاد التي دارت في فلكها، حيث بدا عبد الناصر كعملاق. وقد استطاع القوميون البقاء طويلا في السلطة عن طريق الجيش. أمّا في إيران وباكستان، حيث شكل القوميون حكومات مدنية، فلم يلبث أن كنسهم الجيش، وقد انتهى مصدّق وبوتو بشكل يثير الشفقة. هذا ومهما كان الأمر، فإن هامش التقدم على درب البرنامج القومي-الديموقراطي، ضمن إطار الدولة البورجوازية، هو اليوم هامش ضيق جدا أو شبه معدوم في البلاد الأربعة المذكورة أعلاه. وحتى في إيران، حيث كانت تجربة مصدق قصيرة للغاية، فإن الشاه، بناء على نصيحة أوصيائه الأمريكيين، قد أخذ على عاتقه، وبأساليبه الخاصة به شبه البيسماركية، تحقيق ما حققه أشباه روبسبيار وبونابرت المركّبين في البلاد الأخرى. ومن جهة أخرى، فإن المنظمات السياسية البروليتارية الوحيدة الجديرة بالذكر، في مجمل المنطقة، هي المنظمات الستالينية، التي إذا لم تكن هزيلة، فهي مجردة من أي مصداقية بسبب تاريخها الطويل في خيانة النضالات الشعبية والتواطؤ مع السلطات القائمة. هكذا، فعندما بدأ سخط الطبقات المتوسطة يظهر في السنوات الأخيرة في البلدان الأربعة المذكورة آنفا، لم تستطع أي منظمة عمالية أو قومية بورجوازية أو بورجوازية صغيرة، أن تؤطر ذاك السخط: كان المجال فسيحا أمام الرجعية السلفية البورجوازية الصغيرة. وعلى العكس من ذلك، في الجزائر وليبيا [7] والعراق، حيث استطاع الاستبداد المستنير لبيروقراطية بورجوازية أو بورجوازية صغيرة أن يجعل أقساما من الطبقات المتوسطة تستفيد من الهبة النفطية، أمكن حصر نمو السلفية الإسلامية.

9/ إذا كانت السلفية الإسلامية قد أحرزت تقدما ملموسا في مصر كما في سوريا وإيران وباكستان، فإن أشكال تقدمها ومداه، وكذلك محتواه ودورها السياسيين تختلف كثيرا من بلد لآخر [8]. فالحركة السلفية في سوريا هي القوة المعارضة الرئيسية في وجه البونابرتية المنحطة للبيروقراطية البورجوازية البعثية، وقد دخلت معها في صراع حتى الموت. إنها تستفيد بشكل خاص من كون الفريق الحاكم يتسم بطابع الإقليمية الطائفية (العلوية). غير أن الطبيعة الرجعية المتطرفة والمطلقة للحركة السلفية السورية تلغي، أو تكاد، فرصها في الاستيلاء على السلطة بشكل مستقل. فهي لا تستطيع وحدها، على أساس مثل برنامجها، أن تجند القوى الضرورية لإسقاط الديكتاتورية البعثية. كما أن قدرتها على أن تدير وحدها بلدا ذا مشاكل سياسية واقتصادية بدرجة تعقيد مشكلات سوريا، هي بعد أقل. فالحركة السلفية السورية محكوم عليها إذن بالتعاون مع الطبقات المالكة السورية (البورجوازية والملاكين العقاريين). وهي ليست سوى رأس حربة تلك الطبقات ولا يمكنها أن تكون أكثر من ذلك. في مصر، وللأسباب نفسها، فإن آفاق استيلاء الحركة السلفية على السلطة بشكل مستقا هي آفاق ضيقة جدا، لا سيما وأن تفوذها النسبي أقل أهمية بشكل واضح عما في سوريا. وفي كلا البلدين، تصلب عود الحركة السلفية في مجرى صراع طويل الأمد ضد أنظمة تقدمية. مما أوكد طابعها الرجعي. فضلا عن ذلك فإن حجم مشكلات مصر الاقتصادية بذاته يقلص من مصداقية طموح الحركة السلفية إلى السلطة. إن البورجوازية المصرية تعي ذلك تماما، وهي تظهر كثيرا من التسامح تجاه الحركة السلفية. فهذه تشكل في نظرها طابورا خامسا مثاليا في قلب الجماهير "جسما مضادا" ذات فعالية خاصة ضد اليسار. ولهذا السبب لا يقلقها أن ترى اليوم الحركة السلفية المصرية تزاحم اليسار في المجالين المفضلين لهذا الأخير: المسألتين القومية والاجتماعية. فكل تقدم للرجعية الإسلامية في هذين المجالين يقلص من تقدم اليسار بالمقدار نفسه. إن موقف البورجوازية المصرية إزاء الحركة السلفية، مماثل للموقف الذي تقفه كل بورجوازية تواجه أزمة اجتماعية عميقة إزاء أقصى اليمين والفاشية. تتميز باكستان عن مصر يكون الحركة عن مصر بكون الحركة السلفية قد تدعمت فيها، بشكل رئيسي، في ظل أنظمة رجعية. ولذلك تمكنت هذه الحركة من أن تتبنى لحسابها الخاص، ولفترات طويلة، عناصر من البرنامج القومي-الديموقراطي، وأن تشكل بالتالي قوة ذات مصداقية في معارضة النظام القائم. بيد أنه، خلال هذه الفترة الطويلة نفسها، كانت الاتجاهات القومية-الديموقراطية البورجوازية ذاتها في المعارضة، وهي حتما أكثر نفوذا لأنها أكثر مصداقية من الحركة السلفية. وقد احتاج الأمر لرجل مثل بوتو حرق، في اختصار تاريخي مدهش، مراحل تطور على الطراز الناصري وتوصل بسرعة إلى فقدان دعم الجماهير، متورطا في تناقضاته الخاصة به، حتى فُسح المجال أمام أقصى اليمين الذي تسوده الحركة السلفية، علما بأن أقصى اليسار هزيل في باكستان. وقد بلغ إفلاس بوتو درجة مكنت الحركة السلفية من أن تعبئ ضده حركة جماهيرية واسعة. هذا وقد جرى الإنقلاب من أجل تدارك "الفوضى" التي أمكن أن تنجم عن إسقاط بوتو بواسطة تلك التعبئة (أنظر إيران!). ولكي تكسب الديكتاتورية العسكرية البورجوازية الرجعية لضياء الحق مؤازرة الحركة السلفية، أخذت على عاتقها بشكل ناجح برامج هذه الأخيرة في الإصلاح الإسلامي. وهي تعتمد على الحركة السلفية اليوم في تحييد المعارضة "التقدمية" لنظامها، بما فيها معرضة حزب بوتو الراحل. في الحالات الثلاث التي نظرنا فيها أعلاه، ثبت أن الحركة السلفية ليست سوى قوة إعانة للبورجوازية الرجعية. أمّا حالة إيران فتختلف.

10/ إن الحركة السلفية في إيران، التي يمثلها بشكل رئيسي الاتجاه السلفي بين رجال الدين الشيعة، قد تحددت في مجرى نضال طويل وشاق ضد نظام الشاه الغارق في الرجعية والمسنود من قبل الإمبريالية. إن الإفلاس التاريخي البائس للقومية البورجوازية وللستالينية الإيرانيتين أشهر من أن نصفه هنا. والحال أنه بنتيجة هذه التركيبة الاستثنائية من الظروف التاريخية، توصلت الحركة السلفية الإيرانية لأن تكون الحربة الوحيدة للمهمتين المباشرتين للثورة الديموقراطية القومية في إيران: إسقاط الشاه وقطع الروابط مع الإمبريالية الأمريكية. ومما زاد في إمكانية ذلك الوضع أن هاتين المهمتين كانتا في انسجام تام مع البرنامج العام الرجعي للسلفية الإسلامية. هكذا فعندما بلغت الأزمة الإجتماعية في إيران درجة من النضج خلقت الشروط اللازمة لاسقاط الشاه إسقاطا ثوريا، وعندما بلغ بغض الطبقات المتوسطة للشاه أوجه، تمكنت الحركة السلفية التي جسّدها الخميني من تأطير القوة العظيمة للطبقات المتوسطة اليائسة وللبروليتاريا الدنيا، لتوجه للنظام سلسلة من الضربات بالقبضات العارية، ضربات شبه إنتحارية في إصرارها على البقاء عزلاء، الأمر الذي لا تقدر عليه غير حركة صوفية. لقد نجحت الحركة السلفية الإيرانية في إنجاز المرحلة الأولى من ثورة قومية ديموقراطية في إيران، بيد أنه سرعان ما عادت طبيعتها السلفية لتسيطر. إن الثورة الإيرانية هي، بشكل ما، ثورة دائمة معكوسة. فبعد أن بدأت على أرضية الثورة القومية الديموقراطية، كان بالإمكان، لو توفرت لها قيادة بروليتارية، أن تأخذ طريق "التحول" إلى ثورة اشتراكية. لكن قياداتها السلفية البورجوازية الصغيرة منعتها من ذلك، دافعة إياها، على العكس، في اتجاه تقهقري رجعي. فقد شبهت ثورة فبراير 1979 بشكل مدهش ثورة فيراير 1917: نقطتا انطلاق متماثلتان، لتطورين في اتجاهين متعارضين تماما. ففي حين سمحت أكتوبر ببلوغ حد الثورة الديموقراطية الروسية، خانت القيادة السلفية المضمون الديموقراطي للثورة الإيرانية. وحيث استبدال البلاشفة الجمعية التأسيسية، استبدل آيات الله الجمعية التأسيسية التي سبق أن وضعوها هم أيضا على رأس مطالبهم، والتي منعوها من أن تبصر النور، استبدلوها بذلك المسخ الرجعي الذي هو "جمعية الخبراء" المسلمين. إن مصير ذلك المطلب المشترك للثورتين يلخص بشكل بليغ الطبيعتين المتناقضتين لقياداتهما، وبالتالي لاتجاهي تطورهما. أمّا فيما يخص أشكال التنظيم الديموقراطي التي برزت في غمرة فبراير الإيراني، فقد إحتوتها القيادة الإسلامية: إنه فرق شاسع بين "الشورى" والسوفياتات! في المجال القومي، وحيث سمحت الأممية البروليتارية لدى البلاشفة بتحرير القوميات المضطَهدة من جانب الامبراطورية الروسية، اتضح أن "الأممية" الإسلامية لدى آيات الله ما هي إلاّ ذريعة دينية لقمع القوميات المضطهَدة من جانب الامبراطورية الفارسية قمعا دمويا. إن مصير النساء في كلتا الثورتين معروف أيضا. ولم تبق القيادة السلفية الايرانية وفية للبرنامج القومي الديموقراطي إلاّ في نقطة واحدة: النضال ضد الامبريالية الأمريكية. ولكنها بقيت وفية له بطريقتها الخاصة. فقد أشار الخميني أن العدو ليس بوصفه الإمبريالية، ولكن "الغرب"، إن لم يكن الشيطان الكبير". ودعا إلى إلقاء الطفل مع ماء المغطس. وبعد أن نسب إلى "الغرب" البغيض كل المكتسبات السياسية والاجتماعية التي أتت بها الثورة البورجوازية، بما فيها "الديموقراطية"، وحتى الماركسية التي اعتبرها (عن حق) نتاجا للحضارة الصناعية المسماة "غربية"، دعا الخميني إلى اقتلاع هذه "الآفات" من المجتمع الإيراني، مغفلا الروابط الرئيسية بين إيران والإمبريالية وهي الروابط الاقتصادية. إن قضية سفارة الولايات المتحدة كما خيضت، لم تأت بشيء لإيران: وقد كلفتها ثمنا باهضا، وأفادت البنوك الأمريكية في نهاية المطاف. وأيا كان المصير اللاحق للديكتاتورية السلفية في إيران، فقد اتضح منذ الآن أنها عقبة رئيسية أمام تطور الثورة الإيرانية. إن ذلك المصير أصلا كثير الاحتمالات. فبالإضافة إلى التركيب الاستثنائي للشروط الموصوفة أعلاه، ثمة اختلاف أساسي قائم بين إيران والبلدان الثلاثة التي سبق النظر في أمرها: هو أن إيران تستطيع أن تجيز لنفسها "ترف" المرور بتجرية سلطة سلفية بورجوازية صغيرة مستقلة، إذ أن ثروتها النفطية تضمن لها ميزان مدفوعات وموازنة فائضين. ولكن بأي ثمن وإلى متى؟ فإن الحصيلة الاقتصادية لسنتين من السلطة السلفية سلبية بشكل فظيع، بالمقارنة مع السنوات السابقة. ومن جهو أخرى، فإن ميوعة "البرنامج" السلفي والتنوع الكبير للفئات الاجتماعية التي تنتسب إليه وتفسره، كل واحدة بطريقتها الخاصة بها، ينعكسان في تعددية سلطات متنافسة ومتخاصمة، وحدها سطوة الخميني سمحت بالحفاظ على تآلفها الظاهري حتى الآن.

11/ إن السلفية الاسلامية أحد أخطر أعداء البروليتاريا الثورية. ومن الضروري بشكل مطلق، وفي كل الظروف، محاربة "تأثيرها الرجعي والقروسطوي" كما سبق أن دعت إلى ذلك" الأطروحات حول المسألة القومية والكولونيالية" التي أقرها المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية. وحتى في الحالات التي تضطلع فيها الحركة السلفية مؤقتا بمهمات قومية ديموقراطية، مثلما جرى في إيران، فإن من واجب الشيوعيين الثوريين أن يحاربوا بلا مهادنة التضليل الذي تمارسه على الجماهير المناضلة، ويتوجب على الشيوعيين الثوريين، وهم يضربون مع العدو المشترك، أن يحذروا الجماهير العاملة من أي حرف لنضالها باتجاه رجعي. إن أي تخلف عن هذه المهمات البديهية ليس قصورا أساسيا وحسب، بل يكمن فيه أيضا خطر انحراف إنتهازي للمنظمة الشيوعية الثورية. بالمقابل، وحتى في الحالات التي تظهر فيها السلفية الاسلامية في مظهرها الرجعي دون سواه، يتوجب على الشيوعيين الثوريين أن يتسلحوا بالحذر التكتيكي في نضالهم ضدها. ويجب على وجه الخصوص أن يتجنبوا خوض المعركة على أرض الإيمان الديني التي يسعى السلفيون دائما وراء جرهم إليها، من أجل إبقائها في المجالات القومية والديموقراطية والاجتماعية. إذ يجب ألاّ يغيب عن بال الشيوعيين الثوريين أن جزءا، هاما في الغالب، من الجماهير التي تمارس السلفية الإسلامية نفوذها عليها، يمكن ويجب سلخه عنها وضمه إلى نضال البروليتاريا. هذا وعلى الشيوعيين الثوريين، وهم يفغلون ذلك، أن يعلنوا دون لبس تأييدهم لعلمنة المجتمع، هذا العنصر البديهي في البرنامج الديموقراطي. فهم يستطيعون تخفيف نبرة إلحادهم، ولكن ليس علمانيتهم أبدا، وإلاّ استبدلوا ماركس صراحة بمحمد!

أول فبراير 1981

المناضل-ة 

النص باللغة الفرنسية هنا

النص باللغة الانكليزية هنا