البلاشفة ومعاداة السامية

نشر في‫:‬الأحد, ايلول 24, 2017 - 19:59
الصورة من هنا: https://parallaxphotographic.coop/about/
الكاتب/ة: بريندان ماكغيفر.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

في الصباح الباكر من يوم 25 تشرين الأول/أوكتوبر عام 1917، استولى العمال على مواقع استراتيجية في بتروغراد. في قصر الشتاء، كان رئيس الحكومة المؤقتة، ألكسندر كيرنسكي ينتظر بفارغ الصبر سيارته لكي يهرب. في الخارج، سيطر الجيش الأحمر على محطة الهاتف المركزية. باتت السيطرة البلشفية على السلطة أمرا حاسما.

في القصر الكهرباء مقطوعة والهاتف كذلك. أطل كيرنسكي من نافذته فرأى البحارة البلاشفة قد احتلوا جسر القصر. أخيرا، تصل سيارة السفارة الأميركية، ويبدأ كيرنسكي هروبه من بتروغراد الحمراء. وعندما وصلت السيارة إلى الزاوية، لاحظ كيرنسكي غرافيتي، مكتوبة حديثا على جدران القصر: فليسقط اليهودي كيرنسكي، عاش الرفيق تروتسكي!”

بعد مرور قرن عليه، ما زال الشعار يحتفظ بسخافته: بالطبع كيرنسكي لم يكن يهوديا، في حين كان تروتسكي كذلك. لكن ما يشير إليه الشعار هو الدور الفوضوي والمتناقض الذي لعبته معاداة السامية في إطار السيرورة الثورية. في العديد من الكتابات حول الثورة الروسية، نجد أن معاداة السامية قد اعتبرت شكلا من أشكال “الثورة المضادة”، من أعمال اليمين المناهض للبلشفية.

بالطبع، هناك الكثير من الحقيقة لهذا الادعاء: فالنظام القيصري معروف بمعاداته للسامية، وخلال الموجة المدمرة للعنف المعادي لليهود التي أعقبت ثورة أوكتوبر خلال سنوات الحرب الأهلية (1917- 1921)، فإن الجزء الأكبر من الفظائع ارتكبها الجيش الأبيض والقوى الأخرى المعادية للحكومة السوفياتية الوليدة. ولكن ذلك ليس القصة الكاملة.

لقد اجتازت معاداة السامية الانقسام السياسي في روسيا الثورية، ووجدت جاذبية عند جميع الفئات الاجتماعية وكافة الولاءات السياسية. داخل الماركسية، غالبا ما يتم وضع العنصرية والراديكالية السياسي في إطار متنافس، ومع ذلك، عام 1917، يمكن أن تكون معاداة السامية والغضب الطبقي قد تداخلا خلال التنافس بين الرؤى المختلفة للعالم.

شباط: ثورة في الحياة اليهودية

حولت ثورة شباط/فبراير الحياة اليهودية. بعد أيام قليلة على تنازل القيصر نقولا الثاني، رُفعت جميع القيود القانونية المفروضة على اليهود. وبين ليلة وضحاها، ألغي أكثر من 140 قانونا والبالغ عدد صفحاتهم نحو ألف صفحة. وبهدف الاحتفال بهذه اللحظة التاريخية للإلغاء، عقد المجلس العمالي في بتروغراد اجتماعا خاصا، عشية عيد الفصح يوم 24 آذار/مارس عام 1917. وخطب المندوب اليهودي خلال الاجتماع مقيما الرابط التالي حين قال: ثورة شباط مشابهة لتحرر اليهود من العبودية في مصر.

غير أن التحرر الرسمي لم يترافق مع اختفاء العنف المناهض لليهود. لمعاداة السامية جذور عميقة في روسيا، وجاء استمرارها خلال عام 1917 بسبب تقدم وتراجع الثورة. وطوال العام 1917، نفذ ما لا يقل عن 235 هجوما ضد اليهود. وعلى الرغم من أنهم كانوا يشكلون ما نسبته 4،5 بالمئة من مجموع السكان، إلا أنهم كانوا ضحية حوالي ثلث أعمال العنف ضد الأقليات القومية خلال تلك السنة.

منذ بداية ثورة شباط/فبراير، سرت شائعات عن حصول بوغروم (مذابح بحق اليهود) في شوارع المدن الروسية، وذلك لدرجة أنه خلال الاجتماعات الأولى للمجلسين العماليين في بتروغراد وموسكو كانت مسألة معاداة السامية من الأولويات على جدول الأعمال. خلال تلك الأسابيع الأولى، كانت موجات العنف نادرة. خلال شهر حزيران/يونيو، على العكس من الفترة السابقة، بدأت الصحافة اليهودية بالكتابة عن “مجموعات من العمال” تتجمع في زوايا الشوارع للترحيب بخطابات معادية لليهود معلنة أن المجلس العمالي في بتروغراد قد بات بيد “اليهود”. في بداية شهر تموز/يوليو، وحين كان السكرتير المستقبلي للينين فلاديمير بونش-بروفيتش يعبر الشارع دعت مجموعة من الناس لتنفيذ مجزرة بحق اليهود. فأكمل طريقه برأس منخفضة. وتزايدت التقارير المتحدثة عن حصول مثل تلك التجمعات.

خلال تلك الفترة، تقاطع الغضب الطبقي ومعاداة السامية. وفي نهاية شهر تموز/يوليو، كان يمكن سماع خطابات في شوارع بتروغراد تدعو الجمع المحتشد إلى: “سحق اليهود والبرجوازية!” في حين أنه فورا بعد ثورة شباط/فبراير لم تكن مثل تلك الخطابات جاذبة، باتت اليوم تستقطب جمهورا واسعا. في هذا السياق انعقد في بتروغراد المؤتمر الروسي الأول لمجالس العمال والجنود.

مسألة معاداة السامية

كان مؤتمر المجالس العمالية الأول اجتماعا تاريخيا. فقد حضره أكثر من ألف مندوب من كل الأحزاب الاشتراكية، وممثلين عن مئات المجالس العمالية المحلية وعشرين مليون مواطن روسي. في 22 حزيران/يونيو، وصلت تقارير تشير إلى تزايد الأعمال المعادية لليهود، أصدر المؤتمر الإعلان الأكثر صرامة في الحركة الاشتراكية في روسيا حول مسألة معاداة السامية.

وقد صاغه البلشفي يفغيني بريوبراجنسكي، بعنوان: “حول النضال ضد معادة السامية”. وعندما أنهى بريوبراجنسكي قراءته، وقف مندوب يهودي حتى يعطي موافقته دون تحفظ قبل أن يضيف ويعتبر أن الإعلان لن يعيد أرواح اليهود المقتولين خلال المذابح عام 1905، وقد ساعد الإعلان على بلسمة الجراح التي كانت ما زالت حية في المجتمع اليهودي. وقد صدر الإعلان بالاجماع في المؤتمر.

يعيد الإعلان التأكيد بشكل أساسي للرؤية الاشتراكية الديمقراطية التقليدية: معاداة السامية هي مرادف للثورة المضادة. وهي تمثل، كذلك، نقطة مهمة: “الخطر الأكبر”، يعترف بريوبراجنسكي، “بفعل ميل معاداة السامية الاختباء خلف شعارات راديكالية”. يمثل هذا الدمج بين السياسات الثورية ومعاداة السامية، يكمل الإعلان، “خطرا كبيرا على الشعب اليهودي وكذلك على مجمل الحركة الثورية، لأنه يهدد إغراق مسألة تحرر الشعب في بحر من الدم الأخوي، وصبغ الحركة الثورية بعار لا يمكن إزالته”.

هذا الاعتراف بأن معاداة السامية والراديكالية السياسية يمكن أن تتلازما فتح مقاربة جديدة بالنسبة للحركة الاشتراكية الروسية، التي كانت تميل إلى الاعتقاد بأن معاداة السامية هي خاصية “تميز” اليمين المتطرف. في النصف الثاني من العام 1917، وفي وقت كانت السيرورة الثورية تتجذر فيه، تزايدت مشكلة وجود معاداة السامية ضمن أجزاء من الطبقة العاملة والحركة الثورية وبالتالي تتطلب ردا اشتراكيا.

الرد السوفياتي

عند نهاية الصيف، بدأت المجالس العمالية بشن حملة واسعة ضد معاداة السامية. على سبيل المثال نظم المجلس العمالي في موسكو مؤتمرات واجتماعات داخل المعامل طوال شهري آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر. وفي منطقة التجميع السكاني [في غربي البلاد وقد أنشأها النظام القيصري لتجميع اليهود فيها]، ساهمت المجالس العمالية في الوقوف بوجه البوغروم. في تشيرنيف الأوكرانية، وخلال منتصف شهر آب/أغسطس، سبب اتهام المجموعة اليمينية المتطرفة “المئة السود” لليهود بأنهم يخزنون الخبز باندلاع سلسلة من الأعمال العنفية المعادية للسامية. وبتدخل حاسم، أرسلت بعثة من المجلس العمالي كييف لتنظيم فرقة محلية لوضع حد لهذه الاضطرابات.

وحاولت الحكومة المؤقتة الرد على طريقتها على معاداة السامية. في منتصف شهر أيلول/سبتمبر، أصدر قرارا تتعهد فيه بأخذ “الإجراءات الحاسمة ضد مرتكبي البوغروم”. وقد اتخذ قرار مشابه بعد أسبوعين يأمر فيه وزراء الحكومة باستعمال “كل السلطات الموجودة بأيديهم” لوضع حد للبوغروم. في هذا الوقت، وفي حين كان مسار انتقال السلطة إلى المجالس العمالية ما زال جاريا، كانت تتراجع فيه سلطة الحكومة المؤقتة. في 1 تشرين الأول/أوكتوبر نشرت صحيفة قريبة من الحكومة افتتاحية تصف الوضع بشكل جيد: “موجة الأعمال العدائية تتزايد وتتوسع… تصل تلال من البرقيات يوميا… الحكومة المؤقتة مرهقة بالعمل والإدارة المحلية عاجزة… وقد استنفدت الوسائل القمعية”.

لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى المجالس العمالية. وفي وقت كانت تتعمق فيه الأزمة السياسية كان مسار البلشفة يمضي قدما، بدأ عدد من المجالس العمالية بشن حملات خاصة بهم ضد معاداة السامية. في فيتبسك، مدينة تبعد 350 ميلا غرب موسكو، أنشأ المجلس العمالي فرقة مسلحة في بداية تشرين الأول/أوكتوبر لحماية المدينة من مرتكبي البوغروم. في الأسبوع التالي اتخذ المجلس العمالي في أوريل قرارا بحمل السلاح ضد كل أشكال العنف المعادي للسامية.

في شرق روسيا، أصدر اجتماع لكل المجالس العمالية في سيبيريا قرار ضد معاداة السامية، معلنا أن الجيش الثوري المحلي سيتخذ “كل الإجراءات الضرورية لمنع أي عمل عدائي ضد اليهود. وهذا أمر يثبت كم أن النضال ضد معاداة السامية كان راسخا داخل جزء من الحركة الاشتراكية المنظَّمة: حتى في الشرق الأقصى، حيث كان عدد اليهود قليلا وكذلك الأعمال العدائية بحقهم، تماهت المجالس المحلية مع اليهود المضطهدين على يد معادي السامية في غرب البلاد.

بحلول منتصف عام 1917، كانت المجالس العمالية قد أصبحت من دون شك المعارضة السياسية الأساسية لمعاداة السامية في روسيا. وقد لخصت افتتاحية صحيفة الأسبوع اليهودي ذلك جيدا: “يجب علينا القول، والاعتراف، بأن المجالس العمالية قد خاضت نضالا حيويا ضد البوغروم. في عدد كبير من الأماكن، تحقق السلام بفضلهم وحدهم”.

ومن الضروري أن نسجل أن الحملات المناهضة لمعاداة السامية قد استهدفت العمال في المصانع وفي بعض الأوقات المناضلين في الحركة الاشتراكية بمجملها. بعبارات أخرى، كانت معاداة السامية مشكلة موجودة داخل القاعدة الاجتماعية لليسار الراديكالي وضمن عناصر من الحركة الثورية نفسها. وذلك يظهر كذلك أن معاداة السامية لم تكن منبعثة فقط من فوق، من النظام القيصري السابق، إنما كان لها قاعدة عضوية ضمن قطاعات من الطبقة العاملة، وكان يجب مواجهتها كما هي.

العدو في الداخل

بالنسبة إلى القيادة البلشفية لم تكن السياسات الثورية تتعارض ببساطة مع معاداة السامية؛ إنما كانتا متناقضتين. وكما عنونت جريدة الحزب اليومية، برافدا، عام 1918: “أن تكون ضد اليهود يعني أنك تؤيد القيصر!” ومع ذلك، سيكون خاطئا الأخذ فقط بتصريحات لينين وتروتسكي حول معاداة السامية وقراءة أفكار ومشاعر الطبقة العاملة. وكما أثبتت أحداث عام 1917، لم تكن الثورة ومعاداة السامية بحالة نزاع دائمة.

وتكشف التقارير أنه وخلال صيف وخريف عام 1917 اتهام البلاشفة المحليين من اشتراكيين آخرين بإدامة معاداة السامية وفي بعض الأوقات تكتموا عن معاداة السامية الحاصلة داخل القاعدة الاجتماعية للحزب. على سبيل المثال، وبحسب جريدة إيدينستفو العائدة لجيورجي بليخانوف، أنه عندما حاول المناشفة التحدث في ثكنات منطقة فيبورغ في بتروغراد خلال أواسط شهر حزيران/يونيو صاح بهم الجنود، على ما يبدو بتحريض من البلاشفة: “فلتسقطوا معهم! كلكم يهود!”. في الوقت عينه، بليخانوف كان معارضا شرسا للبلاشفة بحلول منتصف عام 1917، لذا علينا التعامل مع هذا المصدر بحذر.

لكن هذه الادعاءات كانت منتشرة على نطاق واسع. وفي نفس الوقت، أشارت الجريدة المنشفية فيبيرد أن البلاشفة في موسكو قد هتفوا يسقط المناشفة متهميهم بأنهم يهود “يستغلون البروليتاريا”. وعندما خرج مئات الآلاف من العمال إلى شوارع بتروغراد في 18 حزيران/يونيو، قام بعض البلاشفة بنزع لافتات البوندست (الاتحاد العام للعمال اليهود، حزب اشتراكي مناهض للصهيونية، يؤمن بالتنظيم الذاتي والثقافي لليهود) وهتفوا بشعارات معادية للسامية. ردا على ذلك، اتهم البونديّ مارك ليبر البلاشفة بأنهم “مؤيدين للأعمال المعادية لليهود”.

وعندما جاء شهر تشرين الأول/أوكتوبر، أصبحت هذه الاتهامات أكثر تواترا. وفي العدد الصادر يوم 29 تشرين الأول/أوكتوبر من جريدة إفريسكايا نيديليا، وصلت الافتتاحية إلى حد الادعاء بأن مجموعة “المئة السود” المعادية للسامية “تملأ صفوف البلاشفة” في كل البلاد.

من الواضح أن تلك الادعاءات كانت منتشرة على نطاق واسع. وقد عارضت القيادة البلشفية معاداة السامية وشارك العديد من أعضاء الحزب في تحسين ردة فعل الحزب للرد على معاداة السامية على مستوى المصانع والمجالس العمالية. ومع ذلك، فإن فكرة أن البلشفية يمكن تجذب اليمين المتطرف المعادي للسامية لم تكن غير صحيحة بالكامل. في 29 تشرين الأول/أوكتوبر، أعلنت افتتاحية مذهلة لمجلة غروزا اليمينية المتطرفة المعادية للسامية:

“استولى البلاشفة على السلطة. وخسر اليهودي كيرنسكي، مفتقرا لدعم البريطانيين ومصرفيي العالم، وبعد أن تولى ببراعة لقب القائد العام للقوات المسلحة، وبعد أن عين نفسه رئيس حكومة القيصرية الروسية الأورثوذكسية، تم طرده من قصر الشتاء، حيث دنس بحضوره رفات صانع السلام الكسندر الثالث. يوم 25 تشرين الأول/أوكتوبر، وحد البلاشفة جميع الوحدات التي رفضت أن تخضع لحكومة مؤلفة من مصرفيين يهود ومن جنرالات خونة ومالكي عقارات خونة وتجار لصوص”.

فأغلق البلاشفة الصحيفة على الفور، ولكن الدعم غير المرغوب فيه أثار قلق قيادة الحزب.

ما يؤكد قلق الاشتراكيين المعتدلين حول قدرة معاداة السامية والثورة على التداخل هو الطريقة التي عبّأ بها البلاشفة الجماهير، ووجهوا استياءهم الطبقي. في 28 تشرين الأول/أوكتوبر، عندما كانت الثورة في أوج اندفاعها، أصدرت لجنة الانتخابات المنشفية في بتروغراد نداء يائسا للعمال في العاصمة، محذرة بأن البلاشفة قد أغروا “العمال والجنود الجاهلين”، وقد هتفوا “كل السلطة للمجالس العمالية!” التي ستتحول بكل سهولة إلى “أضربوا اليهود، أضربوا أصحاب المحلات”. بالنسبة إلى المنشفيّ لفوف روغاشيفسكي، فإن “مأساة” الثورة الروسية تكمن بأن “الجماهير الظلامية غير قادرة على التمييز بين المحرض من الثوري، أو البوغروم من الثورة الاشتراكية”.

ورددت الصحافة اليهودية هذه المخاوف. وبحسب مقال رئيسي في صحيفة إفريسكايا نيديليا: “الرفيق لينين وأتباعه البلاشفة دعوا البروليتاريا “إلى تحويل أقوالهم إلى أفعال”، ولكن حيث تتجمع الحشود السلافية، تتحول عبارة “تحويل الأقوال إلى أفعال” في الواقع إلى “الهجوم على اليهود”.

ومع ذلك، وخلافا لهذه التنبؤات المنذرة بالخطر، في الساعات والأيام التي تلت الاستيلاء البلشفي على السلطة لم تحصل مذابح جماعية في روسيا. لم يتحول التمرد إلى عنف مناهض للسامية كما كان متوقعا. والتحذيرات المذكورة أعلاه تظهر الخوف العميق من “الجماهير الظلامية” التي كان بعض اليسار الاشتراكي يدعي التحدث باسمها. وهذا الأمر ينطبق بشكل خاص على المثقفين الذين اقتربوا من فكرة الثورة البروليتارية في الوقت عينه ارتعبوا من العنف والبربرية التي اعتقدوا أنها ستنفجر حتما نتيجة ذلك.

أما ما ميز البلاشفة خلال تلك الفترة كان بالضبط قربهم من جماهير بتروغراد الذين يخاف المثقفون منهم.

ومع ذلك، كان التداخل بين معاداة السامية والسياسات الثورية حقيقيا. فبعد أيام قليلة على ثورة أوكتوبر، وثق الكاتب إيليا إيرينبورغ- واحد من أغزر الكتاب اليهود المشهورين في الاتحاد السوفياتي- الأحداث الهامة التي حدثت وقتها. على الأرجح، تعتبر روايته الأكثر وضوحا في تعبيرها عن معاداة السامية والسيرورة الثورية عام 1917:

“أمس كنت أقف في الصف، أنتظر دوري للتصويت للجمعية التأسيسية. وكان الناس يقولون “فليصوت كل من هو ضد اليهود لرقم 5! [البلاشفة]”، “فليصوت كل من هو مع الثورة العالمية لرقم 5!” ومرّ البطريرك ورش علينا المياه المقدسة، فرفع الجميع قبعته. فهتفت مجموعة من الجنود بقوة بنشيد الأممية بوجهه. أين أنا؟ أو إن هذا هو الجحيم بعينه؟”

في هذا التذكير المذهل، فإن التمييز بين البلشفية الثورية ومعاداة السامية المضادة للثورة غير واضح. في الواقع، رواية إيرينبورغ تنذر بالمسألة المثيرة للقلق في المجموعة القصصية حول الحرب الأهلية لإسحاق بابل “الفرسان الحمر”: “أين هي الثورة؟، وأين هي الثورة المضادة؟”

على الرغم من إصرار البلاشفة على اعتبار معاداة السامية ظاهرة “معادية للثورة”، إلا أنها كانت أبعد من هذا التصنيف، ويمكن العثور عليها عبر الانقسام السياسي وفي أشكال معقدة للغاية وغير متوقعة. وسيظهر ذلك بشكل واضح بعد 6 أشهر، في ربيع عام 1918، يوم حصلت أولى المذابح منذ ثورة أوكتوبر في منطقة التجميع السكاني. جرى تعزيز القوة البلشفية في مدن وبلدات شمال شرق أوكرانيا مثل غلوخوف، بواسطة العنف ضد اليهود والمرتكب من كوادر حزبيين محليين ومن عناصر في الجيش الأحمر. عام 1918، كانت المواجهة البلشفية مع معاداة السامية في أغلب الأحيان مواجهة مع معاداة السامية في قاعدتها الاجتماعية.

وفي وقت نحتفل فيه بمرور 100 سنة على ثورة أوكتوبر، نحتفل بها عن حق باعتبارها لحظة تحول اجتماعي جذري، عندما بدا تحقيق عالم جديد أمرا ممكنا. لكن أيضا يجب تذكر الثورة بكل تعقيداتها.

يجب دراسة وتجديد مناهضة العنصرية بشكل مستمر. وبعد مرور قرن من الزمن، عندما نتعامل مع الأضرار التي سببتها العنصرية للسياسات الطبقية، يمكن لحالة 1917 أن تخبرنا عن الأفكار الرجعية ولكن أيضا كيفية الوقوف بوجهها ومحاربتها.

--

* نشر النص باللغة الانكليزية في موقع jacobin بتاريخ 22 حزيران/يونيو 2017، كما تُرجم النص إلى اللغة الفرنسية ونشر في موقع alencontre بتاريخ 19 تموز/يوليو 2017.