الاسلاموفوبيا: العنصرية الغربية الجديدة

نشر في‫:‬الثلثاء, ايلول 19, 2017 - 14:21
الرسم لكارلوس لطوف
الكاتب/ة: إنزو ترافيرسو.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

في هذا المقال الذي كتبه خصيصا لمدونة بلوتو برس، والذي صدر مؤخرا له كتابا بعنوان نهاية الحداثة اليهودية، والمؤرخ الغزير الانتاج، يدرس إنزو ترافيرسو أوجه الشبه بين سلالتين من كراهية الأجانب الحديثة: معاداة السامية والاسلاموفوبيا. من خلال تفحصه السياسات والإعلام والانتاج الثقافي، يكشف ترافيرسو عن أوجه شبه كبير بين الاسلاموفوبيا اليوم ومعاداة السامية.

تنتشر موجة جديدة من الاسلاموفوبيا في الغرب. فقد تعهد الرئيس دونالد ترامب خلال الانتخابات الرئاسية بطرد جميع المسلمين من الولايات المتحدة، وعبر الاتحاد الأوروبي يطالب المحافظون بقوانين مناهضة للمسلمين. حيث يتم النظر إلى الإسلام باعتباره دينا همجيا ويشكل تهديدا للحضارة الغربية "اليهودية- المسيحية"، هذا الميل يكتسب قوة في فرنسا بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية. في ظل هذه الثقافة من كراهية الأجانب الشديدة والأحكام المسبقة، فإن فكرة إجبار المسلمين على ارتداء النجمة الصفراء والهلال على ثيابهم، كما حصل مع اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، لم تعد تبدو بعيدة الحصول.

في النصف الأول من القرن العشرين، انتشرت معاداة السامية في كل مكان تقريبا، بدءا من الطبقات الارستقراطية والبرجوازية- حيث قامت حدود رمزية- إلى المثقفين: فالعديد من أهم كتاب الثلاثينات لم يخفوا كراهيتم لليهود. اليوم، تغيرت أشكال العنصرية وأهدافها: فقد حل المهاجر المسلم مكان اليهودي. فقد أفسحت العرقية- خطاب علمي يستند إلى نظريات بيولوجية- المجال أمام الأحكام المسبقة الثقافية التي تؤكد على التناقض الأنثروبولوجي الراديكالي بين أوروبا "اليهودية- المسيحية" والإسلام. لقد أصبحت معاداة السامية التقليدية التي صبغت كل القوميات الأوروبية ظاهرة مترسخة. وبفعل نوع من الانقلاب، أنشأ إحياء ذكرى الهولوكوست نوعا من "الدين المدني" في الاتحاد الأوروبي. وكما هو الحال في نظام الأواني المستطرقة، انخفضت معادة السامية وزادت الاسلاموفوبيا. استنسخ التمثيل الما بعد الفاشي للعدو نموذجا عنصريا قديما، وكما كان يحصل مع اليهود من البلاشفة في السابق، غالبا ما يتم تصوير الإرهاب الإسلامي بصفات مادية تؤكد على الآخرية.

لكن الطموحات الفكرية لمرحلة ما بعد الفاشية قد تقلصت بشكل ملحوظ. فلم نعد نرى في الوقت الحالي ما يعادل كتاب "فرنسا اليهودية" للكاتب إدوار درومون أو كتاب "أسس القرن التاسع عشر" للكاتب هيوستن ستيوارت تشامبرلين، ولم نعد نقرأ مقالات حول الانثروبولوجيا العنصرية من مثل هانز غونتر أو أندريه سيغفريد. ولم تنتج كراهية الأجانب كتابا مثل ليون بلوي أو لويس فرديناند سيلين وبيار دريو لاروشيل، حتى لا نتحدث عن الفلاسفة مثل مارتن هايدغر وكارل شميت. إن التربة الثقافية لمرحلة ما بعد الفاشية لا تتغذى من انتاج أدبي جدير بالملاحظة- أفضل تعبير عن ذلك رواية ميشال هوليبيك التي تخيل فيها أن فرنسا عام 2022 قد تحولت إلى جمهورية إسلامية، بدلا من ذلك تشن حملة واسعة لكسب اهتمام وسائل الإعلام. ساهم العديد من الشخصيات السياسية والفكرية وقنوات التلفزيون والمجلات الشعبية التي لا يمكن تصنيفها فاشية، في تكوين هذه التربة الثقافية. يمكننا تذكر التصريح الشهير لجاك شيراك الذي أدلى به عام 1991 عن "ضجة ورائحة" المباني التي يسكنها المهاجرون المغاربة، ودون أن ننسى الجمل العدائية لأوريانا فالاسي عن المسلمين الذين "يتكاثرون كالفئران" ويتبولون على جدران كاتدرائياتنا؛ فضلا عن مقارنة الوزراء السود بالقرود في كل من فرنسا وإيطاليا؛ بالإضافة إلى الكثير من الإشارات التحقيرية للدين الإسلامي حين وصف "بالدين الأكثر غباءً". وقد أشار جورج ل. موس إلى أنه خلال الفاشية الكلاسيكية كانت الكلمات المنطوقة مهمة أكثر من النصوص المكتوبة. وفي هذا العصر حيث حل عالم الفيديو مكان عالم الكتاب، ليس مفاجئا أن الخطاب الما بعد الفاشي ينتشر بالدرجة الأولى في جميع وسائل الإعلام وبالدرجة الثانية ضمن الانتاج الفكري (الذي يصبح مفيدا- كرواية هوليبيك- حين يتحول إلى أحداث ضمن وسائل الإعلام).

ويبدو أن أوجه الشبه الأكثر أهمية بين إسلاموفوبيّة اليوم ومعاداة السامية القديمة تستحضر الرايخ الألماني في نهاية القرن التاسع عشر بدلا من الجمهورية الفرنسية الثالثة. فمنذ قضية دريفوس، وصمت معاداة السامية اليهود المهاجرين من بولندا وروسيا، ولكن كان هدفها الأساسي كبار المسؤولين الذين احتلوا في ظل الجمهورية الثالثة مواقع هامة ضمن البيروقراطية والجيش والمؤسسات الأكاديمية والحكومة. الكابتن دريفوس نفسه كان رمزا لهذا الصعود الاجتماعي. في زمن الجبهة الشعبية، هدف معادة السامية كان ليون بلوم، اليهودي والمثلي الذي جسد صورة جمهورية غزتها "معاداة فرنسا". حيث اعتُبر اليهود "دولة ضمن الدولة"، وهو موقف لا يتطابق بالتأكيد مع الوضع الحالي للأقليات الأفريقية والعربية المسلمة التي لا يزال تمثيلها ناقصا إلى حد كبير داخل مؤسسات الدولة في البلدان الأوروبية. 

هكذا، فإن المقارنة مع ألمانيا الويلهلمنية ستكون وثيقة الصلة أكثر، حيث جرى استبعاد اليهود بعناية من مؤسسات الدولة وحذرت الصحف من "الغزو اليهودي" الذي يزعزع الصفاء الديني والعرقي للرايخ. في هذه الحالة لعبت معاداة السامية دور "الرمز الثقافي" الذي سمح للألمان بتحديد سلبي للوعي الوطني، في بلد يعاني من التحديث السريع والتركز اليهودي في المدن الكبرى، حيث ظهروا كمجموعة ديناميكية. وبكلمات أخرى، الألماني كان أولا وقبل كل شيء كل ما هو غير يهودي. وبطريقة مشابهة، بات الإسلام اليوم رمزا ثقافيا بشكل يتيح للمرء أن يجد عن طريق تعيين سلبي "الهوية الفرنسية" الضائعة أو المهددة أو المبلوعة ضمن سيرورة العولمة. الخشية من التعدد الثقافي والتهجين هي بكل بساطة تحديث للقلق القديم لـ"اختلاط الدماء". اليوم، لقد تغيرت اللغة، ولكن جمل آلان فينكيلكروت الذي تعبر عن "هويته غير السعيدة" أمام حدثين مثل التعددية الثقافية والتهجين المثالي الخاطئ لا تختلف كثيرا عن هاينريخ فون تريتسشكي. عام 1880، استنكر هذا المؤرخ العظيم "تسلل" اليهود إلى المجتمع الألماني كاتبا أنهم يخلّون بالثقافة ويعملون كقوة فاسدة. وبات استنتاج فون تريتسشكي شعارا: "اليهود هم تعاستنا".

على الرغم من أن الكثير من التحول من المعاداة للسامية القديمة وصولا إلى الاسلاموفوبيا الحالية قد حصل خارج وسائل الإعلام الفرنسية، حيث وجد تجسيدا له في شخصية أدبية هي رينو كامو، الكاتب الذي لم يخفِ صلاته بالجبهة الوطنية. قبل 15 عاما، احتج كامو في صحيفته على الحضور اليهودي الكبير في وسائل الإعلام الثقافية الفرنسية؛ غير أنه في السنوات التالية نقل تركيزه إلى المسلمين الذين أنتجت هجرتهم "بديلا رائعا"، بعبارة أخرى "أسلمة فرنسا". ينتمي ميشال هوليبيك إلى جيل أصغر سنا، ويرغب بأن يصبح سيلين (نسبة إلى لويس فرديناند سيلين) القرن الحادي والعشرين، اعتمد "البديل العظيم" كنقطة انطلاق لروايته. والفكرة نفسها هي جوهر كتاب ناجح- بيعت منه 500 ألف نسخة خلال ستة أشهر- للكاتب إريك زمور، بعنوان الانتحار الفرنسي، يكرسه للانحدار الفرنسي من عام 1970 إلى العام 2008. في الآونة الأخيرة، جرى الدفاع عن فكرة "الاستبدال العظيم" في افتتاحيات صحيفة الفيغارو. بهذه الطريقة تبني فيه ما بعد الفاشية الهيمنة الثقافية، بعيدا عن مآثرها الانتخابية.

ومع ذلك، الاسلاموفوبيا ليست مجرد نسخة بسيطة عن معاداة السامية، إنما لها جذورها القديمة وتمتلك تقاليدها الخاصة المتمثلة بالاستعمار. جذور الاسلاموفوبيا تكمن في الماضي الاستعماري الأوروبي المديد، وبالنسبة لفرنسا الحرب الجزائرية. شكل الاستعمار الأنثروبولوجيا السياسية على أساس الانقسام بين المواطنين والمستعمَرين، مثبتا الحدود الاجتماعية والمكانية والعرقية والسياسية. وفي وقت جرى خرق الانقسام القانوني المقونن في ظل الجمهورية الثالثة فإن المهاجرين المسلمين الذين أصبحوا مواطنين فرنسيين ما زالوا يواجهون ردود فعل مناهضة للأجانب، بفعل الأنثروبولوجيا السياسية التي تعتبرهم عناصر معادية و"شعبا داخل الشعب". يفسر المنبت الاستعماري للإسلاموفوبيا خبثها وإصرارها. إحدى الطرق لدراسة الواقع المادي لهذه الحدود المكانية والعنصرية والسياسية هي من خلال التذويب الطبيعي لأسماء المهاجرين الإيطاليين والبولنديين والاسبانيين في أسماء العائلات الفرنسية، وهي عملية حدثت بشكل عام بعد ثلاثة أجيال. يتناقض هذا التذويب مع استمرار الأسماء الأفريقية والعربية، الأسماء الأولى وأسماء العائلات، التي تكشف فورا عن أصحابها بأنهم ينتمون إلى فئة محددة من المرتبة الثانية: "منحدرة من الهجرة".

يقدم المنبت الاستعماري للإسلاموفوبيا مفتاحا لفهم التحولات الأيديولوجية لما بعد الفاشية (العديد من الحركات اليمينية المتطرفة مثل الجبهة الوطنية في فرنسا، وعصبة الشمال في إيطاليا وبيغيدا في ألمانيا وغيرهم من التيارات المشابهة في دول أخرى بالاتحاد الأوروبي)، التي تخلت عن الطموحات الامبراطورية للفاشية الكلاسيكية من أجل تبني موقف دفاعي ومحافظ أكثر. هي لا ترغب في الاحتلال إنما في الطرد (حتى أنها تنتقد الحروب الامبريالية الجديدة التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون منذ بداية التسعينات). وفي حين أراد الاستعمار خلال القرن التاسع عشر إنجاز "مهمته الحضارية" من خلال الغزو خارج أوروبا، فإن معارك الاسلاموفوبيا المابعد استعمارية حاربت (وتحارب) عدوا داخليا باسم القيم نفسها. حلّ الرفض مكان الغزو، لكن الدوافع لم تتغير: في الماضي، كان الغزو يستهدف إخضاع البرابرة وحضارتهم؛ اليوم، يهدف الرفض والطرد إلى حماية الأمة من تأثيرهم الضار. وهذا ما يفسر النقاشات المستمرة حول العلمانية والحجاب التي أدت إلى قانون إسلاموفوبي، صدر في فرنسا منذ 10 سنوات، والذي حظر ارتداءه في الأماكن العامة. وقد أدى هذا الاتفاق حول فهم استعماري جديد وتمييزي للعلمانية إلى إضفاء الشرعية على ما بعد الفاشية.

هذه الموجة الإسلاموفوبية، بخطابها العدواني- "نحن في حرب ضد الارهاب"- تضع الإسلام كعدو للنظام الغربي الذي يغذي الإرهاب في نهاية الأمر… حقق المقاتلون ضد "الفاشية الإسلامية" والمدافعون عن "القيم الإنسانية" نتيجة حاسمة: جعل ضحايا الحروب الغربية ضد العراق وليبيا وسوريا- أعدادهم أكبر بكثير من ضحايا "الإرهاب الإسلامي" في أوروبا- منسيين إلى حد كبير.

---

* نشر النص باللغة الانكليزية بتاريخ 10 آب/أغسطس عام 2016 على مدونة بلوتو برس