الفكر النقدي وثورة يوليو

نشر في‫:‬الأحد, ايلول 17, 2017 - 19:09
عن صفحة الشعب السوري عارف طريقه
الكاتب/ة: هيفاء أحمد الجندي.

لم يتماه المثقفون النقديون مع ثورة يوليو بمقدار ما انكبوا على تشريح هذه التجربة التاريخية، أو ما اصطلح على تسميتها "ثورة من فوق" ووضعها ضمن سياقها وحدودها التاريخية، والإشارة إلى مواطن الخلل فيها. بيد أن أهم نقد وجه للتجربة الناصرية هو تعايشها مع المنطق التقليدي، ووسطيتها الفكرية والتطبيقية. ما لبثت هذه الوسطية أن تحولت فيما بعد، إلى نوع من الرجعية المستترة، حين قاومت التقدم العلمي والتطبيق الاشتراكي العلمي، وكل هذا باسم حماية تقاليد الشعب وقيمه وتراثه. بينما في الواقع، أصبح هذا العمل صيانة للغيبيات الشعبية والخرافات والجهل وللقيم المتخلفة المهترئة واجترارا القديم.

وحين هادنت ما سميت "بالأنظمة التقدمية" وسايرت نزعات التخلف والانحطاط الحضاري في المجتمع، بمناسبة ومن دون مناسبة، إنما فعلت ذلك وعلى حساب المصالح الحقيقية للطبقة العاملة وللفئات الشعبية، لأن مثل هذا التصرف يتستر على الجهل والتخلف والقبلية والاتكالية والغيبية.

وأتت هزيمة حزيران 1967 لتعري سلبيات ونواقص هذه التجربة التاريخية. فذهب بعض المثقفين النقديين كياسين الحافظ وصادق جلال العظم، الى حد القول، بإن الهزيمة لم تكن عسكرية بل هزيمة وعي تقليدي وبنية مجتمعية متخلفة؛ إذ ما زالت الارتباطات العشائرية والقبلية والعائلية تسيطر على عقلية العربي، وتتحكم بأنماط سلوكه. ويعود ذلك الى غياب المؤسسات السياسية الديمقراطية والأحزاب العاملة بين أوساط الفئات الشعبية، التي وقعت في ساعات الخطر تحت سيطرة عفوية القبيلة والعشيرة. فشعر المواطن وقتذاك بأن ارتباطه بأهله وعشيرته وجماعته أقوى من ارتباطه بالأرض والوطن.

يقول صادق جلال العظم، كما جاء في كتابه الهام النقد الذاتي بعد الهزيمة ما يؤكد ما ذهبنا اليه أعلاه: "إن الثورة السياسية لا تجدي نفعاً إذا لم تتحول الى أنماط سلوك جديدة يمارسها الإنسان الثوري والمطلوب تغيير المجتمع التقليدي تغييراً جذرياً ونسف قيمه الرعوية وارتباطاته القبلية ومعتقداته الغيبيبة وعاداته القائمة على الزراعة البدائية ومدنه العائشة على المركنتيلية المغامرة وثورة يوليو لم تكن ثورية بما فيه الكفاية وكان يفترض في الثورة العربية أن تجد سندها ومرتكزها في ساعات المحن والأزمات في محتواها الاجتماعي الثوري ومميزاتها الاشتراكية".

بالمقابل، لا يمكن الالتفاف على جملة الاصلاحات التي حققها عبد الناصر، كتأميم الاقتصاد وتحديد الثروات وفرض ضرائب باهظة على المداخيل العالية اضافة إلى الإجراءات التي صبت في صالح الموظفين والأجراء، ولكنها رفضت الديمقراطية ووقفت عائقاً أمام إنضاج الوعي، وغذت الصراع إزاء الماركسية، وكانت إيديولوجيتها متأخرة ثقافياً وسياسياً الأمر الذي عزز من تمكين البنى التقليدية والوعي التقليدي. فضلاً عن أن الناصرية ورثت الكثير من الأفكار السائدة في بعض الأجنحة المتخلفة للمجتمع المصري، ووقفت هذه الأفكار المتخلفة، دون قبول تلك المستحدثة، ومنها الماركسية، عائقاً أمام إنضاج الوعي، كما تعللت الأوهام في المستبد العادل.

ولو كان النظام ثورياً حقيقياً، كان يمكن أن يقوي العنصر الديمقراطي، بحيث تتقدم ملكية الدولة، لتتحول الى ملكية للشعب.

إلام نعزو هذا التناقض الكامن في بنية هذا النظام؟

ببساطة، أراد عبد الناصر، أن يبني الاشتراكية من فوق، ومن دون أن تنتقل المبادرة الى الشعب، سيما وأن الأخير صاحب المصلحة الحقيقية للمشروع الاشتراكي. ومثلما أراد محمد علي أن يبني الرأسمالية من فوق، من دون الاعتماد على الطبقة التي تستطيع أن تقوم بهذه المهمة التاريخية.

وهناك أسباب تفسر هذين الخيارين، وهي جنينية البورجوازية في أيام محمد علي وتخلف المجتمع المصري في أواخر عهد الملكية. وهناك أيضاً أسباب إيديولوجية لا يمكن اعتبارها مجرد انعكاس للأوضاع البورجوازية، بل تتسم بقدر من الاستقلالية أي تخلف الفكر المصري. وأصبح هذا الأخير عنصراً هاماً في عرقلة التطور. فأدت هذه الظروف مجتمعة، الى انجاز نوع من الرأسمالية البيروقراطية التي تحولت الى مالية والى نمط متخلف من الرأسمالية. فلم تأت الساداتية نتيجة الثورة المضادة، بل بفعل انزلاق، له جذوره في الناصرية، وفق تعبير سمير أمين. 

بالعودة إلى ياسين الحافظ الذي أوقعه اندفاعه وحماسه للتجربة الناصرية في تناقض فكري- نظري، بدا جلياً وواضحاً. الارتباك الذي وسم أطروحاته التي تتعلق بفترة حكم عبد الناصر، وخاصة عند عرضه للسمات السلبية والايجابية للتجربة الناصرية كما جاء في كتابه "حول بعض قضايا الثورة العربية"

اعتبر ياسين الحافظ، بأن ثورة يوليو، هي ثورة معادية للاستعمار وللاقطاع وبذلك تكون، قد حققت مضمون الثورة الديمقراطية-البورجوازية، وتحولت الى اشتراكية. وهذا يعني بأنها حلت التناقض الأساسي، أي تناقض رأس المال-العمل. 

ولكن الحافظ يناقض كل تحليله السابق عند استعراضه للسمات الايجابية لثورة يوليو، وكأنه لم يحسم هذه القضايا الفكرية في رأسه. إذ كيف يعتبر ثورة يوليو حلت التناقض الأساسي، وحققت مضمون الثورة الديمقراطية-البورجوازية، وهي لا تعدو كونها انقلاب فوقي قام به ثلة من الضباط المتحدرين من أوساط البورجوازية الصغيرة. سيما وأن هذا التحول التاريخي، أي الانتقال من نمط انتاج الى آخر، من مهام الثورة الشعبية القاعدية، ومرتبط بتبلور الحامل الاجتماعي "الفئات الشعبية المفقرة". كما أثبتت الوقائع فيما بعد عدم دقة وصوابية ما ذهب اليه. لأن البورجوازية الصغيرة وبحكم صيرورتها هي فئة متبدلة-متحولة ومتناقضة ووعيها تلفيقي، وبلحظة تاريخية يمكن أن تنقلب على كل ما هو حديث وتقدمي وثوري.

وهذا ما آلت إليه الأمور فيما بعد، إذ كيف يمكن لثورة من فوق، قام بها ثلة من الضباط، أن يبنوا الاشتراكية، وعلى قاعدة تصنيع بسيط وبدائي؟! إضافة الى فشلهم في بناء الديمقراطية الشعبية. وما كان لذلك من تداعيات سلبية، أهمها: بروز الطابع الفردي للحكم. ولكي يكون بناء الديمقراطية الشعبية سليماً، لا بد أن يبدأ من القاعدة الجماهيرية المنظمة، ليتواصل، وهو صاعد الى أعلى الى شكل ثوري.

والأنكى من ذلك، بأن ثورة يوليو اعتمدت القمع كوسيلة وحيدة للنضال ضد خصومها. ودخلت في صراع مع الاستعمار، من دون أن تكون مستندة على تنظيم شعبي جماهيري. وتحولت الى أداة للكبح، الأمر الذي أعاق التطور الثوري. وتضخمت الأجهزة، وأصبحت معادية لكل ما هو تقدمي وثوري شعبي. وفي الوقت الذي تقتضي المواجهة مع الرجعية مواقفا رادايكالية ثورية، اكتفت بقطع أغصان الرجعية وفروعها، لكن بقيت جذورها ضاربة في باطن الأرض، ولو أن العمال والفلاحين والفئات الشعبية هم من قادوا المعركة ضد الرجعية، لكانوا استأصلوا جذورها وبلا تردد. ولكن قيادة الثورة، كانت تعيش وهم حل التناقض بالتفاهم وليس بالنضال، الأمر الذي غذى قوى البيروقراطية، بشقيها العسكري والمدني، واتساع نفوذها وازدياد امتيازاتها في ظل غياب الكادحين والفئات الشعبية. 

يقول الحافظ، وفي معرض نقده للتجربة الناصرية، وهنا يكمن تناقضه الصارخ، بأن غياب الطبقة العاملة جعل مفاهيم ثورة يوليو عن الاشتراكية مفاهيم بورجوازية صغيرة. هنا يتفق الحافظ مع سمير أمين في أن نظام رأسمالية الدولة يمكن أن يلبي، في بلد متخلف، حل مشكلة التخلف، وأن نظاماً كهذا، يمكن أن تبنيه البيروقراطية والفئات البورجوازية الصغيرة. لكن الانتقال من رأسمالية الدولة إلى الاشتراكية يتوقف على الدور السياسي القيادي الذي  يمكن أن تنهض به الطبقة العاملة وانطلاقاً من النظرية الثورية، أي نظرية الاشتراكية العلمية.

غني عن البيان القول، بأن ثورة يوليو، ولأنها "ثورة من فوق"، كانت غير قادرة على تحطيم البنيان التحتي للمجتمع القديم. كما أن البنية الفوقية بقيت مقطوعة عن التطور وعن الريح الثورية الجذرية. وبقيت ايديولوجيا المجتمع القديم مهيمنة وعميقة الجذور، تمارس عملية خنق ووصاية على الايديولوجيا الاشتراكية  لكي تمنع نموها وتوسعها. ولا ضير من القول أيضاً، بأن الناصرية عكست، وإلى حد بعيد، ايديولوجيا عقلية الفلاح المصري وعفوية الجماهير الفلاحية. هنا يكمن ضعفها وقوتها وهذا يفسر تناقضها الطبقي، وايديولوجيتها المتأخرة، ووقوعها تحت هيمنة البورجوازية الصغيرة والنضال الذي تقوده هذه الأخيرة، سيؤدي الى توطيد مواقعها الطبقية.

بالمحصلة، أخفقت الناصرية بسبب ايديولوجيتها المتأخرة والمحافظة التي افتقرت الى الوعي المطابق والحديث. وأسباب الهزيمة، كما أسلفنا، كامنة في البنى المجتمعية المتأخرة وفي الوعي التقليدي. وفي الوقت الذي حوصرت فيه القوى اليسارية الثورية من قبل الناصرية والقوى التقليدية والمحتوى الاجتماعي-الوطني الذي نما على أكتاف البيروقراطية، تشكلت نواة لطبقة وسطى ومن طراز جديد وفر الامكانية للتفاهم مع الامبريالية.

والنتيجة كانت، بأن عبد الناصر لم يستطع أن يبني  ثورة اشتراكية، لأنه عجز عن تحطيم البنى الايديولوجية للمجتمع التقليدي. فالتغيير الجذري للبنيان الفوقي والتحتي من مهام الثورة الشعبية، والمخولة وحدها دون سواها، كسر وتحطيم البنيان الفوقي المتأخر وتغيير نمط الانتاج السائد. ومن شأن هذا التحول التاريخي أن يؤسس للحداثة السياسية والثقافية والاقتصادية، أي الاشتراكية.

لن تبنى الدولة الديمقراطية والعادلة إلا اذا انتصرت الانتفاضات الشعبية. عندها سيجري كسر وتحطيم واسقاط الدول القديمة. سيما وأن العالم العربي، لم يشهد بناء دول وطنية، منذ الاستقلال والدول أقرب ما تكون الى كيان أهل الدولة الخلدوني. ولطالما كانت الدولة تحوز على الفائض من خلال الهيمنة الايدلولوجية. فترتكز في شفطها للفائض على العشيرة والقبيلة.

هذا الركود التاريخي الذي اتسم به شرقنا، لم يسمح بظهور تمايز طبقي، كالذي حصل في أوروبا، عشية الثورات، حيث أن الدولة، ولدت من تناحرات طبقية حادة، ولم تنجح السلطات العربية في بناء هوية وطنية واندماج مجتمعي، ولم تعمل على صهر المكونات الماقبل وطنية.

كانت طريقة السلطة، في إدارة التنوع الهوياتي، تقوم على ضمان الولاء السياسي من خلال توزيع الريع، بصورة امتيازات وهبات وتسهيلات لشيوخ العشائر، الأمر الذي فاقم من تضخم البيروقراطية، وأفضى الى نشوء الطغم المالية-الريعية التي استحوذت على السلطة والثروة، وهي أقرب ما تكون الى رأسمالية المحاسيب التي امتلكت الدولة واعتمدت على القوة سبيلاً وحيداً في جباية القيمة الفائضة على حساب تراجع بورجوازية السوق. وكلما ازداد اعتماد الدولة على الريع، زاد الميل الى ما سماه جلبير الاشقر النظام الميراثي، وتقلصت بورجوازية السوق.

لم تساهم بورجوازية اليوم، الريعية والرثة والمنحطة، في عملية تنمية الانتاج ولا في نشر ثقافة التنوير والعقلانية، بقدر ما عملت على تكريس وتعميق حالة التخلف والتأخر كي تعيد انتاج هيمنتها من خلال اعادة انتاج البنى المجتمعية والسياسية والثقافية التقليدية والمفوتة تاريخياً.