عن المقاطعة وأمور أخرى

نشر في‫:‬الثلثاء, آب 15, 2017 - 12:09
من تظاهرة مناهضة للحرب على العراق، بيروت، ربيع ٢٠٠٣ (روان ناصيف- beirut.indymedia.org)
الكاتب/ة: باسم شيت.

في العام ٢٠٠٢، انبثقت حركة شبابية يسارية، في إثر الحصار الإسرائيلي لرام الله، ومجزرة جنين. إفترش الناشطون والناشطات الشارع في وسط البلد، وأقاموا اعتصاما مفتوحاً على مدى ٤٥ يوماً. كان الاعتصام حينذاك مركزاً أساسياً في تنشيط حركة الشارع، تضامناً مع فلسطين، وتعبيراً عن الرفض الشعبي للاحتلال الإسرائيلي. تحوّل الاعتصام إلى نقطة ارتكاز أساسية، في تاريخ الحركة اليسارية في لبنان، بعد انتهاء الحرب الأهلية، والدليل على أهميته هو انطلاق العديد من المبادرات، وبروز المجموعات السياسية، التي عبرت عن نفسها ،بواسطة منشورات كمجلة اليساري، التي كانت فعلياً لسان حال الحركة، والأداة الدعائية السياسية الأهم حينئذ بيد اليسار الجديد، والمركز الإعلامي المستقل، الذي روّج لبروز وتبلور حملات المقاطعة، والحلقات النسوية الناشطة في الحقوق الجنسية والجنسانية، بالإضافة إلى بذور حركات اليسار الثوري، وتبلور أوسع لمجموعات يسارية، من داخل الجو التقليدي، كـ»طلاب شيوعيون»، مثلاً.

المبادرات والحملات تلك لم تنشأ من فراغ، بل كانت تعبيراً عن تطور ملحوظ في الخطاب السياسي لليسار الجديد، والارتباط الوثيق ما بين «العسكرة» والتوسع الرأسمالي والعولمة، وخاصة أن هذه العلاقة أصبحت أكثر وضوحاً، من خلال السياسات الاقتصادية للدول الصناعية الكبرى، التي لازمت الحروب الإمبريالية، ومساندة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.هذا وإن شعارات الحركة العالمية والمحلية، المناهضة للحرب، حينذاك، اتخذت عمقاً سياسياً واقتصادياً، فبرز شعار «لا لحرب الأغنياء على الفقراء»، كرد على الحرب الأميركية على أفعانستان، وشعار «لا للحرب من أجل النفط»، كرد على الحرب على العراق.

لقد سعت الحركة من أجل التضامن مع الشعب الفلسطيني إلى ابتكار أدوات جديدة، لاستخدامها ضمن أطر المقاومة الشعبية والمدنية للاحتلال، ومن هذا المنطلق انطلقت حركة المقاطعة، كتعبير سياسي وعملي في نفس الوقت. فلم يكن غريباً حينئذ أن يتم استعمال هذه الأداة (المقاطعة)، لمواجهة دعم الشركات المتعددة الجنسية للكيان الصهيوني، وفي نفس الوقت ضد استغلالها الرخيص للمزارعين والعمّال لديها. وهذا ما كان يُعَبَّر عنه فعلياً، في النشاطات والاعتصامات، التي أقيمت على الأرصفة المواجهة لشركات، كستارباكس، وبيرغر كينغ، وغيرهما.

هذا التوجه لم يكن نتيجة لخيارات حياتية بحتة، ولم يكن فقط تعبيراً عن إرادة بعض الأفراد، بل شكّل المساحة السياسية، التي استطاع اليسار الجديد من خلالها، التعبير عن رؤيته لمسألة الإمبريالية والحرب، بينما كان اليسار التقليدي يعتمد، في تلك الفترة، سياسة الاستيعاب، أو الإقصاء، تجاه تلك الحركة الناشئة، خاصة الشبابية والحقوقية.

ومن هنا فإن نجاح المقاطعة، كتكتيك سياسي، يرتبط دوماً بواقع التغيرات السياسية العامة، وبتطور الحركة نفسها وخطابها، فلا يمكن له أن يكون تكتيكاً مجرّداً، وخارج استراتيجية أوسع للمواجهة. وهذا يبدو جلياً مثلاً بتواجد حملات عدّة للمقاطعة، منها اليسارية والحقوقية، والإسلامية والقومية. ويجب الاعتراف بهذا النسيج السياسي لحالة المقاطعة، ويجب الاعتراف ضمناً بأن هذه التيارات المختلفة هي، على الأقل، في صراع سياسي دائم، في ما بينها. ولأنها تكتيك، فهي، فعلياً، سلاح يُستخدم من أجل تحقيق أهداف أوسع. وهو تكتيك يرد عليّه، أيضاً، الكيان الصهيوني، بكمِّ أفواه معارضيه، من خلال اتهامهم بمعاداة السامية، إن انتقدوا السياسات الإسرائيلية. فلا يمكننا النظر إلى المقاطعة كهدف بحد ذاته، بل إلى ما يجب أن يكون عليه دورها، في دفع استراتيجية مواجهة أوسع مع العدو الصهيوني، والإمبريالية.

بناء على ذلك، لا يمكننا في لبنان، في بلد بحالة المواجهة المباشرة مع إسرائيل، اعتماد نفس الاستراتيجية التي تعتمدها حركات المقاطعة في أوروبا، أو في الولايات المتحدة، مثلاً، أو أن نلتزم حدودها (مع ضرورة التنسيق أو توحيد الجهود عند اللزوم)؛ كما لا يمكن لحركة المقاطعة في لبنان أن تضع استراتيجية عمل، بمعزل عن رؤية جدّية لكيفية تحرير فلسطين، خاصة في ظل المدّ الثوري في المنطقة العربية.

تقع فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي، طبعاً، ولكنها أيضاً تحت حصار عربي؛ من الجنوب تحدّها اتفاقية كامب ديفيد، ومن الشرق اتفاقية وادي عربة، ومن الشمال الشرقي حدود هادئة، بضمانة نظام البعث الذي لم يطلق رصاصة واحدة بوجه الاحتلال،منذ العام 1973 ، ومن الشمال يحدها لبنان، ذو النظام الطائفي العنصري، المعادي بوقاحة للفلسطينيين وحقوقهم، أياً كانت. ويترافق هذا مع انحسار حركة المقاومة، من إطارها اللاطائفي والوطني الجامع، إلى جسم طائفي مذهبي، فشل في توحيد المجتمع اللبناني تحت لوائه.

وفي ظل ذلك الحصار، تتفرغ السلطة الإسرائيلية لمزيد من مشاريع التقسيم، وضرب المقاومة الفلسطينية (بمساعدة الأنظمة العربية المعتدلة،كما «الممانعة»). وها هي اليوم تستطيع أن تنفرد في مواجه غزة والضفة الغربية، كلّ على حدة. فمسألة تحرير فلسطين تتعدى مسألة مواجهة السلطة الإسرائيلية وحدها، بل تتطلب، كشرط أساسي، مواجهة شاملة للصهيونية، وللأنظمة العربية الديكتاتورية القائمة، التي، فعلياً وعملياً، تسهم بشكل مباشر في بقاء فلسطين تحت الاحتلال.

وهذا ما عبّر عنه بالضبط اليسار الجديد، عشيّة الحرب على العراق في ٢٠٠٣، حين رفع شعار «لا للحرب لا للديكتاتوريات»، معتبراً أنه لا يمكن تحرير فلسطين ودرء الحروب عن المنطقة، إلا بإسقاط أنظمة الحكم الديكتاتورية العربية، ورفع الحصار عن فلسطين والشعب الفلسطيني. يومئذ، كان هذا الأمر بمثابة حلم لجيل جديد من الناشطين والناشطات، ولكن، مع بداية العام ٢٠١١، أصبحت ملامح الحلم تتخذ لنفسها مساحة أكبر، في واقعنا العربي اليومي، الذي ينبض بالثورة، من المحيط إلى الخليج.

الديمقراطية الفعلية في المنطقة العربية، التي تعبّر عن آمال وتطلّعات ناسها، ستمنع السلطة المصرية من السماح للأسطول الأميركي بالمرور عبر قناة السويس ، لضرب العراق،مثلاً، أو بناء جدار فصل عنصري، على حدودها مع فلسطين؛ والديمقراطية في الخليج لن تسمح للطائرات الأميركية باستخدام المطارات العربية لضرب العراق وأفغانستان، كما أن الديمقراطية في سوريا لن تسمح بأن يكون دورها هو حماية الحدود مع إسرائيل، طوال ٤٠ عاماً، والتخلّي عن الجولان.

لطالما سعت الأنظمة العربية القائمة إلى تحييد مسألة التحرر الداخلي عن الصراع السياسي المحلي، بحجة «الوحدة الوطنية» والصراع مع العدو الإسرائيلي، ولكنها كانت في نفس الوقت تدخل في أطر توازنات مصالح الإمبريالية نفسها، وأضحت ركائز أساسية في استراتيجية الإمبريالية نفسها، وأداة لها. فمن سوريا إلى لبنان، ومصر، والخليج العربي، والأردن والمغرب العربي، كانت الأنظمة تسعى دائماً لضرب أي محاولة لصعود مقاومة شعبية ضد الاحتلال، بل كانت تحاول استيعابها، من جهة، لتكون أداة أخرى لدعم سياسات الأنظمة وخططها الجهنمية ضد التحرر الوطني، أو من خلال تفكيك هذه المقاومات الشعبية وتصفية واعتقال أفرادها.

فمن هنا، لا يمكن للمقاطعة أن تكون وسيلة تكتيكية، من خارج واقع المواجهة مع الأنظمة القائمة والإمبريالية، كونها من أدوات المقاومة الشعبية، لا أداة تستخدمها الأنظمة لضرب الحركات الشعبية، من ضمن سياسة تعرف عادة بسياسة التخوين (و»إيهان نفسية الأمة») وما هنالك من هرطقات الأحكام القضائية للسلطات الحاكمة. وتلك المصطلحات التخوينية هي بالذات التي تستخدمها الأنظمة، اليوم، بمواجهة الثورات العربية. إن حملات المقاطعة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت آخر، بأن تلتزم بشكل مبدئي بحركة الشعوب، وان تساعد حركة الشعوب هذه، من خلال تزويدها بأدوات سياسية إضافية، لمواجهة الإمبريالية والأنظمة القائمة.

لا يمكن أن يقتصر دور حركة المقاطعة، في لبنان، على مواجهة التطبيع مع العدو الإسرائيلي، بل عليها أن تلعب دوراً محورياً في دعم حركة الشعوب العربية، من أجل التحرر من الديكتاتوريات القائمة، كخطوة أساسية نحو تحرير فلسطين، من خلال تجذير مفهوم المقاومة الشعبية والمدنية، وتوضيح طبيعة السيطرة النيوكولونيالية، على المنطقة ومقدّراتها، وأقلّه لمواجهة الموقف المخزي لبعض اليسار العالمي الداعم للديكتاتوريات، أو المكتفي بمعاداة إمبريالية الولايات المتحدة، لا غير. وليس من المجدي في هذه الحالة أن يقتصر العمل، خاصّة الميداني، على ردود الفعل ضد شركة، أو شخصية، داعمة لإسرائيل، عندما تكون المشكلة الأساسية هي علاقات التطبيع والتواطؤ، التي تقوم بها الأنظمة القائمة، والطبقة الحاكمة، مع العدو الصهيوني وأدواته. فهذا تغييب للسياسة، في مسار سياسي بامتياز، وتبنٍّ غير مقصود لمقاربات الجمعيات غير الحكومية، التي يحتقرها بعض منظّري المقاطعة.

المثلان الأكثر بروزاً في عملية التغييب، في الآونة الأخيرة، كانا محاكمة العميل فايز كرم، الذي ُثبتت عمالته للعدو الصهيوني، والثانية الثورة السورية والموقف منها،وهما قضيّتان أثارتا جملة من التساؤلات لدى داعمي المقاطعة، قبل أعدائها، فقرر القيّمون على الحملة مواجهتهما، من خلال «النأي بالنفس»، وغض النظر عن التخوين المضاد، الذي يقوده ممانعون، باسم الحملة.

في المسألة الأولى، كان لا بد لحملة المقاطعة من أن تصدر، ولو بياناً مقتضباً ينتقد التقصير في محاكمة فايز كرم، وأن تنتقد السلطات اللبنانية والحكومة لتواطُئها في قضية العفو عنه، لأنه مقرّب من التيار الوطني الحرّ، حليف حزب الله. هذا على الأقل لتأكيد مبدئيتها، واستقلاليتها عن الانقسام بين طرفي السلطة اللبنانية؛ وفي المسألة الثانية، كان لا بد لها من أن تصرّح، بشكل مباشر، بدعمها للثورة السورية ضد نظام الأسد، وأن تُعلن ،في الوقت نفسه، عن رفضها للتدخل الأجنبي (أكان روسياً أو أميركياً أو أوروبياً أو صينياً)، كون هذا الموقف يضمن لها استقلاليتها عن الديكتاتوريات العربية، ويحصّنها من استخدام المقاطعة، كوسيلة لتصوير أن هناك صراعاً صحيحاً (الصراع المباشر ضد إسرائيل)، وصراعاً غير صحيح (الصراع ضد الديكتاتورية).

فالمقاطعة هي سلاح شعبي، ولا يجب أن تتحول أبداً إلى سلاح تستخدمه الأنظمة، لحرف الانتباه عما يحدث للشعوب العربية عامة، والشعب السوري خاصة. ليس القصد هنا اتهام الناشطين والناشطات، في «حملة مقاطعة داعمي إسرائيل» أو «مناهضة الصورة الزهرية لإسرائيل»، فالغالبية تناصر الثورة السورية، وهي خارج الاصطفاف الآذاري في لبنان. لكن هناك استخداماً كبيراً لها، من قبل اليسار الستاليني والقومي، للدفع في مسألة المقاطعة، كمحاولة منهم لتحويل الانتباه عمّا يجري في سوريا. وهذا واضح وصريح في الكثير من النقاشات، على صفحات التواصل الاجتماعي، خاصّة عندما يتم تصوير أي حراك يطالب بشيء غير «تحرير فلسطين»، وكأنّه جزء من الاحتلال، وعميل. وبالطبع، فإن هؤلاء أنفسهم، يغضون النظر عن مدى تعامل وتواطؤ النظام السوري، تاريخياً، مع السلطة الإسرائيلية، كما يغضون النظر، أيضاً، عن إعادة الحقوق المدنية للعميل فايز كرم.

المعايير المزدوجة تَضرب مصداقية المقاطعة، كتكتيك للعمل السياسي، وتُضعف جبهتها، بمواجهة اليمين الليبرالي، الذي يتهمها بالإرهاب الفكري، ويستمد دعماً إديولوجياً من نظام الحكم اللبناني، وسياسة العفو عن مجرمي الحرب والعملاء، وتنصيبهم وزراء ورؤساء، ويستفيد أيضاً من مهادنة اليسار الستاليني والقومي للاحتلال السوري في لبنان، وتواطئه مع نظام البعث، ومن انفتاح الحركة، المرفوض، على قوى فاشية ولاسامية حقاً. هذا كله يقوّض عمل المقاطعة، ويحصرها في بيئة سياسية واحدة، ضمن اصطفاف طائفي سلطوي، يتناقض مع مبدأ المقاومة المدنية، ويمنع انتشار الحركة داخل المجتمع، والأهم أنه يُنذر بخطر تحوّلها إلى طائفة سياسية منغلقة، غارقة في الفئوية، ولا قدرة لها على التأثير.

وفي ظل شراسة اليمين الليبرالي والطائفي والعنصري، والمطبِّع مع السلطة الإسرائيلية، الذي يحاول ضرب المقاطعة، ووصمها بأنها نوع من «الرقابة»، وكبت «للحريات»، علينا جميعاً أن نعي أنه لا يمكن الفوز في المعركة ضدّ هذا اليمين، إلا بالسياسة، لا بالأخلاقيات فقط، وبأن تلتزم حركة المقاطعة بخطاب سياسي يمشي جنباً إلى جنب مع الثورات العربية، وينظر إلى مسألة تحرير فلسطين، كجزء من السيرورة الثورية العربية، لا التوازنات بين أنظمة استبدادية عميلة، بشكل أو بآخر.
--
مجلة المنتدى الاشتراكي- العدد صفر- ربيع ٢٠١٢