ست سنوات على رسالة هالة العبدالله إلى من لم يقف مع الشعب السوري

نشر في‫:‬الخميس, تموز 20, 2017 - 22:17
من المسيرة التضامنية مع الثورة في سوريا (آب- 2011) | تصوير نضال مفيد
الكاتب/ة: فرح قبيسي.

قام أحد الرفاق منذ يومين بإعادة نشر فيديو على فايسبوك للمخرجة السورية هالة العبدالله، توجهت فيه برسالة بمناسبة أمسية للسينما السورية في بيروت في الثامن من حزيران 2011 التي عقدت في مسرح دوار الشمس في بيروت.

أذكر جيدا هذه الأمسية كما لو كانت اليوم. كان ينتاب المنظمين والحاضرين معا، حالة من القلق بسبب التهديدات التي وصلت لإدارة المسرح وبسبب الاعتصام المتزامن الذي نفذه مؤيدون للنظام السوري على الجهة المقابلة للمسرح اعتراضا على إقامة الامسية هذه. كنا في العام 2011 وكانت الثورة في ايامها الأولى. خيم في بيروت في تلك الفترة جو من القمع الذي كان ينال من كل فعل تضامني مع الثورة في سوريا، وصولا الى الاعتداء على المتظاهرين امام السفارة السورية في بيروت في 2 آب من تلك السنة، اي بعد مرور شهرين على هذه الامسية.

قمت بتفريغ رسالة هالة لأهمية ما تضمنتها من رسائل تحاكي اللحظة الراهنة التي تتصاعد فيها حدة التجييش العنصري والطائفي والطبقي ضد السوريين.

يعود بنا التسجيل إلى الثمانينات، تذكرنا هالة فيه بلحظة طلب اليمين اللبناني من النظام السوري التدخل لوضع حد لتمدد اليسار في لبنان. حينئذ، التقت مصلحة اليمين اللبناني والنظام السوري في قمع الحالة الثورية في لبنان.
بعد ثلاثة عقود، ها هو المشهد ينقلب رأسا على عقب.

فالنظام الطائفي اللبناني، هو من يخشى "أن ينمو ويتجذر على بعد خطوات منه نظام ديمقراطي وحر". فيما تدخلت قوى لبنانية عديدة منها من يقدم عونا عسكريا كبيرا للنظام السوري في قمع الثورة، والبعض الآخر يستخدم تدخله لزيادة الاستقطاب الطائفي المتبادل.

النظام الطائفي، خاصة في "عهده الجديد"، هو امتداد عضوي لنظام الثورة المضادة المنتصر اليوم من الخليج الى المحيط. ولا يمكن فهم حالة القمع الذي يتعرض له مجتمع اللاجئين السوريين في لبنان من خارج هذا السياق.

فالآتون من تجربة الثورة منهم على مدار السنوات الست الفائتة، بكل تقلباتها وتحولاتها وانهزاماتها، "لا بد" من اسكاتهم وترهيبهم وضبطهم، والأهم من ذلك، نزع السياسة عنهم، ومعاقبتهم، هم من تجرأوا يوما على "كسر التماثيل" و"حرق الصور" و"الانتصار على الخوف".

الخوف، سلاح نعرفه جيدا كلبنانيين ولبنانيات. نعرف كيف أنه كلما خطونا خطوة باتجاه التغيير، أرهبنا نظام الميليشيات الحاكم باللجوء إلى الحرب. وكما أرهبنا، يرهب السوريين بهدف "تهذيبهم"، ومن ثم إعادتهم قسريا إلى تحت مقصلة نظام البطش الدموي ليكونوا جنودا منضبطين ومطيعين للآب والإبن. أليس هذا المشروع الذي أعلنه أمين عام حزب الله الأسبوع الفائت؟ وأليس هذا ما يحاول وزير الخارجية جبران باسيل إقناع الاوروبيين والجهات المانحة به؟ هكذا تتقاطع وتتكامل أدوار كل من النظامين السوري واللبناني في ضبط السوريين ومحاولة تركيعهم وإذلالهم.

ينغمس النظام اللبناني بالحرب الاقليمية على الإرهاب الممتدة من الموصل مرورا بالقاهرة ووصولا إلى عرسال، وفي إطار ذلك، يعمل على ترهيبنا لبنانيين وسوريين.

فمنذ بداية "العهد الجديد" هنالك تكون لحكم آخذة ملامحه بالتبلور تباعا، ولا شك أن ما نراه من قمع وعسكرة وتقييد للحريات عامة هي إحدى ملامحه الرئيسية. في هذا الإطار، تفيد الحالة الوطنية المفرطة التي نشهد حاليا واحدة من أبشع أشكالها، بإعادة الانضباط الوطني في ظل واقع اقتصادي واجتماعي متردٍ، ويتجه إلى المزيد من التردي يوما بعد يوم، كما وإلى إعادة الاصطفاف خلف أركان الحكم البرجوازي الطائفي تحت شعار "الوحدة الوطنية" وبالتالي إسكات أي صوت مشكك يدعو للمساءلة.

ففي الوقت الذي ترتفع فيه الحالة الوطنية المفرطة ودعوات دوس الرؤوس بالجزمة العسكرية، التي يشارك بها سياسيون وفنانون واعلاميون وغيرهم، أقرت الحكومة سلة ضرائبية على الاستهلاك لا تطال سوى الطبقات العاملة والوسطى في أغلبها، فيما كانت الضرائب على أرباح رؤوس الاموال ومداخيل الأغنياء دون المأمول، ولا غرابة في ذلك. أما السلسلة الهزيلة وغير المنصفة التي أقرت بعد سنوات طويلة من النضال، فتم إلغاء أي مفعول لها قبل وصولها إلى جيوب الموظفين والمعلمين والعساكر والمتقاعدين.

أنظر الى أحداث الأيام الفائتة وتتابعها، وأرى فيها محاولة لترهيبنا كمجتمع وضبط إيقاعنا على إيقاع الجزمة العسكرية وطبول الحرب. وفي هذا المناخ لا بد من الصمود والتضامن الأكبر فيما بيننا لبنانيين وسوريين وإلى أي جنسية أخرى انتمينا. واليوم، وكما وقف قسم من اليسار السوري ضد تدخل النظام السوري دفاعا عن استقلال لبنان، دافعا ثمنا غاليا سجنا وتعذيبا، لا بد من الوقوف دفاعا عن حرية السوريين وكرامتهم سواء في سوريا أو في لبنان، ففي ذلك دفاع عن حريتنا ومستقبلنا كلبنانيين أيضا.

----
كلمة هالة العبدالله
"مساء الخير،
سألت نفسي لماذا سأقول لكم ما سأقول؟ وما فائدة عرض أفلام سورية في بيروت اليوم، لمن؟ ولماذا؟ وما الذي يمكن أن أقول عن عمر أميرالاي، غيابه؟ وعن سينماه اليوم؟ ما الذي كان يمكن أن يقول لكم عمر؟ لن يقول لكم: أفلامي تحكي عني. لأنه لو كان ما زال، لكان سيقول لكم هذه المرة أن الطوفان وجرأة مس الديكتاتور فيه، تجاوزه الواقع. انكسرت التماثيل، حرقت الصور وصرخ الشارع. ودفع الناس ثمنا غاليا، شهداء، معتقلين ومدنا محاصرة. الخوف الذي انتصر عليه عمر في فيلم الطوفان، في السينما، انتصر عليه الناس في الواقع. واجهوا، تحدوا وتجاوزوا. واجهوه بصدور عارية. واجهوا الرصاص الحي، الرصاص المتفجر، وحتى قصف الدبابات. ما الذي يمكن أن يقول لكم عمر؟ ربما كان سيكتفي بأن يبتسم ابتسامة مرّة، معاتبة، ويدير ظهره ويمشي. لن يدير ظهره لمن أتى ليشارك في الأمسية التضامنية. فإن وجودكم أنتم في هذه الصالة له معناه الخاص والواضح. كما أنني لن أتوجه بما سأقول لكم أنتم، بل عبر وجودكم، لمن لم يقف مع الشعب السوري.

تأتون اليوم للفرجة، لتتفرجوا على أفلام من سوريا وعن سوريا وستستمتعون وستتناقشون وستتحرضون وربما تحبون، وربما لا تحبون. لكن هذه الأفلام التي تعكس الواقع وتحكي عنه من خلال عين لسينمائي أنجزها، تدفعني لأطرح سؤالا على نفسي وعليكم وخاصة عليهم: هل كان من الأفضل أن تتفرجوا على ما يحدث في سوريا وكأنه سينما كي تتفاعلوا، كي تتحرضوا، وكي تلتقوا بالحقيقة؟ لماذا تفضلون أن تمروا الى الحقيقة من خلال السينما التي تحكي عن الحقيقة، ولا تريدوا أن تتفرجوا على الحقيقة التي تعرضها شوارع المدن والبلدات في سوريا؟ اليوم، ما هو الاصدق؟ ما هو الاكثر حرارة والاكثر أهمية؟ إن أصغيتم السمع، فسيصلكم هدير الشارع: حرية حرية، سلمية سلمية. لكنكم تضعون سماعات توحد الصوت في آذانكم، توحد الموسيقى والكلمات. عوض سلمية تسمعون سلفية. وعوض حرية تسمعون ممانعة.

أنصتوا الى الشارع السوري كيف يتحدى طغيانا وكيف يستيقظ من كابوس. أنصتوا اليه ففيه خليط من الروائي والوثائقي والفانتازيا واللامعقول. لن أدخل في خطاب سياسي، ولكن يعرفون جيدا، أولئك الذين يتبنون نظرية نظام الممانعة، أن شعبا مقموعا، حفظ فلسطين في قلبه لمدة نصف قرن، هو الجدير بالمشاركة بتحريرها. ولكن عندما يتحرر. وأن النظام الذي يطلق النار على مواطنيه، لن يطلق النار على اسرائيل. ويعرفون جيدا، أولئك الذين يتبنون نظرية المؤامرة والسلفية، أن شعبا يخرج للشارع منذ ثلاثة أشهر تقريبا مسلحا فقط بصوته وبكاميرا موبايله، هو شعب ينادي الحرية ويموت من أجلها وعليه هو أن يختار لون صوته، مفرداته، ومقولته. ليس على أحد أن يلقنه ويوجهه ويديره ويشترط عليه.

في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، يوم طلب اليمين اللبناني من النظام السوري التدخل خوفا من امتداد اليسار الديمقراطي اللبناني وسيطرته على لبنان، يومها تجاوب النظام وتدخل عسكريا، لأنه هو أيضا كان يخشى أن ينمو ويتجذر على بعد خطوات منه نظام يساري، ديمقراطي، حر. وكنا شبابا صغارا بعد، كان عظمنا غضا. ومع ذلك، تحركنا ضد التدخل السوري بمظاهرات خُنقت وببيانات من ورق، ودخلنا السجون. شن النظام يومها حملات شرسة ضد اليسار في سوريا، وبعضنا قضى سنة وسنتين وعشر سنوات في السجون. كنا يومها ندافع عن لبنان، الوطني الحر. ولكن كنا ندافع أيضا عن مستقبلنا وحريتنا.

لا أذكركم بتلك المرحلة للمقايضة عليها ولشراء موقف منكم. أبدا. ليس هذا القصد. وانما أردت أن أقول أن الخوف يومذاك لا يختلف عن طبيعة الخوف اليوم. نعم، من يقول أن اهتزاز النظام السوري هو اهتزاز للمنطقة وأن أي تغيير يشكل خطرا على المنطقة، نعم هذا صحيح. إن تغييرا في سوريا، سيهز المنطقة، المنطقة المهترئة، الفاسدة، المغرقة بالقمع وانعدام الحريات. إن تغييرا في سوريا سيجعل الحرية تتنزه من جديد كصبية في عز جمالها. تتنزه عارية وبلا خوف على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.يومها سنعمل أفلاما عن الجمال والحب وعن الحرية. ويومها ستعود السينما لتنقل ما يحدث في الواقع.
لماذا أحكي معكم اليوم؟

لا أنتظر منكم شيئا ولا أتوقع منكم شيئا. أحكي اليوم معكم لأنني أحبكم. لأنني أخاف عليكم. لأنني أخشى على مستقبلكم، ولأنني أريد أن أطمئنكم بأننا مازلنا في سوريا مستعدين للتظاهر ولندخل السجن من أجل لبنان وطن حر."