عن ماضٍ لا يزول، عن مستقبل نحبو إليه

نشر في‫:‬الخميس, ايار 25, 2017 - 08:26
الحق | منير الشعراني
الكاتب/ة: سليمان فقيه.

في أواخر السبعينات من القرن الماضي، كانت أحلامنا نحن الفقراء أبناء المدن الوافدين من القرى النائية، ومثلنا الكثيرين من أبناء المدن المهمشين والمفقرين، كانت أحلامنا بالتغيير نحو عالم أكثر عدالة وإنسانية كبيرة جداً.

لذا وعند اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية انتسب معظم جيل الشباب إلى الأحزاب اليسارية والناصرية والقومية تحت شعارات التقدمية والتغيير والاشتراكية.

وفي هذه الحال، كان أبناء جيلنا يتفانون وينكرون ذواتهم كرمى لهذه الأحلام والشعارات دون حساب أي مقابل شخصي. كنا نهمل كل ما يمكن أن يفيدنا على المستوى الذاتي ونلغي أنفسنا في سبيل النضال والحزب والقائد... الخ.

كانت السبعينات عبارة عن مختبر نضالي خرّج الآلاف من المناضلين/ات، وكان نصيب عدد كبير منهم/ن الاستشهاد على محاور القتال الطائفية، فكان الألم مزدوجاً، وخاصة لدى الرفاق الشيوعيين الذين ينحدرون من مذاهب دينية مغايرة، الأمر المخالف لواقع الإنقسام الطائفي.

ومع ذلك، لم يتوانَ معظم المنضوين تحت شعارات الشيوعية والاشتراكية عن أي عمل، مهما كان شاقاً.

في تلك الآونة، كنت أعمل في محل للخياطة الرجالية في منطقه الشياح- الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي كل أسبوع كانت تأتي إلي فتاة سمراء في مقتبل العمر، من أصول قروية، وتعرض عليّ جريدة رابطة الشغيلة الاسبوعية، فأشتريها منها والسعادة تغمرني بالتزامها النضالي، وما كان يسرني أكثر هو تحررها من العقد الاجتماعية التي كانت سائدة في القرى، وخاصة القرى النائية في الجنوب والبقاع حيث كانت هذه القرى تشكل معظم القاعدة الحزبية اليسارية.

كنت أرحب بها وأدعوها للاستراحة قليلاً، فترد بسرعة أنها لا تستطيع بسبب كثرة العمل ومهام التوزيع. في نفس هذه الفترة تعرفت على مناضلٍ آخر كان يمر بنا أيضاً ليوزّع البيانات أحياناً، وجريدة "ما العمل؟"(*) أحياناً أخرى. وكانت ترافقه في بعض الأوقات رفيقته التي كانت اسمها التنظيمي رندى(**)، وكان اسمه التنظيمي صلاح(**).

مرت السنوات، وتوطدت علاقتي بهما، ولكني لم أنسَ يوماً تلك الفتاة السمراء. تحولّتُ بنفسي إلى أحد الموزعين لجريدة "ما العمل؟"، مثلما كانت تلك الفتاة تفعل بجريدة رابطة الشغيلة.

وتوالت الأحداث، إلى أن تكرر التقائي بتلك الفتاة على الطرقات، وفي كل مرة ألقي عليها التحية وتبادلني إياها مع ابتسامة تخفي خلفها العديد من التساؤلات.

في بداية الثمانينات، التقيت باثنتين من الصبايا اللتين كانتا توزعان جريدة رابطة الشغيلة، وكنت أسألهما عن رفيقتيهما السمراء، فتخبرانني حيناً أنها في طرابلس وحيناً أنها في صور وحيناً آخر أنها في البقاع وهلم جرّاً...

كنت أسأل نفسي دوماً عن ظروف عيشهنّ وكيف يتدبّرن أمورهنّ بأنفسهنّ في بيروت، غير أنني لم أجرؤ يوماً على طرح هذه الأسئلة عليهنّ.

مرت سنوات جديدة، وكنت كلما أشعر بالتعب أو بالتهديد الأمني بسبب توزيع "ما العمل؟" أو أي بيان ضد السياسة القمعية للنظام السوري في لبنان أو ضد القوى الطائفية الرجعية، كنت أتذكر تلك الفتيات المناضلات، ما كان يعزز معنوياتي فأعود إلى الشارع لتوزيع الجريدة والبيانات تحت ظروف أمنية خطيرة.

بعد عقد ونيف من الزمن، شاءت الظروف أن تسكن إحدى الفتيات بالقرب من منزلي القديم في منطقة الحرج القريب من مخيم شاتيلا، وكانت في حينها قد تزوجت برجلٍ يكبرها بعشرين عاماً وكان شديد الفقر، وكانت هي تعمل في خبز الصاج. كانت إحدى رفيقاتها القدامى، والتي بدورها تزوجت أحد الأشخاص النازحين من العراق، وكان شديد الفقر أيضاً، كانت تأتي إليها لتبتاع منها بعض الأرغفة، فتساعدها بذلك، وتسد بائعة الخبز بعضاً من حاجتها المادية بالمقابل.

سألتها في أحد المرات: أين ذهبت رفيقاتك الأخريات؟ فردت بحرقة في قلبها، أنهن عانين الأمرّين بسبب تخلي قيادات رابطة الشغيلة عنهنّ، بعد ما وصلت هذه القيادات إلى مراكز السلطة و/أو المال، بعدما أعلنوا الولاء للنظام السوري في لبنان، وأصبحوا من المنتفعين منه، فأصبح زاهر الخطيب وزيراً، وأصبح غالب قنديل مسؤول العلاقات الاقتصادية والتجارية بين لبنان وسوريا... إلخ.

وقد كان ذلك من "فضائل" النظام السوري على بعض من كانوا يدعون إلى حرب العصابات ضد النظام السوري في لبنان، حين كانوا وكلاء إحدى التنظيمات الفلسطينية المعارِضة للنظام السوري.

وهكذا كانت نهاية حقبة من النضال بالنسبة للعديد من المناضلين/ات، الذين/اللواتي حصدوا/ن ثمرة تخليهم/ن الكامل عن تأمين لقمة العيش والتفكير بالمستقبل.

علمت لاحقاً أن تلك الفتيات تركن مقاعد دراستهن وهجرن أسرهنّ من أجل العمل النضالي.

أما بعد، فإنني أرى من هذه التجربة، ما قد يفيد الرفاق والرفيقات، حيث أن العمل النضالي ما هو إلا جزء من الحياة، التي يتوجب علينا أن نعيشها بالكامل، دون إغفال أي من جوانبها وموجباتها وتحدياتها سواء في الحاضر أو في المستقبل، دون التخلي عن النفس النضالي أو تجاهل المهام الملقية على عاتق كل منا.

وللموضوع تتمة...

الهوامش:

(*) "ما العمل؟" لسان حال التجمع الشيوعي الثوري، الذي أسس مع التجمع اليساري من أجل التغيير عام 2011 المنتدى الاشتراكي.

(**) رندى وصلاح اسمان مستعاران، من الكوادر الأساسية في التجمع الشيوعي الثوري وقتذاك.